جدوى ساحة التحرير!


 

ترتبط ساحة التحرير ارتباطا وثيقا بالذاكرة العراقية، فمنذ انطلاق ثورة 14 تموز 58، أصبحت الساحة منصة للخطابات وبمنتهى المسيرات الجماهيرية، حتى قبيل حفر نفق باب الشرقي الشهير في مطلع سبعينيات القرن الماضي!!
وما اضاف نكهة للساحة هو نصب الحرية الذي نفذه الفنان الكبير جواد سليم مستلهما من التظاهرات شكل النصب الخارجي فجعله على هيئة لافتة مسيرة، ملخصا فيها المضمون التاريخي لمسيرة شعبنا، ساردا أحداث رافقت تاريخ العراق، من خلال تزاوج بين القديم والحداثة، فتخللت النصب النقوش البابلية والآشورية والسومريةالقديمة، إضافة إلى رواية أحداث ثورة تموز 1958 ودورها وأثرها على الشعب العراقي، مما أثار حقد الفاشيين البعثيين في أول انقلاب لهم عام 1963، حيث قاموا برشق النصب بمئات الاطلاقات النارية، والتي ما زال أثار بعضها، على النصب، شاهدا على جريمتهم.
وكانت جريمتهم الثانية، هي محاولة تغيير نكهة ساحة التحرير الثورية، بعد انقلابهم الثاني عام 1968 ، عندما علقوا مجموعة من المواطنين على أعواد المشانق لعدة ايام بحجة التجسس لصالح العدو الصهيوني! وهي في الحقيقة رسالة ترهيب وتخويف عموم الشعب العراقي، الذي ذاق الأمرين على ايديهم، سواءً في السجون ام في حروب النظام العبثية!
عادت ساحة التحرير إلى نبضها الثوري حال سقوط سلطة البعث في نيسان 2003.
ففي الرابع عشر من تموز من ذلك العام، انطلقت مسيرة كبرى، للشيوعيين والديمقراطيين وكل المتضررين من ذلك النظام، منطلقة من ساحة التحرير باتجاه ساحة الفردوس.
تنفس المتظاهرون الصعداء وهو يتنفسون للمرة الأولى نسائم الحرية، التي سرعان ما تم خنقها مجددا، بفكي أيتام النظام السابق والعصابات المنفلتة، ولاحقا بالتاجيج الطائفي المقيت، الذي كاد أن يلتهم الأخضر واليابس لو لا نباهة الشرفاء من أبناء العراق!
وتعاقبت حكومات أخرى اغرقت البلد بالفساد المالي والاداري، ميزتها الأساسية هو انعدام الخدمات العامة، فصدحت حناجر المتضررين، التي لم تكل ولم تمل من انتقاد صريح لكل الفاسدين حكاما او مأمورين، وقد تم كتم
تلكم الاصوات بالنار والحديد عندما انطلقت في شباط 2011، ولكنها انطلقت مجددا في تموز 2015 بنفس جديد، وهو مشاركة واسعة لشريحة مسحوقة كبيرة اكتوت بنار التهميش رغم مساهمة أبنائها في تحرير العراق من براثن داعش! وهذا هو ما مهد لتشكيل تحالف، لم يعرفه العراق في سابق تاريخه، تحالف تبنّى بناء الدولة على اساس المواطنة والعدالة الاجتماعية، وأية قوة تحاول إيقاف هذا التحالف السائر بهذا الاتجاه، سيلقي حتفه في ساحة التحرير، التي ستبقى رمزا للدولة المدنية الديمقراطية الجامعة لكل أطياف الشعب العراقي! فصوت هذه الأطياف ينادي اننا ” سائرون” باتجاه التغيير رغم التهديد والوعيد!

المقال السابقالفنان الرائد ضياء البياتي
المقال التالىصنع في العراق تحتاج ( لمخ لصين )
الكاتب د. طه رشيد حاصل على ليسانس فنون مسرحية / أكاديمية الفنون الجميلة ـ بغداد ـ 1974 ودبلوم لغة فرنسية من جامعة بواتييه 1988.عمل في الصحافة الاذاعية بين 1975 - 1978 وساهم بكل ألاعمال المسرحية في فرقة المسرح الفني الحديث - مسرح بغداد لنفس الفترة. - 1978 - 1984 منشط ثقافي واستاذ مسرح في المدارس الثا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد