فلسفة العولمة – الجزء الاول


 
الصدى - العولمة - حسن عجمي

العولمة هي اتباع سلوكيات واحدة و الاعتقاد بمعتقدات واحدة من قبل كل البشر أو على الأقل العولمة هي تشابه السلوكيات و المعتقدات بين جميع البشر. نظن عادة ً أن العولمة قد جعلت العالم بأسره مجرد قرية صغيرة. لكن العولمة التي وُعِدنا بها أمست عولمة افتراضية لأننا افتتحنا عصر السوبرعولمة. ثمة فرق كبير بين العولمة و السوبرعولمة. فبينما العولمة هي تشابه أو تطابق سلوكيات و معتقدات البشر في الواقع المعاش , السوبرعولمة هي تشابه أو تطابق سلوكيات و معتقدات البشر في العالم الافتراضي المتمثل في وسائل التواصل المعاصرة كالأنترنت و القنوات التلفزيونية الفضائية. السوبرعولمة هي زوال العولمة و غيابها عن الواقع المعاش و تحوّلها إلى مجرد عولمة افتراضية. فالعولمة موجودة فقط فيما نرى على التلفزيونات الفضائية و نقرأ على شاشات الأنترنت. ففي هذه الوسائل الاعلامية المعلومات ذاتها متاحة لجميع البشر ما يجعل الجميع متساوين في امتلاك أو إمكانية امتلاك المعلومات نفسها فامتلاك أو إمكانية امتلاك المعتقدات و السلوكيات ذاتها فتتحقق بذلك العولمة الافتراضية. هكذا العولمة الافتراضية أي السوبر عولمة المتحققة في وسائل التواصل المعاصرة جعلت الناس جميعاً كائناً إنسانياً واحداً ذات هوية واحدة تماماً كما لو أن العولمة قد نجحت. لكن هذه الذات أو الهوية المشتركة بين البشر ليست سوى هوية افتراضية بسبب أنه تم اكتسابها من خلال عوالم افتراضية قائمة في التواصل الافتراضي عبر الأنترنت و التلفزيون الفضائي. من هنا زال العالم الواقعي و تحوّل إلى عالم افتراضي. فنحن اليوم لا نحيا في عالم تحكمه العولمة الواقعية و المعاشة , بل نحيا في عوالم افتراضية تحكمها عولمة افتراضية.

من جهة معينة , يبدو أن العولمة قد زالت. و هذا يفسِّر استمرارية إنغلاق الجماعات على نفسها و تعصبها لسلوكياتها و معتقداتها و معاداتها لسلوكيات و معتقدات الجماعات الأخرى. فلو أنه توجد عولمة واقعية بالفعل لزالت الخلافات بين الشعوب و الجماعات , و هذا ما لم يحدث. فمن المفترض أن العولمة ستوحِّد البشر في إنسانية واحدة , لكن ما زالت البشرية منقسمة بين مفاهيم و نظريات مختلفة في الإنسانية و الحضارة. هكذا يبدو أن العولمة غير موجودة فعلياً. لكن من جهة أخرى يبدو أيضاً أن العولمة موجودة و فاعلة. فلو أنها غير موجودة ما تمكن البشر من التواصل و التفاهم و التعامل فيما بينهم و كأنهم يحيون في قرية صغيرة. على هذا الأساس , يبدو أنه لا توجد عولمة كما يبدو أنه توجد عولمة. لكن عدم وجود العولمة يناقض وجودها. من هنا , لا بد من حل هذه الإشكالية , و يتم ذلك من خلال السوبر عولمة.

بالنسبة إلى السوبر عولمة , العولمة موجودة لكونها عولمة افتراضية موجودة على شاشات التلفزيون و الأنترنت , و في الوقت نفسه العولمة غير موجودة بسبب أن الواقع المعاش خال ٍ منها. هكذا تحل السوبر عولمة الإشكالية المعرفية السابقة فتكتسب مصداقيتها. و بما أن العولمة موجودة في العالم الافتراضي فقط و غائبة عن الواقع المعاش , إذن من الطبيعي أن يشعر الإنسان و يظن أنه ينتمي إلى الإنسانية كلها و في الوقت نفسه يشعر و يظن أنه منتم ٍ إلى قبيلته و جماعته و طائفته فقط بدلا ً من أن يكون منتمياً للبشرية جمعاء. هكذا كرّست السوبر عولمة المتمثلة في العولمة الافتراضية انقسام الذات الإنسانية على نفسها فتحوّل الصراع بين العولمة و اللاعولمة إلى صراع داخل كل ذات إنسانية بدلا ً من أن يكون مجرد صراع بين مشروعين متنافسين.

من المنطلق ذاته , تتمثل السوبر عولمة في انفتاح الأسواق التجارية و انغلاقها في آن. فمعظم الأسواق التجارية منفتحة حول العالم بحيث من الممكن الاستثمار فيها و نقل البضائع منها و إليها ما يشير بقوة إلى حضور العولمة. لكن هذا الانفتاح ليس سوى انفتاح افتراضي يصاحبه انغلاق الأسواق المتصفة بالحرية , و السبب في ذلك هو أن المنتجات يتم تعديلها و تغييرها لتناسب هذا السوق المحلي أو ذاك فالشركات نفسها تتخذ أشكالا ً و مضامين مختلفة لتنسجم مع الأسواق المحلية المختلفة ما يشير إلى اللا عولمة. هكذا العولمة تصاحب اللا عولمة بشكل دائم ما يؤكد على صدق موقف السوبر عولمة القائل بوجود العولمة و عدم وجودها في آن لكونها مجرد عولمة افتراضية. و من منطلق هذا النموذج الفكري أيضاً , الديمقراطية نفسها أمست ديمقراطية افتراضية. فمثلا ً , حرية التعبير أصبحت حرية تعبير افتراضي ؛ فنحن أحرار فقط في التعبير على شاشات الواقع الافتراضي أي على صفحات الأنترنت. من هنا , انتقلت الحرية من حرية معاشة إلى حرية مفترضة و افتراضية , و السبب في ذلك هو أننا أمسينا نعتمد كلياً على وسائل التواصل الافتراضية كالأنترنت. فبدلا ً من أن نجتمع في الواقع لنناقش هذا المشروع الاجتماعي أو ذاك أصبحنا نجتمع افتراضياً على شاشة الأنترنت. و بدلا ً من أن نعبِّر عن آرائنا وسط الناس في الواقع المعاش أمسينا نعبِّر عن آرائنا افتراضياً من خلال عرضها على شبكات الأنترنت. هكذا الديمقراطية أمست ديمقراطية افتراضية تماماً كما أصبحت حياتنا حياة افتراضية.

بالإضافة إلى ذلك , كلما إزدادت العولمة و انتشرت أكثر كلما إزدادت الانعزالية و سيطرت على الأفراد و الشعوب. فمثلا ً , بما أن العولمة متمثلة في تبني السلوكيات نفسها من قبل الأفراد و الشعوب كافة , إذن من الطبيعي أن تدفع العولمة كل طائفة و مدينة و عائلة إلى امتلاك قناة فضائية تقليداً لسلوك الدول التي كانت وحدها تملك القنوات التلفزيونية. هنا العولمة هي السبب الحقيقي وراء انتشار ظاهرة امتلاك القنوات الفضائية من قبل كل مذهب و طائفة , و بتنا نشهد امتلاك هذه المدينة أو تلك لقناتها الفضائية الخاصة ما يبشّر بأن في المستقبل القريب ستملك كل مدينة تلفزيونها الخاص و من ثم ستمسي كل عائلة مالكة لقناة فضائية خاصة. و ليست هذه الظاهرة سوى عملية تقليد و تبني للسلوكيات ذاتها. لكن العولمة متمثلة في تقليد و تبني السلوكيات نفسها. بذلك ظاهرة انتشار القنوات التلفزيونية ليست سوى فرع من فروع العولمة. لكن امتلاك كل طائفة و مدينة و عائلة لقناة تلفزيونية خاصة بها يؤدي إلى عزل الطوائف و المدن و العائلات , و بذلك مع تطور العولمة و انتشارها بشكل أوسع تتطور الانعزالية و تسيطر على الأفراد و الشعوب. من هنا , العولمة التي وعدنا بها ليست سوى عولمة افتراضية تحمل في جوهرها نقيضها المتمثل في عزل الشعوب و الأفراد عن بعضهم البعض. لم يصبح العالم قرية صغيرة بل أمسى قرى صغيرة منعزلة. هكذا العولمة التي كانت من المفترض أن توحّدنا أمست آلية تفريق و عزل.

لكن لماذا انتشار امتلاك القنوات التلفزيونية يؤدي إلى عزل الأفراد و الشعوب؟ عندما تملك طائفة أو مدينة أو عائلة معينة قناتها التلفزيونية الخاصة حينئذٍ ستبث معتقداتها الخاصة و تدافع عنها فتجد نفسها تقاتل معتقدات الآخرين ما يؤدي إلى تحقق هذا القتال في الواقع. هكذا كل قناة وظيفتها الأساسية كامنة في نشر عقيدة مالكيها و محاربة العقائد المنافسة لعقيدتها. لذا انتشار القنوات التلفزيونية و الفضائية يساهم بقوة في عزل الناس عن بعضهم البعض و نشر الصراعات الطائفية و المذهبية و المناطقية. مثل تطبيقي على عمليات العزل الاعلامي هو أن أتباع كل طائفة يشاهدون فقط القنوات التلفزيونية الخاصة بطوائفهم و بذلك ينعزلون عن المنابر الاعلامية الخاصة بالطوائف الأخرى ما يكرّس الانشقاق الطائفي و الجهل بالآخر. هكذا العولمة أيضاً تدفع إلى المزيد من الطائفية.

يتبع…

1 تعليقك

اترك رد