(خواطر رمضانية) : راحة البال

 

في باكورة شبابنا ، كنا نتعجب من كبار السن ، الذين لا يقيمون لأمور الدنيا وزنا ولا اهتماما يذكر ، ودائما هم مبتسمون ، هادئون ، راضون بحالهم وإن كان فقرا ، قانعون بما عندهم وإن كان قلةً ، ويتعاملون مع الوقت بأريحية . أما نحن – الشباب – فكنا نتقلب حماسة ، راغبين في امتلاك الدنيا ، ساخرين من هؤلاء القاعدين ، الذين لا يملكون كثيرا من الأمل في الحياة ، فيكفيهم – على حد قولهم – جلسة العصاري في الهواء المنعش، أسفل شجرة ، مع كوب من الشاي ، واستماع لحكايات البسطاء ، واجترار لذكريات الماضي ، ينظرون بحكمة وفهم لما يجري من حادثات.

*****

سألت يوما جدي عن مدى لذته ، مع أدائه لطقوس يومية لا تتغير ، تتمثل في غدوه للمسجد خمس مرات ، وحواراته المكررة مع نفس الشخوص ، ففهم مرادي على الفور ، وهو كبير السن غير المتعلم، وحك رأسه الأشيب ، وقال : يا بني ، راحة البال نعمة . وأردف : يكفيك في الدنيا أن تكون صافي النفس .

لم أعِ – وقتها – كثيرا المقولة ، ولم أفهم دلالتها ، ورددتها إلى عامل السن، فالإنسان في خريف حياته يندر طموحه ، وينحصر في سويعات الهناء والروقان النفسي ، ولكن الغريب أنني وجدت في جلسات جدي شبابا ومتوسطي أعمار ، وكلهم يسلكون نفس المسلك : ابتسامة راضية ، وجلسة هانية ، تبدأ غالبا بعد صلاة العصر، وتنتهي بصلاة العشاء ، أو بعدها ، عنوانها : السماحة والهدوء والضحكات الصافية .

وعندما كنت أحاول استكناه مضمون أحاديثهم ، يحضر ذكر الله بكثرة ، وتقل الدنيا ، ويكثر الحمد ، وتندر الشكوى ، ويتعاظم الاستغفار ، مع رقة الكلمات .

*****

دوما كنت أراه مهموما ، هذا الأديب الذي ملأ رأسه بالأفكار ، وغرق في عوالم الفلاسفة ، وانعكس بدوره على أدبه الروائي ، الذي خرج طافحا بشخصيات منطوقها فلسفي بما لا يتناسب مع تكوينها الثقافي ، ولكن هكذا أراد المؤلف ، بأن يجعل الفلسفة أدبا ، والأدب فلسفة . طبعا ليست المشكلة في ذلك ، وإنما في الهم الدائم

الذي يحمله على كاهله ، ويتجلى في عبوسه وتقطيبه وعصبيته ، والألفاظ الخارجة التي يتفوه بها لمن يعارضه ، حتى بات وحيدا في جلساته على المقهى.

حاورته مرات ، متحملا فظاظته ، علّني أصل إلى مكنون مشكلته ، فتوصلت إلى أن قراءاته انحصرت في الفلسفة المادية فحسب ، بكل نفعيتها ، ودنيويتها . وقد أوقن صاحبي الفيلسوف أنه يعاني من اكتئاب مزمن ، وهذا سبب مشكلته في علاقاته الاجتماعية ، وتراوح علاجه ما بين المهدئات ، وأكل الموز ، حتى أصيب بتخمة من أصابع الموز الصفراء ، وأضحى كارها لها ، وظل على اكتئابه ، فقلت له : إنك طبقت فلسفة المادة على نفسك ، وظننت أن العلاج جسدي فقط ، ونسيت روحك ، وتلك هي الطامة ، والطامة الثانية أنك تحسب حسابات الدنيا : المستقبل ، البحث عن الشهرة، تتبع أسباب المال ، جلسات النميمة والنفاق مع الكبار .

سألني عن العلاج ، فقلت له : التفت لروحك ، وللهدوء والسمو النفسي ، وهذا لن يتحقق إلا بالقربى من الله .. سخر مني بالطبع .

المشكلة أنه – بعد سنوات – لا يزال مكتئبا ، وتضاعف عبوسه ، وغامت عيناه، ولم ينل شهرة ولا مالا ، ولا حتى إبداعا .

*****

ما الفرق إذن بين أزمات الحياة ، والنفس المكتئبة ؟

سبب هذا السؤال أن الكثيرين يرجعون أسباب اكتئابهم إلى مشكلات الحياة وهمومها، والتي هي واقعة لا محالة ، ما بين ضائقة مالية ، ومرض ، وتعب، وفشل متكرر، وغير ذلك ، وكلها تصيب الجميع : المكتئب وذا البال المستريح ، ولكن شتان آثارها بين الاثنين ؛ فالمكتئب تزيده قرفا وضيقا وتبرما وتوترا ، ينعكس في سلوكياته العصبية أو المزيد من الانعزال والانطواء ، أما صاحب البال الهادئ فهو يتقبلها بصدر رحب، محتسبا صابرا ، موقنا أن أزمات الحياة تكسبه خبرة ، وصلابة في مواقفه ، وتمسكا بقيمه ، والأهم تزيده إيمانا بالله ، وصبرا على قدره ؛ وهو ما يجعلنا نتفهم حكمة كبار السن في بلادنا ، عندما كانوا يسلمون أمورهم لله ، ويرون أن كل إنسان له مكتوب، وهو القضاء والقدر ، الذي يعني ابتلاءات الحياة وتقلباتها، وهذا الفهم الإيجابي للقدر ، يُسهّل عودتهم إلى صفاء نفوسهم سريعا ، لأنهم يدركون مسببات الأزمات وأبعادها، وأن لكل واحد منا طريق مرسوم له، ومن فهم هذا ؛ سلمَ.

*****

علينا الانتباه إلى أن عبارة ” التسليم بالمكتوب ” لها فهم سلبي أيضا ، يتصل بالتدين الشعبي الشائع بين عموم الناس ، وينصرف إلى هؤلاء الكسالى المتراخين ، الذين يشتكون الفقر، و يرجعون مشكلاتهم إلى المقسوم لهم من أرزاق .

وهذا خطأ بيّن ، فحديثنا ينصب على راحة البال لكل إنسان حكيم مجتهد عامل في الحياة ، لا يعرف ركونا ، وإنما هو ساع وراض بما ساقه الله إليه من أقدار وأرزاق ، ومن هنا تتأتى سكينة النفس . وهذا الشخص دائم الاستعاذة من الهم والحزن ، والعجز والكسل ، والجبن والبخل ، ومن غلبة الدّين ، وقهر الرجال .

*****

وإليكم قصة حقيقة ، فهذا ” سعيد ” ، رجل في التاسعة والثلاثين ، وُلِد في أسرة قدمت من الصعيد الجواني مع الأب ، العامل البسيط ، وسكنت غرفة واحدة مع حمام مشترك ، في بيت بمنطقة عشوائية حول القاهرة . نشأ سعيد ، وهو يرى إخوته ينامون على الأرض ، وهناك ستار يفصل والديه عنهم، لم يهتم الطفل كثيرا بهذا الأمر ، فقد كان متفوقا في دراسته ، ويحلم بالجامعة وكلية الهندسة ، وعندما أتم الشهادة الإعدادية بتفوق ، وراح يسجل أوراقه في المرحلة الثانوية ، وجد أباه ينظر إليه بخجل ، وهو صامت . ثم ناداه أحد الجيران ، وأسرّ له أن أباه يرجوه أن يدخل إلى مدرسة عسكرية حرفية ، ليتخرج منها بعد سنوات قليلة ، ويساعد أسرته الفقيرة، فلا طاقة للأب على نفقة الثانوية والجامعة.

استسلم ” سعيد ” لقدره ، وهو يرى نظرات البراءة والرجاء في عيون إخوته الصغار، والتحق بالمدرسة المذكورة وتخصص في مجال ميكانيكا السيارات ، وكان يحصل منها – خلال سنوات دراسته – على راتب شهري ، يساعد بها أسرته ، حتى تخرج ، وتعين في ورش وزارة الدفاع ، بدبلوم مهني، وتولى الإنفاق على أسرته ، التي فجعت بوفاة الأب سريعا ، فاضطر ” سعيد ” إلى العمل في الفترة المسائية ميكانيكيا في ورشة تصليح سيارات ، عندما يعود من عمله الصباحي .

وها هو سعيد ، بعد عشرين عاما ، يتأمل حاله ، فقد نجح في نقل أسرته إلى شقة واسعة ، وزوّج إخوته البنات كلهن وسترهن ، وأنفق على أخيه الثاني حتى أتم تعليمه الجامعي في كلية الهندسة ، ثم استلم الأخ وظيفة مهندس في إحدى الشركات، وخطب فتاة كان يحبها ، وبسبب صعوبة المساكن ، فقد طلب الأخ المهندس من أخيه الأكبر وأمه أن يسكن معهما مؤقتا في الشقة ، حتى يستلم شقته الجديدة في إحدى البنايات تحت

الإنشاء ، فوافقت الأسرة على ذلك ، وانحشر “سعيد ” وأمه في غرفة واحدة، وتركا الشقة للأخ العريس وزوجته الشابة وأثاثهما الجديد الفخم ، وسرعان ما دبت المشاكل ، ففضلت الأم مع ابنها سعيد ترك الشقة ، والعودة إلى الغرفة ، حيث سكنهما القديم ، وهما غاضبان من سلبية الأخ وأنانيته .

ذات يوم ، تطلعت الأم لابنها سعيد وداعبت شعره الذي ملأه البياض ، وتقول له: أدعو الله أن يثيبك خيرا ، وتسارع في الزواج ، وأرى أبناءك يلعبون في حجري.

يبتسم سعيد ويقبل يد أمه ويقول بثقة : وأنا راض بقسمة الله لي .

يقول سعيد : وأنا واقف ذات يوم في ورشة السيارات ، جاءني أخي الأصغر المهندس ، والذي غاب عنا شهورا طويلة ، ووقف أمامي وقال لي : يا سعيد ، رزقني الله اليوم بمولود ولد ، وقد سمّيته على اسمك . ثم انصرف .

ناداه سعيد ، وحضنه ، وأعطاه حلاوة المولود نقودا ، وطلب منه أن يبشر أمه ، التي ستفرح به كثيرا .

يقول سعيد : وها أنا الآن ، تزوجت وأنجبت أولادا كثرا ، وقمت بتسوية معاشي ، وافتتحت ورشة ميكانيكا كبيرة ، ووسّع الله كثيرا في رزقي ، حتى أصبحت ثريا.

*****

تنازل سعيد عن أحلامه ، وشقى وكد وتعب من أجل إخوته ، لأنه مثلنا جميعا، لا نملك القدر ، فلا نختار أسرنا ، ولا نتحكم كثيرا في مسارات حياتنا ولا نستطيع تنفيذ كل ما نتمناه ، ولكننا الذي نملكه إيمانا بالله ، وأملا في عدله ، ما دمنا متمسكين بالقيم، سائرين على درب الخير ، لا نِظْلِم ، ولا نُظلَم .

*****

يقول الله تعالى : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ }

( سورة محمد ، الآيتان 5 ، 6 )

جاءت هاتان الآيتان في نعت الفئة المؤمنة ، الحريصة على فعل الصالحات، وتبشرها بمغفرة ، والفوز بجنات الخلد ، ويقول المفسرون : إن راحة البال تعني سكينة وراحة وصفاء ، وصلاح الحال في الدنيا والآخرة .

لا تعليقات

اترك رد