وصية العَرَّاب..إما القَسوة أو الإنسحاب


 

_ بالنسبة للبعض أنا عبقرىٌ كبير.. إلا أن البعض الآخر يرانى تجسيداً للشيطان.،

هكذا كان يصف نفسه، فقد كان يعلم أن تأثيره على صناعة القرار السياسى فى أمريكا قد وصل إلى قمته، وأن آراءه ونظريات بمثابة البوصلة السياسية لأمريكا والغرب فيما يتعلق بالشرق الأوسط،

_ كيف لا.. وقد كان “هنرى كيسنجر” وهو من هو بكل خبرته وحنكته السياسية يرجع إليه كثيراً فى أمور الشرق الأوسط.،
_ وكان أيضاً من الكتاب المفضلين لرئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير.. والتى استقبلته استقبالاً رائعاً عندما زار إسرائيل التى كان من أشد الداعمين و المساندين لها دائماً.،
_ وبعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر شوهد الرئيس السابق “بوش” يحمل مقالاته التى من الواضح أن مستشارته للأمن القومى وقتها “كوندوليزا رايس” كانت قد أمدته بها.

_ إنه “برنارد لويس” المؤرخ والباحث البارز في تاريخ الشرق الأوسط الذى توفى منذ أيام عن عمر ١٠٢ عام، والذى تردد اسمه كثيراً فى السنوات القليلة الماضية فى كافة الأوساط السياسية وفى مختلف وسائل الإعلام العربية.. والذى عُرف أيضاً “بمهندس سايكس بيكو 2”

_ ولد لويس فى لندن لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة و كان مولعاً بدراسة اللغات والتاريخ، ودرس فى جامعات لندن وباريس قبل أن يصبح أستاذاً مساعداً للدراسات الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية ١٩٣٨ وخلال الحرب العالمية الثانية عمل في الإستخبارات البريطانية في الشرق الأوسط.. وكان يجيد بطلاقة العربية والفارسية والتركية والفرنسية والألمانية.. بالطبع إلى جانب العبرية والإنجليزية.. فضلاً عن دراسته للآرامية واليونانية واللاتينية

وفي الفترة بين عامي ١٩٤٩ و ١٩٧٤ عمل أستاذاً لتاريخ الشرق الأدنى والأوسط في كلية الدراسات الشرقية،

_ تأيده المطلق لإسرائيل وقربه من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، جعلاه من بين الشخصيات المؤثرة فى البيت الأبيض والبنتاجون، فكان من الذين خططوا للإجتياح الأميركى للعراق سنة ٢٠٠٣، غير أنه عاد بعدها ونفى تأييده لغزو العراق!!!، رغم أنه من مؤيدى انتهاج السياسات الصارمة الخاصة بالشرق الأوسط، فقد كانت رسالته السياسية لأمريكا بشأن الشرق الأوسط فى العام ٢٠٠١ هى “القسوة أو الخروج”، محذراً من أن المفجر الإنتحارى قد يصبح رمزاً لتلك المنطقة بأسرها التى تغرق فى الكراهية والغضب والقمع والفقر ( كما وصفها).، فإما القسوة أو الإنسحاب والتخلى طواعية عن أوراق اللعبة التى امتلكتموها لعقود.. عليكم بزراعة الكراهية وتغذية التعصب وسيساعدكم ما يتعرضون له من قهر وقمع، وما حل بهم من تعصب وجهل.، هذه هى رسالته وهذا هو “مذهب لويس” الذى تعتنقه الصهيونية العالمية وتطبقه فى بلادنا منذ عقود، والذى روجته زوراً وتدليساً كبرى الصحف العالمية بـ “زرع الديمقراطية في دول الشرق الأوسط الفاشلة للتصدى للإرهاب”
_ فخلال مشواره الطويل، تركزت أعمال “برنارد لويس” بصفة خاصة على معالم إعادة تشكيل الشرق الأوسط، كالإنقسامات العرقية والتشدد الإسلامى والأنظمة الإستبدادية المدعومة أحيانا من الغرب الذى لا يمكن لعاقلٍ بصير أن ينكر دوره التآمرى فى صناعة ودعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية والعمل على إزكاء التعصب والتطرف فى منطقتنا، والتى توجد بذرتها فى الأساس وبكل صراحة عند الكثيرين نتيجة لما موُرِس عليهم من تجهيل متعمد وإفقار وإهمال ممن تولوا أمرهم.،

_ نعم رحل أحد أهم عرِّابي الصهيونية، ولكنه ترك مذهبه ورسالته وعشرات من المؤلفات والأبحاث والدراسات.. تركهم كأسلحة فتاكة فى أيدى رعاة الصهيونية العالمية وجنودهم فى كل مكان.. يواجهون به شعوباً أغلبها مغيبة ومشوهة ومشوشة، شعوباً أُغتيل السواد الأعظم منها مع سبق الإصرار والترصد، وإن كان الفاعل الأصلى معلوم فشركائه أيضاً معلومين “حكام الخنوع والتفريط، ونخب الإفك والنفاق، وأئمة الضلال والدمار”..ولكن يبقى الرجاء فى القدير القهار، والأمل من بعده وبدعمه “للقِلةِ الظاهرة”.. الموعودة بنصره ما دامت من أجل الحق ساعية ومرابطة، ولأهمية العلم والعمل مدركة، وبالأخلاق وصحيح الدين متأذرة.، فحتماً ومهما طال ليل القهر عليها.. سيأتى يوماً تخرج فيه من كبوتها بهؤلاء الأخيار بإذن الله ظافرة.

المقال السابقالبياضُ
المقال التالىالفنان الرائد ضياء البياتي
وائل سليمان _قدم عدد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية _يكتب فى العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية _المتحدث الإعلامى لمدينة الذهب والتعدين المصرية _مدير تنفيذى بإحدى دور النشر اللبنانية بمصر * درس القانون بجامعة عين شمس بالقاهرة * درس الإستراتيجية والأمن القومى فى كلية الدفاع الوطنى بأكادي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد