عباقرة من هذا الزمان

 

العبقرية ليست حكرا على شعب من الشعوب. وقلما تخلو أمة من الأمم من العباقرة الذين ساهموا إلى حد بعيد في دفع مسيرة التقدم البشري للأمام . العبقرية تعرف مفهوم العطاء ولا تعرف الأخذ لهذا السبب يموت العباقرة فقراء أو في أحسن الأحوال عند خط الفقر . يكتب العباقرة تاريخ الإنسانية بدمهم وعرقهم وحياتهم ولا ينتظرون من أحد كلمة شكر أو رد جميل ويحصل العبقري على شيء واحد ” الخلود ” يقدمه القدر مجانا . وتصطدم العبقرية عامة بالبعد الأخلاقي لمنتجاتها الفكرية إذ أن المنتجات الفكرية للعبقرية لا تتطابق دائما مع البعد الأخلاقي للمنتج . في هذا المقال سنعرض لمجموعة من العباقرة في الشرق والغرب وسنذكر بشيء من التفصيل شيئا عن انجازاتهم الفكرية والحضارية التي اتسمت بالعبقرية .

ابن سينا ( 360 ـ 428هـ/970 ـ 1036م)
الشيخ الرئيس أبو علي الحسين ابن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، من أهم العلماء الموسوعيين في الحضارة العربية الإسلامية ، ومن أبرزهم في الطب والكيمياء والطبيعة والرياضيات والفلك والموسيقا والفلسفة والمنطق والأخلاق ، إضافة إلى الشعر والأدب والسياسة، وصنف في كل هذه العلوم، ولهفي علوم الدين أيضاً مؤلفات عدة، كان يُتقن العربية والفارسية وكتب فيهما.

ولد بقرية أفْشنة ، من ضياع بخارى التي انتقل إليها والده، وبها بدأ أول مراحل تعليمه برعاية معلم القرآن ومعلم الأدب، وأكمل العشرة من العمر، وقد أتى على القرآن وعلى كثير من الأدب.

تمتع ابن سينا بذكاء حاد وولع بالعلم، واتجه، وهو في سنوات صباه إلى دراسة الحساب الهندي والفقه والمنطق ورياضيات إقليدس وفلك بطلميوس وكتابه المجسطي ، ثم رغب في علم الطب، وراح ينهل العلم من شتى مناهله ، وسنحت له فرصة نادرة حينما دعاه سلطان بخارى نوح بن منصور لمعالجته من مرض ألمّ به أعيا الأطباء ، فطببه وصار أقرب المقربين في بلاطه، وأفاد من موقعه المميز فسمح له السلطان بالاطلاع على دار كتبه الغنية، مما أتاح له غنى المعرفة وسعة الخبرة ويقول عن نفسه: “ولما بلغت الثامنة عشرة من عمري فرغت من كل علوم دار الكتب، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء”.

تنقل ابن سينا بين الحواضر الإسلامية طلباً للعلم وطلباً للمجد السياسي، وتمتع بشهرة واسعة بين علماء الشرق الإسلامي والغرب الأوربي وعُرف بينهم باسم ونُشرت عنه وعن علومه دراسات كثيرة. وقد أجري إحصاء في بعض الكتب الأوروبية. فسجل اسم ابن سينا فيها بأكثر من 3 آلاف مرة بينما الرازي وجالينوس 1000 مرة ، وهيبوقراط العالم اليوناني 140 مرة ، ولهذه الشهرة الواسعة في أوروبا وضعه دانتي في “الكوميديا الإلهية” بين عظماء العلماء، وعَدَّه من أوائل المبدعين.

وكانت شهرته التي تمتع بها في الشرق والغرب بفضل ما أبدعه وما توصل إليه من منجزات في مجالات العلم وذلك وباعتماده على منهج علمي يقوم على التجربة والاستفادة من تجارب من سبقه من العلماء وما أبدعوه من منجزاتهم والاطلاع عليها وفيما صنفوه من كتب في الطب وغيره. كما اعتمد على الملاحظة المباشرة الدقيقة عند معالجته لكل عضو من أعضاء المريض تشريحياً وفيزيولوجياً.

انجازات ابن سينا العلمية
يُعد الأول أو لعله من الأوائل في قوله بالعدوى وانتقال الأمراض المعدية عن طريق الماء والتراب، وخاصة عدوى السل الرئوي كما ذكر في كتابه “القانون”.
وربما كان الأول في وصف التهاب السحايا، كما أظهر الفرق بين التهاب الحجاب الفاصل الرئتين وبين ذات الجنب.
عرّف الدودة المستديرة ( الانكلستوما ) ، و وردفي نشرة طبية أصدرتها مؤسسة “روكفلر الأمريكية”. أن ابن سينا قد سبق الطبيب الإيطالي روبنتي في هذا الموضوع بأكثر من 800 سنة.
أول من اكتشف الفرق بين الإصابة باليرقان الناتج من انحلال كريات الدم، واليرقان الناتج من انسداد القنوات الصفراوية.
وصف مرض الجمرة الخبيثة وسماها ” النار المقدسة “.
شخص بدقة السكتة الدماغية ومظاهرها السريرية أي ” الموت الفجائي “.
صنع بعض العقاقير المنشطة لحركة القلب.
أبدع ” المرقِدّ ” المخدر وأوجب إعطاءه للمريض في العمليات الجراحية ليخفف عنه معاناته للألم.
ابتكر ” الزرقة ” التي تعطى تحت الجلد.
وصف الالتهابات التي تجتاح الجلد بدقة.
بحث مدققاً في الأمراض الجنسية، ولعل ذلك مما عاناه منها، وذلك جراء لهوه وعبثه ومغامراته الجنسية.
شَخَّص حمى النفاس عند المرأة وأثبت أنها ناتجة عن تعفن يصيب الرحم.
ويُعد من أوائل الأطباء الذين اهتموا بالعلاج النفسي وأثره في الآلام العصبية ومرض العشق كما يُسميه. وكثيراً ما كان يمارس هذه المعالجات النفسية وطبقها على كثير من مرضاه.
أبدع في علم الضوء، وقال إن الرؤية أو الضوء، كضوء البرق مثلاً، يسبق الصوت وسماعه. وأظهر العلاقة بين السمع وتموج الهواء.
أبدع في الرياضيات وابتكر آلة تشبه آلة الورنير التي تُستخدم لقياس طول أصغر من أصغر أقسام المسطرة المقسمة لقياس الأطوال بدقة.

أبدع ابن سينا كثيراً من المصطلحات الفلسفية، وبصدد ذلك تقول المستشرقة الفرنسية ” أ.م. جواشون” في كتابها “فلسفة ابن سينا”: “.. لقد أصبحت المعُجمية عند ابن سينا تامة التكوين طيعة وهذا ما يلفت نظرنا الآن.. وعلى هذا فإن من المدهش حقاً أن نجد عندما ننظم سلسلة من الكلمات الفنية لأرسطو وابن سينا أن ثلث التحديدات السينوية ـ نسبة إلى ابن سينا ـ مفقودة عند أرسطو..” .

مؤلفات ابن سينا
ألف ابن سينا 42 كتاباً في الطب و21 كتاباً في الطبيعة وعلومها و4 كتب في الكيمياء و21 في الفلك والرياضيات و7 كتب في المنطق و27 في علم النفس و30 في الفلسفة والكلام والتوحيد وما وراء الطبيعة و13 في التصوف و4 كتب في الأخلاق والسياسية و6 في اللغة والأدب والتفسير، و7 رسائل إلى بعض أصدقائه ومكاتبات مع بعض العلماء من مؤلفاته في الطب وأشهرها:

كتبه في الطب :
كتاب ” القانون” وكتاب ” أرجوزة في الطب” وكتاب ” أرجوزة في تدبير الصحة في فصول السنة الأربعة” وكتاب ” دفع المضار الكلية في الأبدان أو تدارك أنواع الخطأ ، الواقع في التدبير” وكتاب ” القولنج وأنواعه ومداواته” وكتاب ” مقالة في الاكحال والأشياف (دواء) ” وكتاب ” أرجوزة في معرفة التنفس والنبض” وكتاب ” رسالة في طبائع الأغذية ” وكتاب “الأدوية القلبية” .

مؤلفاته في الكيمياء وعلم الطبيعة:

رسالة في الإكسير و رسالة في علم الصنعة و رسالة الآثار العلوية و رسالة في العلم الطبيعي ورسالة في أسباب الرعد والبرق.

مؤلفاته في الرياضيات والفلك :

كتاب في الأرثماطيقى – الحساب و رسالة في أن الزاوية التي في المحيط والتماس لا كمية لها. بيان الأرصاد الكلية التي عُلم منها الأحكام الكلية في هيئة الفلك وتقدير الحركات. رسالة في سبب قيام الأرض وسط السماء، أو الرسالة الجرجانية في التعريف بقيام الأرض وسط السماء. رسالة في كيفية الرصد ومطابقته للعلم الطبيعي.

مؤلفاته في الفلسفة العامة والمنطق وعلم النفس:
كتاب “الإشارات والتنبيهات” وكتاب “أقسام الحكمة” و كتاب «”الحكمة المشرقية” وكتاب “الشفاء” وكتاب “الرسالة الموجزة في أصول المنطق” و ” القصيدة العينية في علم النفس” وكتاب ” رسالة في النفس وما يصير إليها بعد مفارقتها البدن” و ” شرح كتاب النفس لأرسطو”.

مؤلفاته في الميتافيزيقيا :
كتاب ” رسالة في القدر ” وكتاب ” رسالة في المبدأ والمعاد ” وكتاب ” رسالة إثبات وجود الله” وكتاب “في جواب ابن سينا عن ثلاث مسائل: في علم الكلام أولها عن الموجود والثانية عن المعدوم والثالثة عن الحقيقة الواحدة غير المتناهية” وكتاب ” رسالة في سر القدر” وكتاب “رسالة في العشق” وكتاب ” الرسالة الطبرية: صنفها وهو في السجن ” وكتاب “رسالة في الصلاة وماهيتها ” وكتاب ” رسالة إثبات النبوة ” وكتاب ” رسالة في السياسة وتدبير الأمور” وكتاب “رسالة في الأخلاق” .

مؤلفاته في علم اللغة
كتاب ” رسالة في أسباب حدوث الحرف” وتبحث في سبب حدوث الصوت وحدوث الحرف وفي تشريح الحنجرة وفي الأسباب الجزئية لحرف من حروف العرب المتشابهة وليست في لغة العرب. وفي أن هذه الحروف من أي الحركات غير النطقية قد تُسمع .

كتاب في اللغة العربية باسم ” لسان العرب ” .

عبد الرحمن ابن خلدون (808-732هـ/1332-1406م)
أبو زيد ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون، وهو من أسرة عربية يمنية الأصل، تنحدر سلالتها من ملوك كندة، كانت تنزل حضرموت، فلما ظهر الإسلام واتسع بالغاً إسبانيا هاجرت إلى إشبيلية واستقرت فيها حتى قرب سقوطها في أيدي الإسبان، فجلت عنها إلى تونس حيث حلت وحيث ولد ونشأ ابن خلدون. وقد توفي أبواه وهو في السابعة عشرة من عمره، وكان به نزوع مبكر نحو العلم والسياسة، فدخل في خدمة أمير تونس ولم يتم العشرين، فتولى لديه ” ديوان الرسائل ” ثم انتقل إلى مراكش واتصل بسلطانها، ومنها إلى سلاطين المغرب وإسبانيا، وقد منحه نشاطه السياسي خبرة مميزة تأرجحت بين تحمل أعباء المسؤولية في درجاتها العليا ؛ إذ عين وزيراً وحاجباً وقاضياً وفقيهاً، وبين حياة السجن والقهر والظلم.

مؤلفاته الفلسفية
كتاب “التعريف بابن خلدون” ، وكتاب” لباب المحصل” وكتاب ” ملخصات في المنطق”، وكتاب “ملخصات في الحساب ” وكتاب ” شفاء السائل في تهذيب المسائل” وكتاب “مقدمة ابن خلدون الشهيرة في فلسفة التاريخ ” .

مقدمة ابن خلدون
تتألف مقدمة ابن خلدون من «المقدمة» و«الكتاب الأول» المسمى بكتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، والذي صدره بالعنوان الآتي: في طبيعة العمران في الخليقة، وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب، والكسب، والمعاش، والصنائع، والعلوم، ونحوها، وما لذلك من العلل والأسباب، ثم قسمه إلى ستة فصول رئيسة، الأول منه في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض، والثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية، والثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية، والرابع في العمران الحضري والبلدان والأمصار، والخامس

في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه، والسادس في العلوم واكتسابها وتعلمها. كما قسم كل واحد منها إلى عدد من المقدمات والفصول.

طبائع العمران والاجتماع البشري
يتحدث ابن خلدون عن الطبيعة الاجتماعية للإنسان كونه كائناً اجتماعياً يستطيع بمفرده تحصيل ما يلزمه للبقاء على قيد الحياة من شراب وطعام وملبس، ومأوى، ومن دفاع عن النفس ضد الكائنات الأخرى الأكثر قوة أو شراسة، وهو لا يأمن هذه الشرور، أو يحصل على مثل تلك المنافع والحاجات إلا إذا تجمع، وتضافرت جهوده. ولكن الإنسان لا يخلو من ميل إلى العدوان، فإذا اجتمع الناس قدروا على تحصيل معاشهم وأمنوا العدوان الخارجي، ولكنهم والحال هذه يتعرضون لعدوان آخر أكثر ضراوة وإيذاء هو عدوان الإنسان على الإنسان ضمن الجماعة نفسها، ولذا فهم محتاجون إلى أن يقوم بينهم وازع ورادع تكون له القوة والغلبة والسلطة، ليتمكن من كف أذى بعض الناس عن بعضهم الآخر، والحد من تمادي أو تطاول جماعة على أخرى، أو فرد على غيره، إذن فالمعنى الأساسي لوجود الدولة هو حفظ كيان المجتمع وصيانة أمنه واستقراره، ليعيش الناس وينتجوا ويتكاثروا، وهذا هو جوهر معنى الدولة.

الدولة وبناء المجتمع
يرى ابن خلدون أن للمجتمع البشري شكلين اثنين يمر بهما في تطوره هما البداوة والتحضر، ويجدهما طبيعيين مع أنهما يختلفان في أوصاف أجيالهما، ولما كان ابن خلدون يربط بين العصبية والبداوة على نحو شبه متكامل، ويرى أنه على المجتمع أن يبني دولته ليدرأ خطر غيره، وكان المجتمع لديه شبيهاً بالكائن الحي، فقد جعل للدولة في تطور المجتمع ثلاثة أجيال، الأول منها لم يزل على خلق البداوة وخشونتها والبسالة والاشتراك في المجد، ولا تزال سورة العصبية قائمة فيه. ويتحول الجيل الثاني بالملك والترف والرفاهية من البداوة إلى الحضارة والخصب، وتتكسر شوكة العصبية لديه بعض الشيء إلا أنه يبقى له بعض الاعتزاز في سعيه إلى العصبية ومحاولة الدفاع عنها وحمايتها، أما الجيل الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة، ويفقد حلاوة العز والعصبية، ويبلغ الترف غايته فيصبح عالة على الدولة، مما يدفع بصاحب الدولة إلى استكثار الموالي واصطناع من يرفع عن الدولة بعض العناء حتى تصاب الدولة بالهرم وتذهب بما حملت.

الاقتصاد والمجتمع
يرى ابن خلدون أن للحكومة أو الدولة تأثيراً بالغ الأهمية على بنية وشكل وجدوى الاقتصاد، فهو يربط الاقتصاد بالمجتمع عن طريق الدولة، لأن الدولة هي التي تتيح أفضل الفرص ليقبل مواطنوها على العمل وتطوير الإنتاج والصناعات، مما ينعكس إيجاباً على مستوى الحياة الاقتصادية، لأن الدولة الحقة والعادلة تبغي وتعي رفعة شأنها وتحاول في سبيله ما أمكنها. وصعود الدولة مقترن طردياً بصعود الاقتصاد، لأن الدولة تأخذ بالارتقاء والنمو وتكتسب القوة حين تمتلك تسييراً اقتصادياً مزدهراً متطلعاً إلى التحسن والتوسع المستمرين. وتدخّل الدولة في معالجة وتسيير الاقتصاد في المجتمع يأخذ أحد شكلين، حسب نمط التدخل وهدفه وكيفيته، فالشكل الأول معني بالخير العام أو صالح الجماعة ككل، حينذاك تنشط الدولة في إنشاء المشروعات وشق الطرق والترع وما إليها وإقامة المنشآت العامة والأبنية، مما تعجز عنه الإمكانات الفردية للمواطنين كما تهيئ السبل للمواطنين ليعملوا ويتمكنوا من الحصول على مستوى لائق من العيش، وتلك الفعاليات التي تقوم بها الدولة تيسر للحياة الاقتصادية طريقاً وتزيد الحاجة إلى العمل والتفنن فيه، فيرتفع بذلك المستوى الاقتصادي العام لهذه الدولة.

النهج العلمي في البحث الاجتماعي
يعد ابن خلدون رائداً من رواد تطبيق المنهج العلمي بصورته الاستقرائية، خاصة في ميادين العلوم الإنسانية، بل يعد من وجهة نظر علم الاجتماع المعاصر أحد الرواد القلائل الذين ألموا بالكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية إلماماً تعدى فهم المسائل الاجتماعية إلى صياغة القوانين وانتهاج المنهج العلمي والبحث الاجتماعي، مما مكنه من الربط بين الفلسفة والاجتماع وأصول البحث العلمي، فكان بحق فيلسوفاً من فلاسفة التاريخ والاجتماع والمعرفة والعلم.

ابن خلدون وركائز المعرفة الاجتماعية
يستطيع الدارس لأعمال ابن خلدون أن يقف على عمق دراساته، والآفاق التي فتحها لعلماء الاجتماع المعاصرين من خلال مطابقة كتاباته مع المفاهيم المعاصرة في علم الاجتماع وميادينه المتعددة، فقد بحث في البيئة، والاقتصاد، والسياسة، والحضر، وطرق كسب الرزق، والتجارة والصناعة، والنقود والأسعار. ولعل من أهم ما كتب فيه ابن خلدون هو علم الاجتماع السياسي إذ درس أسباب قيام الدولة ونشوئها، وإعمارها وأطوارها ونهاياتها متأثراً في ذلك بالحياة السياسية الاجتماعية والفكرية التي سادت القرن الرابع عشر الميلادي، إذ شهدت الأمصار الإسلامية كوارث عدة، وازدادت حدة هجمات الأعداء عليها وتمزقت أوصالها بفعل المؤامرات والحروب، وبانتشار التفكير الخرافي وسيطرة الجمود الفكري.

الطبيب اليوناني بولس الأجيني ( ولد عام 625 وتوفي عام 690م) :
وهو طبيب وجراح وآخر العلماء الموسوعيين اليونانيين . كانت أشهر كتبه الراقية ” الخلاصة الطبية ” وضعها في سبعة كتب أساسية هامة وتتضمن كل شيء تقريبا معروف في فنون الطب وفروعه في ذلك الزمان .

أثر الطبيب اليوناني بولس الأجيني بالعديد من العلماء أمثال جالان وأورباسيوس وأتيوس كما تأثر به علماء الطب العرب الذين اعتبروه أحد المصادر الطبية الموثوقة وقد استشهد بكتاباته الطبيب الإسلامي أبو بكر الرازي في “الكتاب المنصوري” وقد استفاد من علمه الكثير الجراح الاسلامي أبو القاسم واستشهد به في كتابه الشهير ” التصريف ” وقد انتقل تأثير العالم الموسوعي بولس الأجيني إلى أوروبا في بداية عصر النهضة عبر العلماء العرب والمؤلفات الطبية العربية حيث نجد بعض الإشارات إليه في أدبيات أوروبا الطبية في العصر الوسيط .

قدم العالم الموسوعي بولس الأجيني وصفا طبيا جميلا لطريقة إزالة الحصى من الكلى بالجراحة كما قدم وصفا رائعا لطريقة إزالة عظم من الجمجمة كما وصف طريقة إزالة جزء من اللوزتين كما قدم وصفا لعملية ثقب تجويف في الجسد لتصريف السوائل ( البذل) ووصفا آخر لعمليات استئصال الثدي. كما كرس الطبيب الموسوعي بولص الأجيني الكثير من دراساته الطبية لطب الأطفال والتوليد والقبالة . كما خصص الكثير من الدراسات لحالات السكتة الدماغية والذبحة الصدرية وداء الصرع وميز بين 62 نوعا من النبضات المتعلقة بالأمراض المختلفة. وقدم وصفه الشهير لعلاج التسمم بالرصاص.

ألبرت ماغنوس ( ولد حوالي عام 1200 م – توفي عام 1280 م)
ألبيرتوس ماغنوس معروف أيضا باسم القديس ألبيرت الكبير، وألبرت كولونيا وهو كاهن وراهب دومينيكي حقق الشهرة لمعرفته الشاملة ودعوته للتعايش السلمي بين العلم والدين. ويعتبر أعظم لاهوتي وفيلسوف ألماني من العصور الوسطى. كان الأول بين دارسي القرون الوسطى الذي طبـّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي. كرمته الكنيسة الكاثوليكية بصفة طبيب الكنيسة وهو أحد 33 شخصية عالمية نالت هذا التكريم ومن إنجازاته الكبرى في الكيمياء اكتشاف عنصر الزرنيخ عام 1250م.

ولد ألبيرتوس ماغنوس حوالي عام 1200 في كولونيا وهو ابن لأحد اللوردات العسكريين اللذين كانوا في خدمة الإمبراطور فريدريك الثاني.

ويعرف أيضاً باسم القديس ألبيرت الكبير وألبيرت من كولونيا هو كاهن وراهب دومينيكي حقق الشهرة لمعرفته الشاملة ودعوته للتعايش السلمي بين العلم والدين وقد كان ألبرت الكبير أحد أعظم العقول في الكنيسة. عاشت عائلته في لاونجين على نهر الدانوب قرب أولم بألمانيا. وقد كان والديه من الأثرياء مما أتاح له الفرصة لتلقي أفضل تعليم والدراسة في الطب والحكمة والفلسفة واللاهوت . كانت أسرته أيضاً أسرة أيضا تقية جدا وساعدته علي المضي قدما في طريق الإيمان.

وعندما كان طفلاً جذبته إلى الأساليب والطرق العلمية في مقاربة الأشياء ودراستها فأظهر استعداداً غير متوقع بالتفكير واعمال العقل مقارنة بعمره . كان متقدماً جداً في تفكيره وقد بدأ بدراسة العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية في جامعة بولونيا في عمر الخامسة عشر فقط . كانت الجامعة في ذلك الوقت مرتبطة بصورة وثيقة مع الرهبانية الدومينيكانية وقد تم توجيه ألبرت للاهتمام بالعلوم التي تخدم اللاهوت والله والكنيسة . وقد تعزز هذا الاتجاه عند وصول ريجنالد المبارك أورليانز وهو واعظ دومينيكاني وأستاذ سابق في جامعة باريس والذي وصل في الكلية لإعطاء الدروس الوعظ .

بعد فترة ليست طويلة قابل أباً دومينيكانياً ثانياً هو المبارك جوردان من ولاية سكسونيا والذي كان قد وصل إلى بادوا. وهو واعظ بليغ وجه العديد من الشباب بما في ذلك ألبرت نحو الحياة الرهبانية. لكن عائلة ألبرت عارضت دخوله الرهبانية نظرا لصغر سنه وبراعته العلمية الاستثنائية ولكن ألبرت كان ممزقاً من الداخل بين طريق الرهبنة وطريق العلم . وفي إحدى الليالي رأى في أحلامه نفسه يدخل إلى الرهبانية فقط ليغادرها بعد ذلك بوقت قصير. وفي اليوم التالي سمع المبارك جوردان يعظ وتحديداً حول كيف أن الشيطان يحوّل أولئك الذين سيدخلون الرهبانية من خلال الأحلام والوعود الكاذبة. وبعد القداس حدث ألبرت المبارك جوردان متسائلا: ” يا سيد من الذي كشف عن قلبي لك ” ولهذا السبب قرر البرت فيما بعد في ذلك الصيف الرهبانية في سن ال 16. و باعتباره راهباً دومينيكانياً واصل ألبرت دراسته وحصل على الدكتوراة في اللاهوت. ثم قام بالتدريس طواعية أينما تم إرساله وسافر إلى كولونيا و بادوا و بولونيا وساكسونيا و فريبورغ و راتيسبون وستراسبورغ .

وفي كل مكان من هذه الأماكن كان جذب العديد من تلاميذه إليه وبعضاً من هؤلاء التلاميذ صاروا رهباناً ولاهوتيين وعلماء بارزين ، ومع ذلك ظل ألبرت متواضعاً وركز فقط القضايا الدينية . عندما توفي المبارك جوردان عام 1237، تولى ألبرت واجباته بصفته رئيساً عاماً حتى تم انتخابه خليفة له. في تلك المرحلة، عاد ألبرت إلى كولونيا، حيث كان لقاءه مع تلميذه الأكثر لمعاناً وهو القديس توما الاكويني . سافرا معا إلى جامعة باريس حيث حصل على الدكتوراه في

عام 1245م . وقد ازدهرت أراء القديس ألبرت وفلسفته وتغير الأسلوب الذي كان يفكر به العالم. وقد كتب العديد من الأعمال العلمية ، كان أولا وقبل كل شيء وهو كاثوليكي يكتب عن لاهوت وعقيدة الكنيسة الكاثوليكية.

كان من الموهوبين ذوي المعرفة الموسوعية واستخدام هذه الموهبة في خدمة الكنيسة واستخدم منطق العقل والتفكير الحقيقي العلمي العاقل . وقد كان عالماً بارعاً وطالبا باحثا عن الحقيقة. كتاباته تقع في ثمانية وثلاثين مجلداً. أما تفاسيره التي تغطي مواضيع واسعة فقد استغرقت عشرين عاماً لإكمالها. كان البرت يمتلك طاقات كتابة لا حدود لها وكتب حصريا عن العلوم الطبيعية والمنطق والبلاغة والرياضيات والفلك والأخلاق والاقتصاد والسياسة والميتافيزيقيا الفيزياء علم المعادن والكيمياء والبيولوجيا وعلم النبات وعلم وظائف الأعضاء البشرية والحيوانية ومن ضمن إنجازاته في علم الكيمياء اكتشاف عنصر الزرنيخ عام 1250م.

في الوقت الذي قضاه القديس ألبرت في باريس كان يخصص وقته للكتابة والتدريس ، ولكن طُلب منه السفر مرة أخرى إلى ألمانيا و انتخب مسؤولاً عن مقاطعة بكاملها. خدم جماعته بأمانه وسافر إلى جميع الأديرة في ولايته سيراً على الأقدام ومن دون أي تمويل وعبر مسافات طويلة ما بين النمسا وبافاريا وسكسونيا وهولندا وفي سنة 1260 تم تعيينه مطراناً لريجنسبرج.

وبعد ثلاث سنوات سمح له بالاستقالة ولكن كان قد أستدعي فيما بعد ليكون مستشاراً للبابا وارسل في عدة بعثات دبلوماسية. ووسط رحلاته والأعمال الحماسية وجد القديس ألبرت الوقت لكتابة ثمانية وثلاثين مجلداً في العلوم الطبيعية والفلسفة واللاهوت . ويعتبر القديس ألبرت أعظم لاهوتي وفيلسوف ألماني من العصور الوسطى. كان الأول من بين دارسي القرون الوسطى الذي طبـّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي.

توفي القديس ألبرت في 15 تشرين الثاني من عام 1280 م وهو يبلغ من العمر ثلاثة وسبعون عاماً . وقد تم دفن جسده في كنيسة سانت أندريا للأباء الدومينيكان في كولونيا. وبعد مرور ثلاثة سنوات من وفاته كان جسده في حالة من الحفظ والكمال وكان جسده ينضح رائحة مبهجة وقدسية سجلت في قبور العديد من القديسين. يقال عن القديس ألبرت الكبير: “لقد كان كبيراً في العلم، وعبقريا في الفلسفة وعظيما في اللاهوت . لقد اكتشف العلم الذي هو فوق كل العلوم والمعرفة والحكمة السماوية التي تأتي عندما يتم ربط العقل والإيمان معاً في المحبة تجاه الآخرين وفي الصلاة والعمل.

القديس ألبرت يذكرنا بعدم الاعتماد على أي شيء أو أي شخص ولا أن نثق في أحد أكثر من الله. ففي هذه الثقة يتوحد الإيمان والعقل وهذا يقودنا نحو المزيد من المعرفة الأبدية. يقال أيضا أن القديس البيرتو ماغنوس هو شفيع العلماء .

ابن رشد(1126م-1198 م)
لا شك أن ابن رشد هو أحد كبار الفلاسفة في الحضارة الإسلامية. وقد ترك للإنسانية مآثر علمية جليلة استفادت منها بلاد الغرب التي تنعم الآن بحضارة راقية؛ إذ كان لابن رشد وغيره من علماء المسلمين فضلاً كبيرًا في بناء قاعدة تلك الحضارة. فقد استمد الغرب الكثير من التراث

الإسلامي – ذلك التراث الذي مازال طلاب العلم الغربيون ينهلون منه في جامعاتهم وفي مجالات بحوثهم ودراساتهم. وقد تعمق ابن رشد كثيرًا في الفلسفة ، ولكنه لم يهمل الحقول المعرفية الأخرى، فعكف على القراءة والكتابة ؛ إذ يُروى عنه أنه لم ينقطع عن القراءة والكتابة إلا في ليلتين: إحداهما كانت يوم وفاة والده، والثانية كانت ليلة زواجه! وقد ألَّف ابن رشد كتبا في الفيزياء والفلك والطب والفلسفة وغيرها. ولقد طغى نشاط ابن رشد الفلسفي على شهرته المرموقة وثقافته الفياضة في العلوم الأخرى ، مثل الطب والفلك.

ولد أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي في قرطبة بالأندلس، وعاش في الفترة بين 520-595 هجرية (1126-1198 م)؛ ويسمِّيه الغرب Averroès. كان ينحدر من سلالة من المتبحِّرين والقضاة اللامعين ، فجدّ ابن رشد وسميُّه كان قاضيًا صنَّف في الفقه، وله فتاوى بنوازل عصره ذات مكانة عالية. وقد تسلَّم والد ابن رشد أيضًا القضاء ؛ لكن لِما شُهِرَ به جده ولِما حظي به من مكانة، وكيما يُميَّز عنه، يضاف في العادة إليه لقبُ “الحفيد” ويضافُ إلى جدِّه لقب “الجد”.

مختصر فلسفة ابن رشد
تدور فلسفة ابن رشد على قِدَمِ العالم وعلم الله وعنايته والمعاد وحشر الأجساد. فعنده أن العالم مخلوق وأن الخلق خلق متجدد، به يدوم العالم ويتغير، وأن الله هو القديم الحقيقي، فاعل الكل وموجِده، والحافظ له، وذلك بتوسط العقول المحرِّكة للأفلاك. وعنده أن الله عقل ومعقول معًا، وأن علم الله منزَّه عن أن يكون علمًا بالجزيئات الحادثة المتغيرة المعلولة أو علمًا بالكلِّيات التي تُنتزَع من الجزئيات. فكلا العلمين بالجزئيات والكليات حادث معلول؛ أما علم الله فعلم يوحِّد العالم ويحيط به. فيكفي أن يعلم الله في ذاته الشيءَ ليوجد ولتدوم عناية الله به وحفظُه الوجود عليه.

وعنده أن العقل الفعَّال، الذي يُفيض المعقولات على العقل الإنساني، أزلي أبدي. والعقل الإنساني، بحكم اتصاله بالعقل الفعَّال وإفاضة هذا العقل عليه، أبدي هو الآخر. أما النفس فصورة الجسم، تفارقه وتبقى بعده منفردة. وأما الجسد الذي سيُبعَث، فهو ليس عين الجسد الذي كان لكلِّ إنسان في الحياة، وإنما هو جسد يشبهه، وأكثر كمالاً منه.

ويرى ابن رشد أن يعمل الإنسان على إسعاد المجموع، فلا يخص شخصه بالخير والبر، وأن تقوم المرأة بخدمة المجتمع والدولة، كما يقوم الرجل. والمصلحة العامة، في نظره، هي مقياس قيم الأفعال من حيث الخير والشر، وإن كان العمل خيرًا أو شرًّا لذاته. والعمل الخلقي هو ما يصدر عن عقل وروية من الإنسان. وليس الدين عنده مذاهب نظرية، بل هو أحكام شرعية وغايات خلقية، بتحقيقها يؤدي الدين رسالته، في خضوع الناس لأوامره وانتهائهم عن نواهيه.

وانطلق ابن رشد في آرائه الأخلاقية من مذهبَي أرسطو وأفلاطون، فقال بالاتفاق مع أفلاطون بالفضائل الأساسية الأربع ( الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة )، ولكنه اختلف عنه بتأكيده أن فضيلتي العفة والعدالة عامتان لكافة أجزاء الدولة ( الحكماء والحراس والصناع ). وهذه الفضائل كلها توجد من أجل السعادة النظرية، التي هي المعرفة العلمية الفلسفية، المقصورة على “الخاصة”. وقد قَصَرَ الخلود على عقل البشرية الجمعي الذي يغتني ويتطور من جيل إلى آخر. وقد كان لهذا القول الأخير دورٌ كبير في تطور الفكر المتحرِّر في أوروبا في العصرين الوسيط والحديث. وأكد ابن رشد على أن الفضيلة لا تتم إلا في المجتمع، وشدَّد على دور التربية الخلقية، وأناط بالمرأة دورًا حاسمًا في رسم ملامح الأجيال القادمة، فألحَّ على ضرورة إصلاح دورها الاجتماعي في إنجاب الأطفال والخدمة المنزلية. وقد بسط ابن رشد أهم آرائه الأخلاقية من خلال شروحه على الأخلاق إلى نيقوماخوس لأرسطو وجوامع السياسة لأفلاطون.

مؤلَّفات ابن رشد
في الطب: علم التشريح ، وآلية الدورة الدموية عند الإنسان، وتشخيص بعض الأمراض، ووصف بعض الأدوية لها. كما ذكر ابن رشد في عدة أماكن من مؤلَّفاته أن الجدري لا يصيب الإنسان أكثر من مرة واحدة؛ وهذا ما توصل إليه الطب الحديث. كما فهم فهمًا جيدًا وظيفة شبكية العين. وهناك قول مأثور عن ابن رشد: “مَن اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانًا بالله.” وقد ألف الكثير من الكتب في الطب نذكر منها : كتاب الكليات في الطب ، تلخيص كتاب الحميات لجالينوس ، تلخيص أول كتاب الأدوية المفردة لجالينوس ، تلخيص النصف الثاني من كتاب حيلة البرء لجالينوس ، كتاب في الفحص ، مقالة في اتصال العقل بالأسنان ، مسألة في نوائب الحمى ، مقالة في حميات العفن ، مقالة في الترياق.
في الفلك: مقالة في حركة الفلك ، شرح كتاب السماء والعالم لأرسطوطاليس .
في الحيوان: كتاب في الحيوان.
في الطبيعيات: جوامع كتب أرسطوطاليس في الطبيعيات ، تلخيص كتاب الطبيعيات لنيقولاوس، شرح كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس ، تلخيص كتاب القوى الطبيعية لجالينوس
في المنطق: كتاب الضروري في المنطق ، تلخيص كتاب البرهان لأرسطوطاليس ، مقالة في العقل، مقالة في التعريف في صناعة المنطق ، مقالة في اتصال العقل المفارق بالإنسان.
في النفس: شرح كتاب النفس لأرسطوطاليس ، تلخيص كتاب المزاج لجالينوس .
في الفقه: كتاب المقدمات في الفقه ، كتاب نهاية المجتهد في الفقه .
في الفلسفة: تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطوطاليس ، تلخيص كتاب الأخلاق لأرسطوطاليس، كتاب تهافت التهافت (رد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي) ، شرح كتاب القياس لأرسطوطاليس، مسألة في الزمان ، مقالة في فسخ شبهة من اعترض على الحكيم ، مقالة في الرد على ابن سينا ، مسائل في الحكمة .
متفرقات: كتاب التحصيل ، شرح الأرجوزة المنسوبة إلى الشيخ الرئيس ابن سينا في الطب ، شرح كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس ، تلخيص كتاب العلل والأعراض لجالينوس ، تلخيص كتاب التعرف لجالينوس ، كتاب منهاج الأدلة في علم الأصول ، كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ، مقالة عن المتصلين ، كتاب عن البرهان لأرسطوطاليس عن ترتيبه للقوانين.

ألبرت أينشتاين (1879 ـ 1955 م)
ألبرت أينشتاين فيزيائي من أصل ألماني أخذ الجنسية الأمريكية عام 1940. وُلد في أُلم بألمانية ومات في برِنْستُن بالولايات المتحدة الأمريكية. عاش طفولته في ميونخ، وبعد أن رحل أبواه إلى ميلان طلباً للرزق ذهب، وعمره 15 عاماً، ليستأنف دراسته في آراو بسويسرة، ولم يكن تلميذاً لامعاً في مرحلة الدراسة الثانوية حيث أنفق عليه أحد أقربائه الموسرين. وبعد أن أخفق أول مرة في امتحان شهادة الدراسة الثانوية حصل عليها وانتسب عام 1896 إلى مؤسسة زوريخ التقنية ونال الجنسية السويسرية. وكان ميالاً إلى مهنة التعليم مفضلاً إياها على مهنة الهندسة. لكنه اضطر، بسبب فقره وبدعمٍ من والد صديق له، إلى القبول بوظيفة (1902) في مكتب براءات الاختراع في بِرْن، مما يسَّر له زواج طالبة صربية تؤهل نفسها، هي الأخرى، لمهنة تعليم الفيزياء، وأنجبت له ولدين ذكرين.

ومع أن أينشتاين كان يقوم بوظيفته المتواضعة بجد وإخلاص، فإن صغر حجم العمل فيها أتاح له أوقات فراغ استغلها للتفكير في مسائل الفيزياء الحديثة المطروحة بحدة على بساط البحث في أوائل القرن العشرين. فقد بدأت أسس علم الميكانيك تتزعزع آنئذ بتأثير التحليل النقدي الذي وجهه إليها الفيلسوف النمساوي إرْنِست ماخ ، وكان ألبرت مَيْكِلْسُن قد برهن بتجربة حاسمة على ثبات سرعة الضوء بالنسبة لأي راصد يقيسها مهما كانت سرعة حركته، وكان مكس بلانك قد اقترح، لتفسير طيف إشعاع الجسم الأسود، فكرة أن تكون الطاقة الإشعاعية صادرة على شكل رزم متقطعة من الطاقة، دعيت باسم كُموم الطاقة .

اهتم أينشتاين، بادئ الأمر، بالبنية الذرية للمادة وبالتفسير الإحصائي لعلم الترموديناميك (التحريك الحراري) على أساس فكرة بلانك في الكموم، التي استغلها أيضاً لتفسير الأثر الكهرضوئي ولاستنباط قوانينه؛ فأدخل فكرة كموم الضوء .

وبتطبيق قواعد حساب الاحتمالات وضع أينشتاين نظرية توصل عن طريقها إلى استنباط القيمة الحقيقية لعدد أفوغدرو. وقد عرفت الأوساط العلمية نتائج هذه التأملات من ثلاث نشرات ظهرت في مجلة ” حوليات الفيزياء ” عام 1905. وفي العام نفسه، وفي المجلة نفسها، كتب أينشتاين مقالتين مذهلتين عنوانهما:”حول التحريك الكهربائي للأجسام المتحركة” و”إن عطالة الجسم تتعلق بمحتواه من الطاقة”، أورد فيهما عرضاً كاملاً لنظرية جديدة بتمامها صنعها بنفسه وحده، وعُرفت فيما بعد باسم نظرية النسبية الخاصة، وقد تناولت هذه النظرية بالتعديل الجذري أسس ميكانيك نيوتن، فدمجت مفهوميْ المكان والزمان معاً في بنية واحدة، وأدخلت التكافؤ بين المادة والطاقة.

وفي حين راحت النشرات تُنبئ عن انقلاب عنيف في مفهومات العلم التقليدية، فإن أحداً لم يدرك مدى أثرها كله إلا بعد ثلاث سنوات أو أربع، حين صار اسم أينشتاين على كل لسان، وانفتحت أمامه أبواب الجامعات. فبعد أن عمل مدرساً مدة قصيرة في جامعة بِرْن في سويسرة دُعي ليكون أستاذاً رديفاً في جامعة زوريخ، ثم في جامعة براغ (1911-1912)، إلى أن حصل على كرسي أستاذ في مدرسة زوريخ التقنية حيث كان طالباً. ثم بعد إلحاح من بلانك، ذهب يعلّم في مؤسسة القيصر فِلْهلم في برلين، وصار عضواً في مجمع (أكاديمية) بروسية للعلوم الذي كان يضم عدداً من نوابغ العلماء. وفي هذه الفترة عمم نظرية النسبية هادفاً إلى إيجاد نظرية تتضمن قوة الثقالة. لكن هذه المرحلة شهدت أيضاً تشتت شمل أسرته حين انفصل عن زوجته لخلاف بينهما.

تمسك أينشتاين بجنسيته السويسرية، مما أتاح له أن يتخذ جانب الحياد حين اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) التي علّق عليها بقوله “هل تستطيع الأجيال القادمة أن تمجد شعوبنا الأوربية التي لم تجد لجهودها الثقافية المتواصلة عبر ثلاثة قرون، موئلاً أحسن من أن تستبدل بجنونها الديني جنوناً قومياً؟”

وفي هذه المرحلة تزوج أينشتاين إحدى قريباته “إلْزا” التي كانت أما لطفلين والتي عُنيت به حتى وفاتها. وفي كنف هذه الأسرة الجديدة تعمق أينشتاين في نظرياته حتى طلع على الناس (عام

1916) بنظرية النسبية العامة، وهي في أعماقها نظرية في الثقالة تقول بعالم كوني ذي أربعة أبعاد منحنٍ ومنته. ولهذه النظرية اليوم شأن كبير في علم الكون الحديث. ومع الحرب وصلت هذه النظرية إلى إنكلترة. وفي عام 1919 وضع عالم الفلك البريطاني إ.إدنغتون. إحدى نبوءاتها على محك التجربة أثناء الكسوف الشمسي الذي حدث في ذلك الوقت، فتبين له أن حقل الشمس الثقالي يحرف أشعة النجوم، حين تمر قرب الشمس وهي في طريقها إلى الأرض، بمقدار ما تتنبأ به النسبية العامة التي ترى في هذا الانحراف دليلاً على انحناء المكان ـ الزمان في الحقل الثقالي الشمسي. وكان قبل ذلك، منذ عام 1913، قد أمكن التحقق تجريبياً من تزايد كتلة الإلكترون بتزايد سرعته، أي طاقته الحركية، مما يؤيد وحدة المادة والطاقة التي تتنبأ بها نظرية النسبية الخاصة. وبفضل هذه النتائج وكثيرٍ سواها أمكن رئيس الجمعية الملكية في لندن أن يصرّح بأن نظرية أينشتاين هي “أعظم اكتشاف يخص الثقالة منذ أن عبّر نيوتن عن مبادئها”.

وفي عام 1921 حاز أينشتاين جائزة نوبل في الفيزياء لا على نظرية النسبية، لأنها لم تكن بعد قد حظيت بقبول إجماعي لغرابة أفكارها ولمناقضتها للحس الشائع، بل على “إنجازاته في مجال الفيزياء النظرية، ولاسيما اكتشاف قانون الأثر الكهرضوئي”. وقد قَسَّم مبلغ الجائزة بين زوجته الأولى وجمعية خيرية.

وظف أينشتاين سمعته وشهرته في خدمة الأهداف الإنسانية التي كان يؤمن بها، فكان يساعد المضطهدين، ويُستشار في كثير من الأمور، وقد دعي ليكون عضواً في لجنة التعاون الثقافي التي عينتها الأمم المتحدة. لكنه بقي مثابراً على أعماله العلمية، فبعد نشر أطروحة لوي دوبرويْ الشهيرة وأعمال الفيزيائي الإحصائي جاغاديس بوز. طرح أينشتاين عام 1924 إحصاءً ينطبق على الجسيمات اللامتمايزة . وفي عام 1929 عرض أينشتاين على مجمع بروسية العلمي نظريته في “الحقل الموحَّد” التي توجِزُ، في سلسلة من المعادلات، القوانين التي تحكم القوتين الأساسيتين المعروفتين وحدهما آنذاك: الثقالية والكهرمغناطيسية. ثم حاول، بعد اكتشاف القوتين الأساسيتين الأخريين: النووية الضعيفة والنووية الشديدة، أن يدخلهما في هذا الإطار التوحيدي.

بقي أينشتاين يسكن قرب برلين حتى عام 1933. لكنه حين علم، وهو في إحدى زياراته الكثيرة إلى الولايات المتحدة ، بوصول هتلر وحزبه النازي إلى السلطة الفعلية في ألمانية آثر، وهو اليهودي الأصل، عدم العودة إليها متخلياً عن كل ما كان يملك فيها، وأرسل كتاب استقالته إلى المجمع العلمي. فأقام أولاً في بلجيكا حيث حظي بترحيب ملكها، ثم فكر في قبول منصب أستاذ ذي كرسي عرضَه عليه كلية فرنسة (كولّيج دو فرانس)، لكنه استقر في الولايات المتحدة الأمريكية حيث صار عضواً مؤسساً في معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برنستن. وهناك استطاع، في هدوء هذه المؤسسة الفكرية العظيمة، استئناف أبحاثه. وحصل على الجنسية الأمريكية. وكانت زوجته قد توفيت عام 1937.

ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية كتب أينشتاين إلى رئيس الولايات المتحدة، روزفلت، يخبره عن قوة الانفجار الهائلة التي تكمن في ظاهرة الانشطار النووي إذا استُغِلت في قنبلة ذرية؛ وذلك مع نفوره من مذهب القوة العسكرية. وكان لهذه الرسالة النتيجة المعروفة. وقد ندم بعدئذ على كتابتها، وقال عن نفسه إنه «ضغط على الزر» و«لقد كسبنا الحرب لكننا لم نربح السلام».

آسهم أينشتاين بعد الحرب في الحركة المعارضة لصنع القنبلة الهدروجينية. ولما كان مسالماً بطبعه، وكانت له في السياسة الدولية آراء إنسانية شبه طوباوية (مثالية)، كتب إلى منظمة الأمم المتحدة عام 1949 رسالة يدعو فيها إلى تأليف حكومة عالمية، وكرر نداءاته إلى كبار المسؤولين في الدول العظمى يناشدهم العمل على تنفيذ هذه الفكرة. أما عن القضية الفلسطينية فقد رفض عرضاً بتولي منصب رئاسة الكيان الصهيوني حين تأسس على أرض فلسطين ودعا، في رسالة كتبها إلى مراسل عربي، إلى إقامة دولة ديمقراطية يعيش فيها العرب واليهود متفاهمين ومتساوين في الحقوق والواجبات.

وكان في فلسفة العلوم مؤمناً إيماناً صوفياً بالسببية الحتمية، وعلى أساس هذا الإيمان رفض التفسير الإحصائي الاحتمالي لميكانيك الكم. وكان يثق بنفاذ بصيرة الإنسان وبقدرته على اكتشاف منظومة القوانين التي تحكم هذا العالم مع تعقد التشكيلات الرياضية التي تعبر عنها، إلا أنه كان يرى أن “أصعب شيء على الفهم هو أن هذا العالم قابل للفهم”.

أما مؤلفاته فهي، إضافة إلى نشراته: “هكذا أرى العالم”، و”المفهومات العلمية والأخلاقية والاجتماعية”، و”وتطور الأفكار في الفيزياء”، و”نظرية النسبية الخاصة والعامة”، و”أسس نظرية النسبية العامة”، و”الأثير ونظرية النسبية ـ الهندسة والتجربة”، و”حول المسألة الكونية”، و”أبيقور، مذاهب و أقوال مأثورة”، و”حول التحريك الكهربائي للأجسام المتحركة”.

ستيفن هوكينج (2018-1942 م )
ولد في أكسفورد في عام 1942 وهو من أبرز علماء الفيزياء النظرية وعلم الكون على مستوى العالم. درس في جامعة أكسفورد وحصل منها على درجة الشرف الأولى في الفيزياء. أكمل دراسته في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون. له أبحاث نظرية في علم الكون وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، كما أن له أبحاث ودراسات في التسلسل الزمني.

يعتبر هوكينج نفسه محظوظاً بعائلة متميزة ، وخصوصاً زوجته “جين وايلد” التي تزوجها عام 1965، كما يُعتبر قُدوةً في التحدي والصبر ومقاومة المرض ، وإنجاز ما عجز عنه الأصحاء. إلى جانب باله الطويل في مجال العلوم الفيزيائية ، يتميز هوكينج بالعمل والنشاط في الأعمال الاجتماعية والدعوة للسلم والسلام العالمي، وهو مساعد للطفولة وقرى الأطفال، وشارك في مظاهرات ضد الحرب على العراق. وفي عام 2013 أعلن عن رفضه المشاركة في مؤتمر يقام في إسرائيل. انتقل هوكينج وعائلته إلى سانت ألبانز بمقاطعة هارتفوردشير عندما أصبح والده رئيس قسم علم الطفيليات في المعهد الوطني للأبحاث الطبية عام 1950. في سانت ألبانز، اعتُبرت العائلة ذكية للغاية وغريبة الأطوار بعض الشيء؛ حيث كان يمضى أفراد الأسرة يقرؤن الكتب في صمت أثناء وجبات الأكل. كانوا يعيشون حياة مقتصدة في بيت كبير، مزدحم، سيء الصيانة، وكانوا يسافرون بواسطة تاكسي لندنية حولوها لسيارتهم. خلال إحدى تغيبات الأب للعمل في أفريقيا،قضى باقي أفراد العائلة أربعة أشهر في جزيرة مالوركا لزيارة صديقة الوالدة، بيريل، وزوجها الشاعر، روبرت جريفز . يعاني هوكينج من شكل نادر مبكر الظهور وبطيء التقدم من التصلب الجانبي الضموري، المعروف أيضًا باسم مرض العصبون الحركي أو مرض لوجريج ، الذي سبب له شلل تدريجي على مدى عقود من الزمن.

عانى هوكينج من خراقة متزايدة في عامه الأخير في أكسفورد، بما في ذلك سقوط على بعض الدرج والصعوبات عند التجديف. تفاقمت المشاكل، وأصبح خطابه مدغم قليلًا؛ ولاحظت أسرته التغييرات عند عودته للمنزل في عيد الميلاد وباشروا بالفحوصات الطبيّة. وجاء تشخيص مرض العصب الحركي عندما كان هوكينج في الحادي والعشرين من عمره وتحديدا في عام 1963. في ذلك الوقت، تنبأ الأطباء له بالحياة لمدة سنتين فقط على أبعد تقدير.

في أواخر الـ 1960، تدهورت قدراته البدنية: بدأ باستخدام العكازات وتوقّف عن إلقاء المحاضرات بشكل منتظم. بينما خسر ببطء قدرته في الكتابة، طوّر ستيفن أساليب بصريّة تعويضيّة، بما في ذلك رؤية المعادلات بمنظور هندسي. شبّه الفيزيائي الألماني فيرنير إزريل لاحقًا هذه الإنجازات لتأليف موتسارت لسمفونيّة كاملة في رأسه. ومع ذلك، كان هوكينج مستقل ورفض بشدة قبول المساعدة أو تقبل التنازلات بسبب إعاقته. وقال أنه يفضل أن يُعتبر “أولاً عالِم، ثانيًا كاتب علوم شعبية، وفي كل الأمور التي تهم، إنسان عادي مع نفس الرغبات، المحفّزات، الأحلام، والطموح كالشخص الآخر”. أشارت جين هوكينغ لاحقًا أن “بعض الناس قد تسمي ذلك الإصرار، والبعض قد يسميها العناد. أنا اسميها الاثنين في وقت واحد أو آخر”. تطلّب الأمر العديد من محاولات الإقناع حتى قبل استعمال كرسي متحرك في أواخر الستينات، ولكن في نهاية المطاف أصبح معروفًا بقيادته الوحشية للكرسي المتحرك. كان هوكينج زميلًا بارعًا وشعبيًا، ولكن مرضه، كذلك صيته في الذكاء والجرأة، نأى عنه بعض الزملاء.

تدهور كلام هوكينج، وبحلول أواخر السبعينات استطاع فهمه فقط أبناء عائلته وأصدقاؤه المقربون. من أجل التواصل مع الآخرين، كان يترجم شخص ما يعرفه جيدًا كلامه إلى خطاب واضح. وبدافع الخلاف مع الجامعة حول من سيدفع سعر المنحدر اللازم من أجله للدخول إلى عمله، قام هو وزوجته بحملة من أجل تحسين طرق الوصول لذوي الإعاقة في كامبريدج ، بما في ذلك تكييف مساكن الطلاب في الجامعة.

عندما كان هوكينج طالب دراسات عليا في جامعة كامبريدج، استمرت علاقته بصديقة أخته، جين ويلدي، والتي كان قد التقى بها قبل تشخيصه بمرض العصب الحركي بوقت وجيز، واستمرت العلاقة بالتطور. وتمت الخطوبة بين الاثنين في تشرين الأول 1964>قال هوكينج في وقت لاحق أن الخطوبة أعطته “شيء للعيش من أجله” . وتزوج الاثنان في الـ 14 من تموز عام 1965.

خلال السنوات الأولى من الزواج، عاشت جين في لندن خلال الأسبوع حيث أكملت لقبها، وسافر كذلك ستيفن وجين إلى الولايات المتحدة عدة مرات للمؤتمرات وزيارات متعلقة بالفيزياء.

استصعب الاثنين أن يجدا مسكن يكون على بعد يناسب سير هوكينج على الأقدام إلى قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية. بدأت جين في برنامج الدراسة للدكتوراه ، ووُلد مولودهما الأول، روبرت، في أيار 1967. أما ابنتهما لوسي فوُلدت في عام 1970، والابن الثالث، تيموثي وُلد في نيسان 1979.

نادرًا ما تحدّث هوكينج عن مرضه وتحدياته الجسدية، ولا حتى -في سابقة تدور أحداثها خلال فترة خطوبتهما- مع جين. نتيجة لعجزه وقعت مسؤوليات البيت والعائلة على كتف جين، متيحة له مزيد من الوقت للتفكير بالفيزياء. عندما تم تعيينه في منصب في باسادينا، كاليفورنيا عام 1974 اقترحت جين أن يعيش معهما طالب دراسات عليا أو طالب ما بعد الدكتوراه ويساعد في رعايته. وافق هوكينج، وسافر للمرة الأولى معهم الطالب برنارد كار كأول من العديد من الطلاب الذين قاموا بهذا الدور. قضت الأسرة سنة سعيدة ومحفزة إجمالاً في باسادينا.

عاد هوكينج إلى كامبريدج عام 1975 إلى منزل جديد، ولعمل جديد – قارئ. دون بيج، والذي كان قد بدأت بينه وبين هوكينج علاقة صداقة وطيدة في كالتيك، وصل للعمل كمساعد لطلاب الدراسات العليا. بمساعدة بيج وسكرتيرة، قلّت مسؤوليات جين حتى تمكنت من العودة إلى أطروحتها واهتمامها الجديد في الغناء.

بحلول كانون الأول عام 1977، التقت جين بعازف الأورغ جوناثان جونز هيلير عند الغناء في جوقة الكنيسة. أصبح هيلير جونز مقرب من العائلة هوكينج، وبحلول منتصف الثمانينات من القرن الماضي، طوّر هو وجين مشاعر رومانسية الواحد تجاه الآخر. وفقًا لأقوال جين، قبل زوجها هذا الوضع، مصرّحًا “أنه لن يعترض طالما واصلت حبّه”. صمّم جين وهيلير جونز على عدم تفرقة الأسرة وعلاقتهما بقيت أفلاطونية لفترة طويلة.

نشر هوكينج عام 2006 سؤالا دون إجابة على الإنترنت مفاده: “كيف سيتمكن الجنس البشري من الاستمرار لمائةِ عامٍ أخرى في ظل عالم تملئهُ الفوضى السياسية والاجتماعية والبيئية؟”. وأوضح معقبا على السؤال فيما بعد بقوله: “لا أعرف الجواب. ولهذا السبب طرحت السؤال لأحمل الناس على التفكير في الأمر وليكونوا واعين إزاء الأخطار التي نواجهها الآن.” عبّر هوكينج عن قلقه على الحياة على كوكب الأرض في وجه الخطر المتمثل باندلاع حرب نووية مفاجئة أو انتشار فيروس جرت هندسته وراثيا أو الاحتباس الحراري أو غيرها من الأخطار المحدقة التي لم نأتي بها بعد. لن يؤدي وقوع هكذا كوارث يمتد تأثيرها على الكوكب بأسره لانقراض البشر في حال استطاع الجنس البشري استعمار كواكب أخرى قبل حلول هذه الكوارث. حيث يرى هوكينج في إرسال الرحلات الفضائية واستعمار البشر للفضاء ضرورةً من أجل التأمين على مستقبل البشرية. يرجح هوكينج احتمال وجود كائنات فضائية بسبب سعة الكون ولكنه يرى وجوب تجنب التواصل معهم. وحذر من احتمال قيام الفضائيين بنهب موارد الأرض. وقال عام 2010: “إذا زارنا الفضائيون ستكون النتيجة مماثلة لما حصل بعد وصول كولومبوس لأمريكا، حيث لم تنتهي الأمور على خير بالنسبة للأمريكيين الأصليين”. حذر هوكينج من الدور المحوري للذكاء الاصطناعي فائق الذكاء وما قد يعنيه في توجيه مصير البشرية قائلا: “إن الفوائد المحتملة هائلة… سيكون النجاح في إنشاء ذكاء اصطناعي الحدث الأكبر في تاريخ البشرية. وقد يكون الحدث الأخير ما لم نتعلم كيف نتفادى المخاطر.” جادل هوكينج لصالح اعتبار الفيروسات الحاسوبية شكلا جديدا من أشكال الحياة وقال: “ربما يفسر شيئا ما حول الطبيعة البشرية، وهو أن شكل الحياة الوحيد الذي أَنشأناهُ حتى الآن هو مدمرٌ تماما. فأعتقد أن هذا يكشف شيئا عن طبيعة البشر… لقد أنشأنا حياة على شاكلتنا” قال هوكينج في مؤتمر زايتجايست الذي نظمته شركة جوجل عام 2011 إن “الفلسفة ميتة”. ويعتقد هوكينج أن الفلاسفة “لم يواكبوا تطورات العلم الحديثة”، وقال: “أصبح العلماء حاملون لراية الاكتشاف في سعينا وراء المعرفة”. وعبّر عن اعتقاده بقدرة العلم على حل القضايا الفلسفية العالقة خصوصا نظريات العلم الجديدة “التي ستقودنا صوب صورة جديدة ومختلفة للغاية عن الكونِ وموقعنا فيه”.

قال هوكينج أنه لم يكن “متدينا بالمعنى العادي من الكلمة” وأعتقد أن “الكون تحكمه قوانين العلم”. وأضاف قائلا : “هناك فرقٌ أساسي ما بين الدين الذي يقوم على السلطة وبين العلم الذي يقوم على الملاحظة والمنطق. العلم سيفوز لأنه يعمل.”

صرح هوكينج عام 2008: “ربما قضى الله بالقوانين ولكنه لا يتدخل لكسرِ هذه القوانين”. واعتبر هوكينج في مقابلةٍ نشرتها صحيفة الغارديان أن مفهوم الجنة ليس إلّا أسطورة ، معتبرا أنه “لا يوجد أي جنة أو حياة آخرة” ومثل هذه الأفكار لم تكن سوى “قصصا خرافيةً للأناس ممن يخشون الظلام”. وقد قال هوكينج عام 2011 في برنامج يدعى “الفضول” بُثَّ على قناة ديسكفري:

“جميعنا أحرار لنُأمن بما نريد ومن وجهة نظري الخاصة فإن أبسط التفسيرات هي أنه لا يوجد إله. لم يخلق أحد الكون ولن يقوم أحد بتوجيه مصيرنا. وهذا ما يقودني إلى إدراكٍ عميق. لا يوجد على الأرجحِ جنة أو حياة آخرة أيضا. لدينا هذه الحياة الوحيدة لنقدَّر فيها التصميم العظيم للكون ولأجل ذلك فأنا ممتنٌ امتنانا كبيرا.”

شارك هوكينج في “مهرجان ستارموس” لعلوم الفلك والفضاء خلال شهر سبتمبر عام 2014 وفيه أعلن نفسه ملحدا. وعقب على الأمر في مقابلة مع صحيفة “إل موندو” الإسبانية قائلاً: من الطبيعي أن نؤمن بأن الله خلق الكون قبل أن نفهم العلم. ولكن يقدم العلم الآن شرحا أكثر إقناعا. ما عنيته بقولي “سنتمكن من معرفة عقل الله” هو أننا سنتمكن من معرفة كل شيء يعرفه الله (هذا إذا كان الله موجود) وهو ليس بالموجود. أنا ملحدٌ.) دعم هوكينج حزب العمال البريطاني منذ أمد طويل. قام عام 2000 بتسجيل تحية تقدير لمرشح الرئاسة عن الحزب الديمقراطي آل جور في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2000، واعتبر غزو العراق عام 2003 “جريمة حرب”، ودعم مقاطعة الأكاديميين لإسرائيل ، وناصر الحملات المطالبة بنزع الأسلحة النووية، ودعم أبحاث الخلايا الجذعية، وتطبيق نظام رعاية صحية شاملة يكفل الحماية المالية لجميع المواطنين، ودعم تطبيق إجراءات لمنع تغير المناخ. وكان هوكينج من بين 200 شخصية وقعت على رسالة لصحيفة الغارديان تبدي الأمل في بقاء اسكتلندا جزء من المملكة المتحدة دون استقلالها، وذلك في الفترة التي سبقت استفتاء شهر سبتمبر عام 2014 بشأن هذه المسألة. رأى هوكينج أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي سيلحق ضررا بمساهمات المملكة المتحدة في المجال العلمي بسبب الحاجة الملحة للتعاون الدولي عند إجراء البحوث الحديثة ولما تلعبه حرية التنقل بين دول أوروبا من دور في انتشار وتناقل الأفكار. وأعرب هوكينج عن خيبة أمله إزاء انسحاب بلاده من الاتحاد الأوربي وحذر من الانعزالية. كما عبَّر هوكينج عن قلقه الكبير بخصوص سياسات الرعاية الصحية في بلاده وقال أنه لولا هيئة الخدمات الصحية الوطنية لما كان عاش حتى سبعينات عمره. وقال: “لقد تلقيت اهتماما طبيا ممتازا في بريطانيا وشعرت بأهمية وضع الأمور في نصابها الصحيح. أنا أؤمن بنظام الرعاية الصحية الشاملة. ولست خائفا من قول هذا”

انجازات ستيفان هاوكنغ في الفيزياء النظرية
1971أصدر بالتزامن مع عالم الرياضيات روجر بنروز نظريته التي تثبت رياضياً وعبر نظرية النسبية العامة لأينشتاين بأن الثقوب السوداء أو النجوم المنهارة بسبب الجاذبية هي حالة تفردية في الكون “أي أنها حدث له نقطة بداية في الزمن”. 1974 أثبت نظرياً أن الثقوب السوداء تصدر إشعاعاً على عكس كل النظريات المطروحة آنذاك؛ وسمي هذا الإشعاع باسمه “إشعاع هوكينج” واستعان بنظريات ميكانيكا الكم وقوانين الديناميكا الحرارية. طور مع معاونه (جيم هارتل من جامعة كاليفورنيا) نظرية اللاحدود للكون، والتي غيرت من التصور القديم للحظة الانفجار الكبير عن نشأة الكون، إضافة إلى عدم تعارضها مع أن الكون نظام منتظم ومغلق. 1988 نشر كتابه تاريخ موجز للزمن الذي حقق مبيعات وشهرة عالية. ولاعتقاد هوكينج أن الإنسان العادي يجب أن يعرف مبادئ الكون، فقد بسّط النظريات بشكل سلس. 1993 نشر مقالة بعنوان “الكون الوليد والثقوب السوداء”. 2001 نشر كتابه “الكون بإيجاز”. 2005نشر نسخة جديدة من كتابه تاريخ موجز للزمن بعنوان ” تاريخ أكثر إيجازًا للزمن “.

2010 نشر كتابه “التصميم الكبير” بالتعاون مع ليوناردو ملودينوف.
سنوات المرض أصيب هوكينج بمرض عصبي وهو في الحادية والعشرين من عمره ، وهو مرض التصلب الجانبي ، وهو مرض مميت لا علاج له ، وقد أعلن الأطباء أنه لن يعيش أكثر من سنتين ، ومع ذلك جاهد المرض حتى تجاوز عمره ال 75 عاماً ، وهو أمد أطول مما توقعه الأطباء. وقد أتاح له ذلك فرصة العطاء في مجال العلوم وبالتحديد علوم الفيزياء النظرية، إلا أن هذا المرض جعله مقعداً تماماً وغير قادر على الحركة، ولكنه مع ذلك استطاع أن يجاري بل وأن يتفوق على أقرانه من علماء الفيزياء، رغم أن أجسادهم كانت سليمة ويستطيعون أن يكتبوا المعادلات المعقدة ويجروا حساباتهم الطويلة على الورق، بينما كان هوكينج وبطريقة لا تصدق يجري كافة هذه الحسابات في ذهنه، ويفخر بأنه حظي بذات اللقب وكرسي الأستاذ الذي حظي به من قبل السير إسحاق نيوتن، وبذلك فهو يُعتبر رمزاً يُحتذى به في الإرادة وتحدي الإعاقة.

مع تطور مرضه ، وبسبب إجرائه عملية للقصبة الهوائية بسبب التهاب القصبة، أصبح هوكينج غير قادر على النطق أو تحريك ذراعه أو قدمه، أي أصبح غير قادر على الحركة تماماً، فقامت شركة إنتل للمعالجات والنظم الرقمية بتطوير نظام حاسوب خاص متصل بكرسيه يستطيع هوكينج من خلاله التحكم بحركة كرسيه والتخاطب باستخدام صوت مولد إلكتروني وإصدار الأوامر عن طريق حركة عينيه ورأسه، حيث يقوم بإخراج بيانات مخزنة مسبقاً في الجهاز تمثل كلمات وأوامر. في 20 نيسان 2009 م ، صرحت جامعة كامبردج بأن ستيفن هوكينج مريض جداً وقد أودع مستشفى إدينبروك. يعد هوكينج مثالاً لتحدي الإعاقة وللصبر في صراعه مع المرض الذي دام حوالي 55 عاما.

يتميز ستيفن ببديهة عالية حيث أجاب على سؤال “ماذا يأتي قبل الانفجار الكبير في الكون؟” فكانت إجابته أن هذا السؤال يشبه سؤال “ما المكان الذي يقع شمال القطب الشمالي؟” وكانت هذه الإجابة تلخيصاً لنظريته حول الكون المغلق والذي بلا حدود.

( الأوسمة التي حصل عليها )
وسام هيوز للجمعية الملكية ، قلادة ألبرت أينشتاين، وسام الإمبراطورية البريطانية (القائد)، الميدالية الذهبية للجمعية الفلكية الملكية ، عضوية في الأكاديمية البابوية للعلوم ، جائزة وولف في الفيزياء ، جائزة أمير أستورياس في كونكورد.

(مؤلفاته ) تاريخ موجز للزمن ، الثقوب السوداء والأكوان الناشئة ومقالات أخرى ، الكون في قشرة جوز ، على أكتاف العمالقة ، الله خلق الأعداد الصحيحة ، الأحلام التي صنعت منها الأشياء: أكثر أوراق الفيزياء الكمية إدهاشا وكيف صعقت العالم العلمي ، تاريخي الموجز، طبيعة المكان والزمان مع روجر بنروز ، الكبير والصغير والعقل البشري ، مع روجر بنروز وآبنر شيموني ونانسي كارترايت ، تاريخ الزمكان مع كيب ثورن وإيغور نوفيكوف وتيموثي فيريس ، مقدمة من كتابة آلان لايتمان وريتشارد إتش برايس ، تاريخ أكثر إيجازا للزمنمع ليوناردو ملودينوف والتصميم العظيم مع ليوناردو ملودينوف و قصص الأطفال ، كتب هوكينج مع ابنته لوسي عددا من قصص الأطفال (مفتاح جورج السري للكون ، بحث جورج عن الكنز الكوني ، جورج والانفجار العظيم ، جورج والترميز غير القابل للكسر ، جورج والقمر الأزرق ) . توفي ستيفن هوكينج في منزله في كامبريدج بإنجلترا يوم الأربعاء 2018 م عن عمر يناهز 76 عاما. وأصدرت عائلته بيانا تعرب فيه عن حزنها ، وذكر أبناؤه لوسي وروبرت وتيم: “يعتصرنا الحزن لوفاة أبينا الحبيب اليوم” . ولم يتم الكشف عن سبب وفاته بعد ، وذكروا أنه “مات بسلام”. ويصادف يوم وفاة هوكينج الاحتفال العالمي بيوم (π) وذكرى ميلاد ألبرت أينشتاين.

المراجع

* الموسوعة العربية
* الموسوعة البريطانية
* ويكيبيديا

لا تعليقات

اترك رد