تعددت الأشكال والتعليم واحد


 

إحصائية على عجالة وباختزال:
في الكوكب الشرقي يبدأ الكائن العربي بالدخول إلى ملكوت التعليم في سن السادسة من عمره ويقضي في هذا الملكوت تسعة عشر عاماً وربما أكثر وهذا على حسب التخصص الذي يختاره الكائن العربي، ولا يخرج من هذا الملكوت إلا وقد ناهز الخامسة والعشرون.

هذه مجرد إحصائية عامة دون أن أخوض في تفاصيل ذاك الملكوت، ولو أردت الخوض في وحل سلبياته حتماً أحتاج إلى أكثر من مقال وأكثر من بحث وتحليل، لكي أستطيع أن أُخرج أقدامي من طينه لكثرة ما في هذا الملكوت من سلبيات وتناقضات.

فلو تأملنا في الواقع العربي وخاصة في مجال التعليم فأننا سوف نجد النتيجة التالية:
لا يُنهي الكائن العربي مراحل التعليم إلى لحظة التخرج؛ إلا وقد استنفذ ثلثي طاقته وحماسه ومن ثم يبدأ بمواجهة واقع البطالة وقلة الفرص إلا من كان من عائلة ميسورة ولها جاه وسلطان وأيدي طائلة في قطاعات الدولة الحكومية والخاصة؛ وأما الشريحة العظمى من المتخرجين فيكون مصيرهم إما المقاهي أو العمل في مجالات بعيدة عن تخصصهم الدراسي فتذهب سنوات الدراسة والسهر والتعب والاجتهاد أدراج الريح وكأنك ” يا بو زيد ما عزيت”

تعودنا نحن معشر العرب أن ننتقد فقط ولا نكلف أنفسنا عناء البحث عن الحلول وقررت ألا اعتكف في محراب الانتقاد والشحب والتنديد وتعرية الأمة العربية إنما أود أن أقدم بعض الحلول أو لنقل بعض الاقتراحات.

على سبيل المثال:
بدء دخول الكائن العربي في سن الرابعة وذلك واختزال المرحلة الابتدائية من 6 سنوات إلى 4 سنوات تقسم على مرحلتين:

المرحلة الأولى:
مرحلة تأسيسية للكائن العربي الغر. يتم التركيز على اساسيات التعليم من كتابة وقراءة بشكل مكثف وجاد، والأهم من الكتابة والقراءة هو تهذيب عقل الكائن العربي وترسيخ القيم الإنسانية لديه منذ الصغر، تعليمه على ثقافة الاختلاف وتقبل الآخر المختلف عنه في الدين واللون والجنس والجنسية وترسيخ معنى التصاهر الإنساني فعلاً لا قولاً.

المرحلة الثانية:
معلومات متنوعة كعلم الأحياء والجغرافية والرياضيات وشرح أهمية هذه العلوم في حياة الإنسان ومعرفته لقيمة كل عنصر من هذه العناصر في الحياة.

تعليمه لغة أو أكثر من لغات العالم الآخر وذلك بغية معرفة ثقافة الآخرين وسهولة التحاور معهم، من خلال مناهج يعدّها المتخصصون في إعداد المناهج التعليمية الحديثة باختزال مفيد، بعيداً عن الرتابة والتكرار والأساليب العتيقة المملة والمستهلكة.

ومن ثم تأتي المرحلة المتوسطة والثانوية وكذلك تكون لمدة أربعة أعوام وتقسم على مرحلتين:

المرحلة الأولى:
تعليم الكائن العربي المركبات والرموز التي يقوم عليها الكون من فيزياء وكيمياء وهندسة وربط تلك المعلومات بحياته اليومية ومالها من دور في الاختراعات والعلاجات الطبية لا لمجرد حفظها ورميها على قارعة الطريق بعد الانتهاء من الامتحانات وهذا هو الشائع في كل البلاد العربية دون استثناء.

المرحلة الثانية:
الفلسفة بجميع أنواعها واختلافها ونظرياتها الجدلية والتركيز على علم النفس وإدخال مادة الذكاء العاطفي وعلاقته الوثيقة في السلوك الإنساني ومعرفة مشاعر الآخر والاضطرابات النفسية وردود الأفعال الشاذة من خلال هذا العلم المستبعد والمفقود في جميع المناهج العربية.

ومن ثم تأتي مرحلة الاختبار لتحديد التخصص المناسب للكائن العربي وفق مقدراته العقلية ورغباته وميوله دون أن يتدخل الأهل في هذا الاختيار.

وثمة اقتراحات:
* إعادة صاغية مادة التاريخ القديمة والتي تقوم على مبدأ خصخصة التاريخ ورواياته والتفاخر بتاريخ ملوكها وحكامها وتهميش تاريخ الدول الأخرى والتفاخر النرجسي لتاريخ الدولة من خلال الشعارات الرنانة والأفكار التي تصبها وزارة التعليم في عقل الكائن من بطولات وأمجاد لم تعد تتوافق مع واقعه؛ مما يجعله بانفصام ما بين ما تعلمه في كتب التاريخ المحشوة بالروايات والحكايات عن الأجداد وما بين الواقع التعيس الذي يعيشه.

* عدم فرض مادة الدين أو المذهب المتبع في مناهج التعليم، متجاهلين باقي الديانات والمذاهب والطوائف مما يولد نظرة متطرفة من بافي المذاهب والديانات الأخرى المستبعدة؛ ولهذا من الأفضل أن يترك أمر العبادة والعقيدة كحرية شخصية دون فرض أو إلزام. إن علاقة الكائن بخالقه ومعتقداته هي علاقة خاصة وذاتية وهو من يختارها ويقررها على أن يحترم هذا الكائن وإن كان ملحداً جميع الأديان والطوائف احتراماً مطلقاً وواعياً.

* دعم قطاع التعليم الحكومي وتزويدها بوسائل التعليم الحديثة والاعتناء بالبناء والمقاعد واحتياجات الطالب وهذا يأتي من خلال تخصيص ميزانية ضخمة للتعليم وهذه الميزانية تأتي من محاسبة أصحاب المناصب العالية من الوزراء وكبار الموظفين في الدولة. وتقليص عدد السائقين والخدم والحراس والبذخ والترف وتحويل هذه الأموال في ميزانية التعليم. مما يجعل المدارس الحكومية بمستوى المدارس الخاصة والتي توفر على المواطن المبالغ الطائلة التي ينفقها على أولاده في المدارس الخاصة.

* دعم المعلم العربي مادياً ومعنوياً واعطائه المكانة المرموقة التي تليق بصانع الأجيال وأن تصرف له الدولة مكافآت مالية وعلاوات لمحاربة ظاهرة الدروس الخاصة من خلال لجان المراقبة والتفتيش الدوري على المدارس ومحاسبة المتقاعسين في أداء مهامهم.

* تكثيف ساعات الدراسية في المدرسة على أن يتم حل الواجبات وانهاء جميع ما على الطالب لكيلا يعود إلى البيت ويبدأ في مدرسة ثانية ودروس خصوصية فلا يتسن لهذا الكائن الوقت ليستمتع فهو منذ الصباح الباكر إلى أن ينام وهو فقط يدرس ويحل الواجبات مما يرسخ في ذهن الطالب العربي كراهية المدرسة وتصبح كابوساً يعاني منه طيلة حياته.

أن يهدر الكائن العربي أكثر من 25 عاماً في الدراسة، ومن ثم لا يجد متسعاً من السنين والفرص لتأمين حياة كريمة وعادلة له تلك أعظم جريمة تُرتكب بحقه، لكن لو اختصرت وزارة التعليم سنوات الدراسة من خلال مناهج وأساليب مكثفة ومجدية حيث لا يتجاوز عمر الكائن العربي الثامنة عشر عاماً وهو سن الطاقة والحيوية ويكون قد أنهى جميع مراحل التعليم ونال على الشهادة والتخصص الذي يرغب به ليبدأ رحلته مع الحياة العملية ويبدأ في رسم لوحة حياته وهندسة المستقبل.

إن ظل التعليم العربي على حاله ولم يطّور من آلياته وايدولوجياته، لن يكون للكائن المغلوب على أمره، متسعاً من الوقت لبناء مستقبله وأغلب خريجي الجامعات يُعرضون عن الزواج ويقاطعون الحياة لعدم تمكنهم من تأمين أسباب الحياة؛ وإن تزوجوا لن يكون هناك تكافؤ ويعيش حياته في صراع وهذا ما يجعل من الزواج مؤسسة عربية فاشلة تؤول إما إلى الطلاق المبكر وإما إلى البرود العاطفي وفقدان الشهية للحب؛ لأن الكائن العربي منذ سن السادسة يبدأ صراعه مع التعليم ويظل في هذا الصراع لربع قرن وحين يصل لخط المضمار يصل منهكاً وفاقداً للرغبة؛ فقد استهلك كل طاقته وحماسه في سباق الدراسة الطويل. وهذا كله يعود لسوء التخطيط من قبل الجهات القائمة على التعليم، وبما إنها مبنية على أسس ومناهج جامدة مفروضة عليها من السلطة العليا بما يخدم أهداف وغايات السلطة العليا؛ ل هي لا تتغير ولا تتطور ولا يتجدد الدم في عروق التعليم.

المقال السابقالنفط ، تحليل للسوق – ج3
المقال التالىإدارة الأداء
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد