ثقافة التناظر .. الغائبة و المغيبة


 

شيوع ثقافة التناظر في مجتمع ما هو علامة من علامات التحول من البادية أو القرية إلى المدينة حيث يتجرد المتناظر أو فريق المناظرة عن سلاحه الناري و عن عشيرته على باب قاعة المناظرة ليدخلها عارياً إلا من حججه و طريقته بإقناع الآخرين بما يؤمن به ، سلاحه بلاغته و حججه و عشيرته زملاؤه في الفريق عندما تكون المناظرة فرقية أو الجمهور الذي يصوت له . و خارج حدودنا ، في العالم الخارجي حيث تنمو و تتطور حياة أخرى غير التي نعرفها أصبح للمناظرة فرق و نواد تقام فيها جلسات المناظرة في جوانب حياتية عديدة ، سياسية و اجتماعية و دينية و علمية ، ترعى بعضها المؤسسات التعليمية فتنشأ في الجامعات و في الثانويات و حتى في مستويات أدنى بشكل مبسط مناظرات تهدف لتحرير النشء الجديد من عبودية الأفكار و تدفعهم لتكوين رأي حول كل ما يدور حولهم من خلال تدريبهم على مناقشة موضوع محدد في مناظرة ، و لا يكتفون بذلك بل يتبنوه و يتعلمون كيفية الدفاع عنه بتقديم الحجج ، و إلا فتكوين رأي معارض في القضية المطروحة و الدفاع عنه و تفنيد حجج الخصم الذي تبناه بطريقة حضارية و علمية .

المناظرة فن يعتمد البلاغة في طرح رأي حول قضية ما في مواجهة رأي آخر في الموضوع ذاته و الدفاع عن هذا الرأي باستخدام الحجج المنطقية ، أو اعتماد هذه البلاغة في تفنيد حجج الطرف المقابل بنفس الوقت المتاح ، و بعد أن يناقش الموضوع في جلسة عامة يحضرها جمهور معني بموضوعها أو على شاشة التلفزيون ، يترك الأمر لتصويت الجمهور أو للجنة تحكيمية متخصصة لحسم النتيجة لأحد الطرفين و تخضع المناظرة لقوانين و ضوابط ثابتة كتحديد وقت المتكلم و الإلتزام بموضوع المناظرة و غيرها و على رئيس المحكمين أو مدير المناظرة مراعاة هذه الضوابط و فرض الالتزام بها . تطرح في بداية الجلسة القضية المتفق سلفاً على مناقشتها بين شخصيتين أو بين فريقين يتبناها أحدهما و يعارضها الآخر و سيكون على الفريق الأول إقناع الجمهور بوجهة نظره فيما يحاول الفريق الآخر تفنيد حج الفريق الأول ، و القضايا المطروحة للمناظرة هي من القضايا المختلف عليها و التي يكون حسمها لصالح إحدى الجهتين مهماً و مؤثراً في اتجاهات الرأي العام فيما تكون مناظرات التلاميذ ذات طابع تعليمي على الاغلب من أجل بناء ملكة المحاججة لديهم و تقييم الذات و تدريبهم على بناء المواقف و تجهيز خطاب الرد بثقة عالية بالنفس و تكسبهم خبرة و اطلاعاً خارج نطاق المناهج المقررة و قدرة على بناء و تنظيم الأفكار وتعزز مهارات التفكير النقدي ومهارات التحليل و البحث العلمي وتقديم الحجج البناءة واستخدام المنطق والأدلة في أجواء عمل جماعية ليتمكنوا في المستقبل من تكوين وجهات نظر صائبة مما يدور حولهم عندما يخرجوا الى سوق العمل ، و على المستوى الشخصي تساعدهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على تمييز الخيارات الصحيحة .

بعيداً عن التدريب يستخدم السياسيون و المتخصصون بعلم الإجتماع و سواهم المناظرات فيما بينهم لإثبات وجهات نظرهم من القضايا الخلافية لضم جمهور أكبر من المؤيدين . و بما أننا شعب لا شاغل يشغله غير السياسة و لا هم له إلا الإنتخابات و ما حولها فلماذا تغيب عنا هذه الفعاليات التي تتيح للأحزاب السياسية شرح تصوراتها من مجمل القضايا الخلافية و تصوراتها للحلول ، و حتى رجال الدين ، بما أنه يشغل اهتمام الناس للدرجة التي ينتخبون بها أحزاباً دينية ، لماذا تغيب عنهم هذه الممارسة الديموقراطية ، بما أننا نصدق أننا بلد ديموقراطي ؟ لماذا لم تبرز هذه الطريقة المثلى لإثبات وجهة نظر المرشحين في الحملات الانتخابية الأخيرة ؟ لم لم تفكر قناة تلفزيونية واحدة بتنظيم جلسة مناظرة أصولية بين مرشحين اثنين ، و لم تتحول الندوات السياسية التلفزيونية إلى صراخ و مهاترات تنتهي بمعارك الأحذية ؟ لماذا حاول المرشحون إثبات فشل و فساد خصومهم مستخدمين كل ما يقع تحت أيديهم من وسائل بعضها يتنافى مع الأخلاق العامة مسخرين جيوشاً ألكترونية لهذا الغرض بدل أن يستخدموا هذه الطاقات لإثبات نجاحهم و نزاهتهم ؟

لماذا تبرز المهاترات و تغيب المهارات

الأسباب كثيرة . المناظرة تحتاج أن يكون للحزب السياسي برنامج عمل مكتوب و مطبوع و منشور على الملأ و أن يكون السياسي قادراً على الدفاع عنه و مستعداً للإستقالة من الحزب إذا فشل في تنفيذ برنامجه .

المناظرة تحتاج من السياسي أن يكون مبنياً بناء نفسياً و علمياً و أخلاقياً يعصمه من اللجوء إلى الشتيمة و ما شابه ، على الأقل لأنها تسيء له و لحزبه قبل غيره فيخسر نقاطاً لصالح خصمه .

أن يكون نزيهاً فينزع من يد خصمه و جمهوره سلاحاً قد يستخدمه ضده .

أن يكون قد سمع بالمناظرة على الأقل أو قرأ عنها إن لم نقل مارسها يوماً في الجامعة أو كان من ضمن جمهور حضر مناظرة ، لأننا نعرف أن المناظرات ليست ضمن تقاليد الجامعات العراقية ، هذا طبعاً إذا كان لديه تحصيل جامعي !

المناظرة ثقافة غابت عن مجتمعنا لأننا لم نعود أبناءنا عليها في الجامعات و الثانويات اللهم الا في نطاق ضيق جداً ، و مغيبة لأنها وسيلة تشجع الجمهور على الإستنتاج الذي قد يقود الى الخروج بقناعات لا تلائم القالب الذي يريد أن يضعنا فيه النظام ، و هذا خط أحمر من خطوطه ، خط محمي بقوة السلاح .

المقال السابقكيف تعامل الصدر مع خصومه وما هي الحكومة التي يريد
المقال التالىالبياضُ
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد