النفط ، تحليل للسوق – ج3


 

الدخول في عصر كوكل

مقدمــــة لابد منها .
في ج1و ج2 من هذه السلسلة من المقالات حللنا عوامل السوق، اي العرض و الطلب على النفط الخام كمصدر للطاقة، واعيد التاكيد على انه سلعة سترتيجية يكون الطلب عليه مشتق.

خلال الثمانون سنة من القرن الماضي تسيد النفط كمصدر اساسي للطاقه، في التجارة الدولية، شانه شان تسيد المواد الاولية الموقع القيادي في جداول التجارة الدولية، المسعرة بالدولار الامريكي تحديدا، ولا توقع في الافق المنظور بتراجع الدولار عن موقعه هذا. وكي نحقق فهما جيدا لما حدث وسيحدث للنفط مستقبلا نشط ذهنك معي وحاول الاجابة على السؤال التالي : انظر الى جهاز الهاتف الذكي بين يديك، وحاول تقيم كلف المواد الاولية الداخلة في انتاجه، عدا مادة الروديوم، والتي تعتبر اغلى المعادن اليوم، لا تحمل بقية المواد قيم او كلف ذات تاثير كبير على التكلفة الكلية لانتاج الهاتف الذكي . اذن من اين جاءت الكلفة العالية لتلك الاجهزة ؟ الجزء الاكبر من تلك الكلف متاتي من تكاليف البرمجيات، اي الانتاج الفكري للانسان . هذه السمة تبصم على جميع سلع العصر الرقمي او كما اسميته هنا عصر كوكل .

دعونا نعود الان الى ما حدث منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي صعودا .

ابرز الاحداث
الحرب العراقية الايرانيه، سقوط الاتحاد السوفياتي وجدار برلين، حرب تحرير الكويت، التغير الجوهري للصين الى اقتصاديات السوق، 2003 احتلال العراق ، ثم الربيع العربي في تونس مصر ليبا و اخيراً وليس اخراً الحرب الاهلية السورية لنصل الى المحطة الاخيرة الا وهي الحصار الامريكي على ايران. هذه السنوات لا يمكن اطلاق تسميتها بالاعتيادية او الساكنة بل على العكس تماما ، ورغم ذلك لم ترتفع اسعار النفط الا لسنتين فقط هما 2012 و 2014 , ولا يمكن اعزاء سبب الاتفاع لاسباب سياسية بتاتا .

النفط تلك السلعة المهانة
بعد ارتفاع اسعار النفط 1973/74 وتاميم الحقول النفطيه، اعادت شركات النفط العملاقة سترتيجيتها وذلك عبر زيادة استثماراتها في الحقول النفطية عالية الكلف، بحر الشمال مثالا، و الاستثمار في مجالات الطاقة البديلة وتحديدا المتجددة ( الريح، الشمسيه ) وكذلك الطاقة النووية . كما وحدث تغير جوهري في تصميم وبناء الوحدات المستهلكة للطاقة كالسيارات و المنازل مما ادرى الى تقليل استهلاك الطاقة للوحدة الواحدة . ومن جهة اخرى فقد سن قانون حماية البيئه لتقليل الانبعاث الحراي مما ادى الى ان الاستثمارات في مجالات الطاقة غير النفطية مربحا و واعدا ، كما وان الشركات النفطية

العملاقة دخلت في مجال الاستثمارت في مجال الطاقة عموما ولم تعد تحصر نفسها في النفط فقط.

ما جرت الاشارة له، هنا قبل قليل، لا نحصل على تاثير فيما يسمى قصيرة الامد ولا حتى متوسط المدى، بل ان تاثيره يشعر به بعد فترات زمنية طويلة تمتد ربما لاكثر من عشر سنوات .

اما المؤثرات السريعة ، فاحصرها بعاملين

الاول : لسعة الزيادة في الاسعار اهم من الزيادة نفسها.
للفترة الممتدة بين بداية السبعينيات ومنتصف ثمانينيات القرن الماضي بدات امول او واردات تصدير النفط تنهمر على البلدان المصدرة للنفط . لكن الواقع الاقتصادي-الاجتماعي لهذه البلدان لم يكن مؤهلا لاستقبال هذه الاموال، فلا نظم مصرفية متطوره ولا قطاعات انتاجيه واسعه ولا عمالة متطوره ولا برجوازيه صناعيه مؤهلة لاعادة توزيع هذه الاموال كي تخلق ثروة. الذي تم هو ان تلك الاموال رجعت الى السوق العالميه وبالاخص الراسمالية المتطورة، فاودعت في المصارف العملاقة القادرة على قبول ودائع باحجام هائلة استنادا الى حجوم رساميلها. تلك الايداعات خلقت وفرات مالية هائلة على شكل ودائع تنتظر من يتقدم لطلب يدها . فوجدت الشركات العاملة في مجالات الطاقة الفرصة للاقتراض من اجل الاستثمار في مجالات الطاقة عموما، فاستثمرت اموال هائلة في مجال تكنولوجيا الطاقة النوويه، وفي مجالات الطاقة المتجدده . وايضا في الابار النفطية عالية الكلف كما في بحر الشمال و النفط الصخري في كندا و الولايات المتحدة، وهنا بدات الزيادة في عدد

الدول المنتجة للنفط وكذلك عدد شركات النفط العاملة في مجال الطاقة عموما والنفط خصوصا .

الذي اردت قوله من اعلاه ان الزيادات المفاجئة لاسعار النفط تسبب ” لسعة ” لحظة انطلاقها ولكن في الامد المتوسط والبعيد تتكيف الاسواق العالمية مع الوضع الجديد

الثاني : المخزون النفطي الستراتيجي
خلقت الدول المتطورة اقتصاديا اتفاق فيما بينها ينص على الاحتفاض بمخزون نفطي ستراتيجي من اجل مواجهة اي طارئ في مجال النفط . هذا المخزون لعب دور الطلب على النفط في حاله انخفاض الاسعار من اجل الخزين، او الانتقال الى عرض النفط في حالة الارتفاع المفاجئ للنفط او انقطاعه لاسباب سياسية. لعب المخزون الستراتيجي دورا مؤثرا على اسعار النفط

تناقض المصالح بين اعضار الاوبك !.
قلنا وفي اكثر من مكان ان هناك تناقض في المصالح بين الدول الاعضاء في منظمة الاوبك. تناقض المصالح هذا نابع بالاساس من قضيتين اساسيتين، هما،

*حجم الاحتياطي النفطي الستراتيجي للدولة: لتبسيط هذا الموضوع لنقارن بين السعودية، الممتلكة لاضخم ستراتيجي في العالم ، وبين الاحتياطي النفطي الليبي الضعيف. من مصلحة السعودية اقتصاديا ان يستمر الطلب على النفط الخام كممول اساسي للطاقة في العالم

لعدد كبير جدا من السنوات، وهذا يعني اقتصاديا عدم ارتفاع الاسعار دون حد معين ( يضعه البعض بين 45-50 دولار) للبرميل الواحد، اسعار اعلى من ذلك ستؤدي الى استثمارات في الحقول النفطية عالية الكلف وهي بالاساس خارج منطقة الاوبك، روسيا و بحر الشمال مثالا و النفط الصخري. اما مصلحة الدول منخفضة الاحتياطي النفطي فانها تسعى للحصول على اعلى ايرادات وباقصر فترة زمنيه .

*اما الثاني فكامن في جودة النفط والتي تقاس بين 34-28 لو ما يسمى بالعربي الخفيف او نفط بحر الشمال و الثقيل الاماراتي . في العادة الاعلان عن سعر النفط يقصد به الخفيف، المتميز بانخفاض تكاليف استخراجه وتكراره و معالجته، ففي حالة ارتفاع سعر هذا النوع يصبح من المربح الاستثمار في النفوط الاقل جودة.

القضيتين كانت تتمحور فيهما الصراع بين اعضاء الاوبك مما افقد الاوبك السيطرة على عرض النفط في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي .

حربين في الخليج .
اندلعت اولى الحربين بين العراق وايران، الدولتين النفطيتين المهمتين في الاوبك، وخلال، تقريبا، النصف الاول من ثمانينيات القرن الماضي سميت تلك الحرب بحرب الناقلات

النفطية، حيث ان كلا الدولتين كانتا تسعيان لاستقدام القوى الكبرى الى تلك الحرب، فارتفعت اسعار النفط بشكل حاد ومتسارع، خلال تلك الفتره. الا ان حرب الناقلات تلاشت عندما بدات ناقلات النفط برفع اعلام دول اخرى ومن بينها علم الولايات المتحدة فاستقر عرض النفط وعادت الاسعار الى الانخفاض .

ما ان احتل العراق دولة الكويت، دولتين نفطيتين مهمتين ضمن الاوبك، حتى احست الاسواق العالمية بلسعة ارتفاع اسعار النفط لكن مرونة الطاقة الانتاجية السعودية، والمقدرة ان ذلك ب 12مليون برميل يوميا، عوضت النقص في النفط الكويتي والعراقي طوال تسعينيات القرن الماضي .

ماذا عن كوكل
في التسعينيات من القرن الماضي حسم الموقع الاول في التجارة الدولية لصالح الانتاج الفكري والذي يوضع ضمن الخدمات، فاصبحت الهيمنة على التجارة الدولية للدول الراسمالية المتطورة التي تنتج فيها السلع عالية التطور . ضمن هذا التغير الراديكالي استطاعت دول ان تحقق تطورا اقتصاديا مهما مثل كوريا الجنوبيه و اندونيسيا و الصين و الهند والبرازيل و التي اعتمد تطورهم هذا على الطلب على النفط الخام . وهذا ما سنتناوله في ج 4 .

لا تعليقات

اترك رد