الفنان الرائد ضياء البياتي


 

سمعت ما يحزنني, ووجدت مايسرّني .

قبل ان التقي بالرجل الذي سمعت عنه كلام مخيف ,حتى اني لم اتمنّى ان التقي به ابدا خوفا ورعبا وحتى حقدا .قالوا عنه انه دكتاتور كبير كلامه اوامر وتهديد ووعيد . وحقيقة الامر هو من وجهة نظري الشخصية, ممثل سينمائي رائع يعرف متى يبتسم ومتى يحزن ,متى يشرح ومتى يستمع لكلام الشارحين , وجهه سبّورة تعكس مافيوجدانه كممثل .مازال صوته يرن في اذني وهو يكلم الفنان قائد النعماني في فيلم الزورق , صوته يطربني ويخيفني في نفس الوقت.

 

انه الفنان ضياء البياتي مدير السينما العراقية ايام كانتالسينما تعيش مجد وشرف الحب السينمائي الحقيقي, حينما كان الجميع يفكر بقيمة السينما كفن مؤثر على بنية المجتمع العراقي, لجيل سينمائي يحمل طموح كبير لايحدّه حد ,وارادة وقوة وصلت الى انيحصل ضياء البياتي مدير السينما على مبلغ 70 الف دينار عراقي في ذلك الوقت كي يدعم الفيلم المصري (ابي فوق الشجرة ) للمطرب عبد الحليم حافظ واخراج يوسف شاهين مقابل ان تقوم مديريتهالسينمائية بتوزيع الفيلم داخل العراق. وتم ذلك بالفعل .

 

كان ذلك ايامكان فيها البياتي مديرالسينما العراقية التي تنتج وتساهم في انتاجافلام ليس عراقية .يقول صاحبي عن ضياء البياتي : كان الحجيضياء لايستمع الاّ لمن يعجبه ,ولا يرد الاّ على من يعجبه ,ولا يبتسم الاّنادرا ,ويرى في نفسه امبراطور التمثيل والاخراج والادارة الفنية وادارة الانتاج .

وانه مصدر علمي لكل حرفيات السينما من لحظة التفكير بانتاج فيلم, الى حد عرض الفيلم مرورا بتحميض وطبع الفيلم . يصرّح البياتي في اكثر من مناسبة بأنه قد تعلم ذلك من استاذهومديره الفنان فيكتور حدّاد يوم كان معاونا له ,لان ضياء تم تعيينه معاونا لمدير السينما من قبل استاذه حقي الشبلي مدير عام الدائرةبعد تخرّجه مباشرة من اكاديمية الفنون الجميلة .ضياء, الرجل قصير القامة الذي نراه الان مازال يسير بخطوات طويلة وواثقة ,ورأسه لايكاديرتفع الاّ بجهد بيّاتي كبير ,الرجل الذي يسير وكأنه يتزحلق على الجليد ولا يقف الاّ بالكاد ويديه ترتكز على ظهره وكأنها المحرّك الذي يعينه على السير ,كان هو نفسه الذي قال عنه صاحبي بأنه كان هتلريا وأنفه يشم رائحة الطغاة والطابور الخامس والسادس والسابع وو..,وان انفه لايخطأ وقلبه لا يخطأ وظنّه لا يخطأ . يرى نفسه بأنه هو الاول في السينما, وهو الاخير.يقف اخر النسق ,كي يراقب النسق خوفا من ان يميل من هنا أومن هناك .كان لايهدأ ولا يكل ولا يمل ..

يقول صاحبي ان ضياء البياتي كان لاينام, وعينيه لا تحسن الانغلاق ابدا .عيناه لا يرمشان ابدا .يقول صاحبي انه لا يمازح احد, ولا يسمح لأحد ان يمازحه ,يقول ويقول وأنا أستمع لكل كلمة من كلام صاحبي وأقرأ وأسمع ان البياتي كان يغزو الشاشة بشاربه المميّز الذي اراه كثير الشبه , بل اجمل من شارب كلارك كيبل .لم يستطيع كلام صاحبي ان يغيّر احساسي وحبي وأعجابي بفتى الشاشة واللاشاشة , لكن صاحبي يلح ويقول ان الحاج كان يفرض نفسه على كل مخرج على ان يكون فيه مديرا للانتاج وحتى مديرا فنيا وممثّلا ..ورئيسا لجمهورية الفيلم الذي يرسمه من الاول للأخير ..

في اللغة يرى نفسه سيبويه ,وفي السينما كريفث ,وفي الفتوة طرزان ,وفي الفلسفة سارتر ,لكنه لم يكن وجوديا ,بل كان بيّاتيّا, والوجود بالنسبة له ليس الاّ لعبة صبيانية لاتنفع الاّ من ليس لديه عمل وعقل مثلما يحمل هو .لم اكرهه لاني معجب بشكله وأدائه التمثيلي وشخصيته الجذّابة . يقول صاحبي انه كان رجل المرحلة ومعاونا للمدير العام لدائرة السينما والمسرح وكان طاغيا كبيرا …كلام كثير قال صاحبي. وذات يوم التقيت بالطاغية الهتلري فاذا بي امام ابتسامة جميلة, وحوار ساحر, وذاكرة عجيبة, وطموح لا يحمله شاب بربع عمره ,يتحدث عن السينما كأنه طالب في كلية أو معهد للفنون يطمح في ان يصنع فيلما ليشارك مهرجانيا كي ينال جائزة أو مديح من احد السينمائيين صغيرا كان أم كبيرا .ضياء البياتي يقبّل جميع من يحيّيه بسعادة بالغة , ويتحدث عن زملائه بمنتهى الحب والتقدير والاحترام .يستمع لكل من يتحدث معه ويرد بذوق واسلوب العارف الفاهم المؤدب .لايكلولايمل عن الحديث في السينما .يقاوم العمر والمرض بروح المؤمن الواثق من وعن كل أعماله . رأيته مرة بعينين دامعتين وهو يتحدث عن ابنته الحبيبة التي رحلت الى ربّها ..اذن هو يجيد البكاء .

رأيته مئات المرّات وهو يضحك بصوت ولا أجمل ..اذن هو يجيد الضحك .سمعته مرّة يتحدث عن أحد الافلام السينمائية بأسلوب نقدي متقدم ..اذن هو مثقف مازال يقرأ ويكتب ويبحث ويؤرشف كل نشاط سينمائي عراقي .صاحبي قال الكثير, وانا أقول لصاحبي ارجوك لا تقل اي شيء عن صديقي واستاذي الغالي لاني وجدته ضياءا بيّاتيا وسيما رغم العمر والمرض ..وجدته قمّة في الاخلاق والتواضع والشجاعة التي تجعله يسافر الى اية محافظة عراقية كي يشاهد افلام الشباب, ويكتب عنها في موسوعته التي صدر منها الجزء الاول والجزء الثاني ويحضّر للثالث ووو..الخ .لان فيه طموح الشباب وحكمة الكبار وتضحية العاشقين .لايهمني ماذا وكيف كان ,بل يهمني ماأرى وأسمع الان.ضياء البياتي ولد في 10 اكتوبر عام 1937 في محافظة بابل عكدالوردية محلّة البيّات ,الصوب الكبير,ثم انتقل مع والده الى بغداد ,دخل معهد الفنون الجميلة عام 1958 مع زملائه عمانوئيل رسام وحمودي الحارثي واخرون ,وكان طالبا نشطا .شارك في مسرحية استاذه حقي الشبلي (شهرزاد) ككومبارس غير ناطق , لكنه اراد انيكون نجما في كل شيء . دخل الاذاعة كمقدما لبرنامج (اسمعوياناس) ,

ثم قدّم البرنامج التلفزيوني (اين الحل ) وبرع فيهما ونجحا نجاحا كبيرا . شارك في التمثيليات التي كانت تقدّمها فرقة الفجر الجديد التي تحوّل اسمها فيما بعد الى 14فرقة تموز المسرحية مباشرة من على شاشة تلفزيون العراق وكان هو البطل الرئيس وفتى الشاشة , كان الشباب يقلدون لبسه وتسريحة شعره كما يقول هو عن نفسه .مثّل البياتي في عشرات التمثيليات منها (ماجلان وابو البنات وطارق بن زياد ,و92 حلقة من حياة العضماء, وقصص من الف ليلة وليلة ,ورمضانيات و12, حلقة من مسلسل تحت موس الحلاق مع سليم البصري وحمودي الحارثي في جزئها الاول.

 

دخل كلية الفنون الجميلة وتخرّج منها ,وكان اول عضو في الفرقة القومية للتمثيل اذ شارك فيانتاجها المسرحي الاول مسرحية (وحيدة ) تأليف موسى الشاهبندر واخراج محمد القيسي وفخري الزبيدي .كما شارك في مسرحية (عدو النور )اخراج عباس الشلاه ,ومسرحية (فتح القدس)لفرقة 14 تموز,ومسرحية (بستان الكرز )لتشيخوف في معهد الفنون الجميلة ,ومسرحية (عوالي ) تأليف علي أحمد باكثير و(سهرة الفظائي ) اخراج سامي عبد الحميد للفرقة القومية للتمثيل ,ومسرحية (الغرباء يشربون القهوة )لفرقة المسرح الوطني من اخراج محسن العزاوي,ومسرحية الخيمة كيلو 100 )اخراج محسن العزاوي بأدوار رئيسية .اخرج البياتي عشرة افلام وثائقية لحساب السينما والمسرح ,وفيلم روائي طويل هو فيلم (جسر الاحرار ) ,وفيلم ديكو دراما اسمه (عيون ) شارك فيه في مهرجان لايبزك وحصل على جائزة تقديرية .

مثّل في اكثر من 60 تمثيلية وسهرة تلفزيونية .كما مثل في فيلم (القادسية)لصلاح ابو سيف بدور قصير ,كذلك مثّل في فيلم النهر والرأس لفيصل الياسري والايام الطويلة للمصري توفيق صالح وفيلم النهاية للدكتور عباس الشلاه وفيلم التجربة لفؤاد التهامي ,وفيلم (المسألة الكبرى )لمحمد شكري جميل وأفلام اخرى .

 

ضياء البياتي كان مديرا لانتاج عدد كبير من الافلام العراقية ,ومديرا لانتاج الفيلم الجزء الذي تم تصويره في العراق من الفيلم العالمي (التعويذة ) .على اثر مشاركته هذه تم دعوته من شركة بورنر ليكون مدير انتاج للافلام التي تنتجها الشركة في الشرق الاوسط.تلقى الفنان البياتي دعوة من شركة فوكس للقرن العشرين للتعيين مستشارا لفحص ومتابعة جميع االافلام العربية ,له مؤلف اضافة الى الموسوعة عنوانه(زمن السينما العراقية ) .من الاحداث التي يعتز بها تكريمه من الرئيس الراحل عبد الكريم قاسمبنوط على اثر مشاهدته له وهو يؤدي دور الخباز في تمثلية تلفزيونية.رياضي وشاعر وكاتب وصحفي .عضو مؤسس لنقابة الفنانين عام 1969 واتحاد السينمائيين العرب عام 1975 ,وعضو لجنة تحكيم في الكثير من المهرجانات الدولية ,حضر وشارك في مهرجانات طاشقندوكارلو فيفاري والقاهرة وسان باولو ودمشق وفينيسيا ولايبزك .مديرا لانتاج اكثر من 40 فيلم ,ومنتج منفذ ومديرا فنيا لمسلسلات (اعماقالرغبة ,البيوت اسرار ,ابو جعفر المنصور ).مازال الفنان ضياء البياتييكتب ويطمح ان يكون في الواجهة عبر افكاره ومشاركاته في التجمعات والمهرجانات السينمائية ويدوّن كل شيء في مذكراته التي ستصدر قريبا ان شاء الله .

 

لا تعليقات

اترك رد