إدارة الأداء


 

إدارة الأداء PERFORMANCE MANAGEMENT

شهدت العقود الأخيرة من القرن الماضي ظهور العديد من المفاهيم و النظريات الحديثة, و التي كانت في الواقع متأثرة بالتطورات الحاصلة في الحياة العامة, و في العلوم الإدارية و الاقتصادية و الاجتماعية, و العلوم الصرفة, و في تكنولوجيا المعلومات ..

و كانت معظم هذه المفاهيم أو النظم الإدارية الحديثة تحاول الجمع بشكل من الأشكال ما بين التأكيد على الأداء و الإنتاجية من جهة, و مشاركة العاملين و حفزهم للأداء و لتحقيق الأهداف ، و ربما يعتبر مفهوم ” إدارة الأداء – PERFORMANCE MANAGEMENT “ واحدا من أهم هذه المفاهيم الحديثة و أقربها للتداول و الاستخدام ..

و يمثل مفهوم ” إدارة الأداء ” ايضا واحدا من اكثر التطورات المهمة الإيجابية في مجالات إدارة القوى العاملة – HUMAN RESOURCES MANAGEMENT التي ظهرت في العقود الأخيرة ..

لقد ظهر هذا المفهوم أو التعبير الى حيز الوجود و التداول بشكل أولي من قبل كل من ( BEER & RUH ) في عام 1976 ، لكنه لم يعتمد فعلا كمدخل أو نظام إداري متقدم إلا في أواسط سنوات الثمانينات من القرن الماضي, و ذلك من خلال تزايد الوعي و الاهتمام بضرورة وجود نظام أو مدخل اكثر تكاملا و شمولية و استمرارية لدراسة وإدارة و تقييم الأداء ، حيث ظهر في ذلك الوقت أن النظام التقليدي لقياس و تقييم الأداء قد فشل في كثير من الأحيان في تحقيق الأهداف و الفوائد و المزايا المتوقعة منه, سواء على مستوى المنظمة, أو الشخص العامل ذاته ..

و في الواقع فلقد برز وتطور نظام أو مفهوم ” إدارة الأداء ” مستقيا أسسه و مبادئه من بعض أفكار نظام تقييم الأداء التقليدي, إضافة الى أفكار بعض النظريات و المفاهيم الإدارية الحديثة في حينها, كنظام الإدارة بالأهداف – MANAGEMENT BY OBJECTIVES ..

يمكن تعريف مفهوم ” إدارة الأداء – PERFORMANCE MANAGEMENT ” على انه, عملية متكاملة و إستراتيجية تساعد في تحقيق النجاح في المنظمة من خلال تحسين أداء العاملين فيها, و الذي يتأتى من خلال تطوير قدرات و مشاركات و مساهمات الأفراد و فرق العمل في تلك المنظمة ..

و تعتبر إدارة الأداء ” عملية إستراتيجية – STRATEGIC PROCESS ” كونها ترتبط مع الجوانب و الأمور الرئيسية العامة التي تواجه المنظمة, إذا كان الاعتبار أن تقوم هذه المنظمة بالعمل بشكل فاعل و كفوء ضمن البيئة المحيطة, و ضمن الاتجاه العام للمنظمة و الذي تعمل بموجبه لتحقيق أهدافها بعيدة المدى ..

كما تعتبر إدارة الأداء ” عملية متكاملة – INTEGRATED PROCESS ” كونها تهتم بالتكامل من جانبيه, الأفقي و العمودي – HORIZONTAL & VERTICAL INTEGRATION ..

فالتكامل العمودي, يهتم بالربط و الموازنة و التنسيق ما بين أهداف المنظمة و أهداف المجموعة و الفرد العامل, و ربط كل ذلك مع القدرات و الكفاءات الرئيسية المطلوبة ، اما التكامل الأفقي , فيهتم بالربط بين مختلف جوانب إدارة القوى العاملة, و بشكل خاص ما يتعلق بالتطور التنظيمي, تطوير إدارة القوى العاملة, و العوائد و المكافآت, بحيث يساعد في إيجاد توجه عام واضح و قوي باتجاه إدارة و تطوير الأفراد العاملين في المنظمة ..

أما بالنسبة لمفهوم الأداء ذاته, فانه لابد من تحديده و تعريفه بدقة و وضوح أيضا, حيث أن عدم المعرفة بالتحديد بما يعنيه هذا المفهوم, يؤدي بالتبعية إلى أن نكون غير دقيقين و غير قادرين على قياس الأداء و إدارته ..

و قد وردت عدد من الآراء و المحاولات في تحديد و تعريف هذا المفهوم, منها انه, سجل أو محصلة للمخرجات أو النتائج – OUTCOMES المتحققة من عمل معين ، كما انه يمكن النظر إلى الأداء من وجهة النظر الفردية, على انه سجل للإنجازات – ACCOMPLISHMENTS التي يحققها الفرد في المنظمة ..

و بشكل عام فقد أشارت معظم التعاريف إلى أن الأداء يتعلق ب ” المخرجات, النتائج, الإنجازات ” ، لكنها بينت بنفس الوقت أن الأداء يهتم بإنجاز الأعمال و بالنتائج المتحققة ..

عليه يمكن تعريف الأداء على انه, السلوك أو الطريقة التي بواسطتها تستطيع المنظمة, المجموعة, و الأفراد من إنجاز الأعمال المطلوبة ..

من كل ما سبق يمكن القول, انه عند القيام بإدارة الأداء, للمجموعة و الأفراد, يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار كلا من المدخلات / السلوك – INPUTS / BEHAVIOR , و النتائج / المخرجات – OUTPUTS / RESULTS ، و هذا ما يمكن تسميته بالنموذج المختلط – MIXED MODEL, و الذي أشار إليه ( HARTLE ) عام 1995 في تحديده لمفهوم إدارة الأداء, و الذي يشمل القدرات و الكفاءات بمستوياتها المختلفة, و كذلك الإنجازات المتحققة, و أيضا عملية وضع و مراجعة الأهداف ..

ان جوهر مفهوم عملية ” إدارة الأداء ” , هو في كونها عملية مشتركة ما بين المدراء و بين مجموعات العمل و الأفراد العاملين الذين يديرونهم ، إنها تستند الى مبدأ ” الإدارة بالتعاقد – MANAGEMENT BY CONTRACT ” , بدلا من اعتماد مبدأ أو قاعدة ” الإدارة بالأوامر – COMMAND ” ، بالطبع فأن ذلك لا يستثني شمول هذا التعاقد على التوقعات بمستوى عالي و متميز للأشخاص من قبل المنظمة ..

يستند مفهوم ” إدارة الأداء ” على اتفاقية – AGREEMENT , بخصوص الأهداف – OBJECTIVES , المعرفة – KNOWLEDGE , المهارات و القدرات و الكفاءة المطلوبة, تطوير و تحسين الأداء, و خطط التطوير الشخصية ، إنها تتضمن المراجعة المستمرة و المشتركة للأداء فيما يتعلق بتلك الأهداف, المتطلبات, الخطط, و الاتفاقية و التطبيقات المتعلقة بالتحسينات, و أية خطط أخرى للتطوير ..

ان مفهوم ” إدارة الأداء ” يتميز بكونه يهم و يتعلق بكل شخص في المنظمة, و ليس فقط المدراء ، ان هذا المفهوم الحديث نسبيا يرفض و يلغي المفهوم السائد و التقليدي, بأن المدراء فقط هم وحدهم المسؤولين و المحاسبين عن أداء فرق العمل و المجموعات التابعة لهم, و يستبدل ذلك بمفهوم, ان المسؤولية تكون مشتركة ما بين المد راء و الأفراد العاملين ..

على هذا الأساس, يجب ان يتعامل المدراء مع العاملين التابعين لهم على انهم زبائن أو عملاء – CUSTOMERS , و انهم يستفيدون و يستخدمون المساهمات و المشاركات و الخدمات التي يعرضها و يقدمها المدراء لهم ، لهذا يكون المدراء و فرق العمل مسؤولين و مساءلين بالمشاركة عن النتائج المتحققة ، و بالتالي يكونون مشاركين معا في الاتفاق على ماذا يحتاجون لان يقوموا به, و كيف يقومون بذلك, فيما يتعلق بمراجعة و مراقبة الأداء و الإشراف عليه, و باتخاذ الإجراءات اللازمة للعمل ..

باختصار, فأن إدارة الأداء, تركز بمفهومها الشامل و الكلي, على الاعتقاد بأن كل شئ يقوم به الأفراد خلال عملهم بكافة المستويات, يكون مشاركا في تحقيق الأهداف العامة للمنظمة ، لذلك فأن هذا المفهوم يهتم, بماذا يفعل هؤلاء الأشخاص – WHAT PEOPLE DO – THEIR WORK ، و كيف يقومون به –

HOW THEY DO IT – THEIR BEHAVIOR ، و أيضا ماذا يحققون من نتائج و إنجازات WHAT THEY ACHIEVE – THE RESULTS ..

لقد لخص كل من ( PHILPOTT & SHEPPARD ) عام 1992, الهدف الأساسي لإدارة الأداء, بأنه, لإنشاء و تكوين ثقافة في المنظمة يقوم من خلالها, كل من الأفراد و مجموعات العمل, بتحمل مسؤولية تجاه التحسين المستمر للعمليات المختلفة داخل المنظمة أو الشركة, و كذلك للتحسين المستمر لمهاراتهم و قدراتهم و مشاركاتهم في العمل والأداء ..

من كل ما سبق ذكره, يمكن أن نحدد عددا من المبادئ الأساسية التي يعمل بموجبها نظام أو عملية ” إدارة الأداء “, و كما يأتي:

* إنها تترجم الأهداف العامة للمنظمة، الإنجازات، أهداف على مستوى الأقسام, مجموعات العمل, و الأفراد العاملين

* إنها تساعد في توضيح الأهداف العامة للمنظمة

* إنها عبارة عن عملية مستمرة و متطورة و متصاعدة, يتم من خلالها تحسين الأداء بمرور الوقت

* إنها عملية مبنية على الاتفاق و التعاون – CONSENSUS & COOPERATION , و ليس على السيطرة و الإجبار و الإكراه – CONTROL OR COERCION

* إنها تساعد على خلق فهم مشترك لما هو مطلوب و لازم لغرض تحسين الأداء, و كيفية إنجاز و تحقيق ذلك

* إنها تشجع الإدارة الذاتية للأداء الفردي

* إنها تستدعي و تستوجب وجود نموذج إداري في المنظمة يتميز بالانفتاح و الصدق و الإخلاص, و بكونه يشجع عملية الاتصال المفتوح بالاتجاهين ما بين الرؤساء و المرؤوسين

* إنها تستوجب و تستدعى وجود تغذية عكسية – FEED BACK بشكل مستمر

* تساعد دورة التغذية العكسية, في الحصول على الخبرة و المعرفة الناتجة عن الوظيفة المنجزة من قبل الأفراد, في تعديل و مراجعة أهداف المنظمة

* إنها تقيس و تقيِِم كل أنواع الأداء مقابل الأهداف المشتركة المتفق عليها

* يجب أن تطبق على كافة العاملين, و ان لا تكون مهتمة أساسا بالربط ما بين الأداء والمكافآت أن العوائد الممنوحة

كما يمكن أن نحدد الاتجاهات أو الجوانب التي تحاول إدارة الأداء أن تركز عليها بشكل أساسي, و هي:

* ان إدارة الأداء تهتم بشكل أساسي بتحسين الأداء – PERFORMANCE IMPROVEMENT , و ذلك بهدف تحقيق الفاعلية على مستوى الأفراد, مجموعات العمل, و المنظمة ككل ، و كما بين ( LOWSON ) عام 1995, فأن على المنظمات أن تحصل على إنجاز ناجح للجوانب و المتطلبات الصحيحة المطلوبة فيها

* ان إدارة الأداء تهتم بتطوير العاملين – EMPLOYEE DEVELOPMENT ، فتحسين الأداء لا يمكن تحقيقه ما لم تكن هناك عمليات فعالة للتطوير المستمر في المنظمة

* إدارة الأداء تهتم بإشباع و تلبية حاجات و توقعات كل من له علاقة بالمنظمة المعنية, و هم, المالكين, الإدارة, العاملين, العملاء و الزبائن, المجهزين, و عامة الناس ، و بشكل خاص, فأن هذا المفهوم يتعامل مع العاملين باعتبارهم شركاء – PARTNERS في العمل و في الشركة, و تحترم مصالحهم, و ان تكون لهم كلمتهم في الأمور التي تخصهم أو ذات العلاقة بشؤونهم و مصالحهم, و ان يتم مراعاة وجهات نظرهم بجدية و احترام ، فعلى إدارة الأداء أن تأخذ بنظر الاعتبار و تحترم حاجات الأفراد و مجموعات العمل, بنفس مستوى مراعاتها لمصلحة المنظمة ككل, آخذة بنظر الاعتبار إنها ليست دائما متطابقة مع بعض أن بنفس الاتجاه

* تتحقق إدارة الأداء بالاتصالات المتبادلة و المشاركة الفاعلة والتفاعل ، حيث إنها تخلق جوا و ظروفا داخل المنظمة يشجع و يفرض الحوار و النقاش المستمر بين المدراء و أعضاء فرق العمل التابعة لهم, و ذلك بهدف تحديد التوقعات و التعرف عليها, و المشاركة في المعلومات المتاحة بخصوص غاية المنظمة – ORGANIZATION’S MISSION , قيمها – VALUES, و أهدافها – OBJECTIVES ، و هذا سيساعد في بناء فهم مشترك لما يجب أن يتم إنجازه و تحقيقه, و الإطار الذي يتم من خلاله تطوير و إدارة العاملين للتأكد من كون ذلك سيتم إنجازه و تحقيقه فعلا ، ان إدارة الأداء يمكن أن تساعد و تساهم في عملية تطوير مفهوم المنظمة ذات التفاعل و المشاركة العالية, من خلال تشجيع مجموعات العمل و الأفراد العاملين للمشاركة في تحديد أهدافهم و الوسائل و الطرق الناجحة لتحقيق هذه الأهداف

من خلال كل ما تقدم يبدو بوضوح أن نظام أو عملية إدارة الأداء تعتبر مفهوما متقدما و راقيا في عالم الإدارة الحديثة, و لكي تتمكن من النجاح في التطبيق لابد من توافر عدد من الظروف و المستلزمات الكفيلة بذلك, و هو ما يمكن تسميته بالاعتبارات الأخلاقية – ETHICAL CONSIDERATIONS اللازم مراعاتها, و كما يأتي:

* احترام الفرد – RESPECT OF THE INDIVIDUAL , حيث يجب أن يعامل الأفراد العاملين كنهايات وغايات – ENDS للعملية الإدارية بحد ذاتهم, و ليس كوسائل – MEANS يتم الوصول من خلالهم للإنجازات و تحقيق غايات معينة

* الاحترام المتبادل – MUTUAL RESPECT , حيث يجب على كافة الأطراف المشاركة و المتفاعلة في عملية إدارة الأداء أن تحترم حاجات و رغبات و اهتمامات بعضها البعض

* عدالة الإجراءات – PROCEDURAL FAIRNESS , حيث يجب أن تكون الإجراءات المتعلقة بإدارة الأداء على درجة من المساواة و العدالة في شمولها و تغطيتها للأفراد

* الشفافية – TRANSPARENCY , فالأشخاص المتأثرين بالقرارات الناتجة عن عملية إدارة الأداء يجب أن تكون لديهم الفرصة العادلة للتعرف على الأسس التي استندت أليها هذه القرارات

لا تعليقات

اترك رد