اليمن بين رمضانين


 

مشهدية استثنائية وروحانية تغسل الروح وتمنح الجسد المأهول بفداحات الزمن، انطلاقة تتجدد. طيف ملائكي يمشي على الأرض في فترة زمنية مقدارها 30 يوما، أو أقل. رمضان حكاية جميلة وأمسيات أجمل، انه وطن للتائهين.

ارتبط رمضان بذكريات الطفولة، وهي ذكريات جميلة لا تنسى، ما تزال عالقة في ذاكرة فتىً صغير، كلما كبر، انجذب إلى الطفل الذي بداخله. ما الذي سيكون أجمل من بيت قروي في أقاصي منطقة ريفية خلف الجبال، عند أودية الدهشة، ومتراميات الوادي المشمس؟؛ لولا ظلال استثنائية تحت شجرة هنا، أو على متكأ هناك.

كنا نفرح برمضان وننتظره، منذ أمدٍ بعيد. كان رائعاً مضيئاً، وكانت الشوربة والشفوت (وجبة شعبية يعرفها كل بيت يمني) من يد أمي (لها العمر الطويل والعافية)، ألذ من ولائم الملوك.

بين رمضان الأمس ورمضان اليوم.. الكثير من الذكريات والكثير من التصدعات حين يتعلق الأمر برمضان، في صيغته اليمنية. فعلى الصعيد الشخصي، لربما نتحدث عن كائن مغمور بالانبهار أمام كل شيء، كائن يذهب إلى الغد متحرراً من محمولات وجع الأمس. كائن كلما انجرفت البلاد إلى التشظي، انجرف إلى مستقبليات تجترحها أنامل عنيدة؛ تنكسر في برهةٍ خاطفة، ثم تندلع في مجراتها البعيدة، خلف هذا الدرب الكوني اللانهائي.
أما على صعيد الحياة العامة لليمنيين، فيمكن القول انه على الرغم من تجاعيد اللحظة، ومتوالية الحرب التي تحصد الرؤوس في جبهات ساخنة في أكثر من خاصرة يمنية، ان رمضان هذه المرة، يمضي إلى التطلع مجدداً، بعيداً عن يوميات بائسة، هي ذاتها يوميات ثلاث سنوات ونيف من الحرب والظلام والمجاعة وانقطاع رواتب الموظفين منذ عامين، وانعدام الأمل بأن تضع الحرب أوزارها، عما قريب.

وبعيداً عن ذلك، قريباً من تلافيف الدهشة، في أعماق الروح: حين يطل علينا رمضان، يتداعى قمرٔ إلى الروح فيزهر في أعماقها ورد الحياة النقية، على الرغم من هول العذابات، العذابات التي أخطأت مداراتها واتجهت إلينا. على ان رمضان الأمس، ورمضان اليوم، ورمضان الغد، ورمضان مابعد الفيوض الدافقة بقيم المحبة وانسرابة المصبّات الزاهدة عن الصغائر وعن الكبائر، هو أن نكون قريبين من بعضنا، نتلمس هموم المكلومين خلف الجدران، نبعث الحياة على محيا الذين “لا يسألون الناس إلحافا”، ذلك لكي تُنتشل روحٌ ديدنها السلام، من مزالق الانهيار، ولكي تتجلى النسائم حين السَّحَر، في مُنسكبٍ تجيء به الجبال العليا للذات، بلا انحسار.

في دردشة مع زميل وصديق قديم، سألني عن رمضان بين الأمس واليوم، لكنه فتح باباً على مصراعيه، للكتابة، ولمقاربة مشهدية عصفت بها الأحداث، ونال منها الليل الداهم المريب!

عن رمضان الحرب، وعن رمضان السلم: أنا واحد من ملايين اليمنيين، أنهكت الحرب أرواحهم، وتشظت كلمتهم، لكنني ابن السلم، كفرت بالحرب، وأتطلع لسلامٍ دائم، في كل الأنحاء. غير انني أسأل الله أن أكون في رمضان القادم، مع أسرتي وأحبتي، تحت سقف هذا البيت المؤجر لنا، في مدينة (تلهمني كثيراً) جميلة واستثنائية، بعيداً عن تراكمات ايجار منزل غير مدفوع، منذ عامٍ ونيف، قريباً من حالة تصالح مع الذات ومع الله ومع الناس، ومع المؤجر، ومع البقال ومع بائع الخضروات، ومع موفري كروت شبكات الواي فاي، وحاملي “وايتات” الماء غير المجانية، ومع المستقبل الذي تغتاله الحرب، لكنه يعاند، ويعد بالجميل.

عملياً، أنا صائم منذ آلاف السنين (كتبت إلى صديقي). وأضفت: ” لكن القصيدة لو صمت عنها، لخاصمتني المواويل. نحن في عناق حتى آخر شهقةٍ لمجنون يسكنني؛ يردد في عوالمه ما لا يُعدّ من القصائد والعناوين والعبارات، كل لحظة، وأرى فيه الشاهد الأخير على قيامة الانسان على هذا الكوكب”.

بهدوء/ -كما يفعل الملائكة-/ يسحب معطفه السماوي/ عن مفاصل البرحات/ المجبولة على الركض/ -حيناً من الدهر-/ ثم ينبثق التماعةً/ إلى هاويةٍ/ قُبالة هذا المرئي.

يهِلُّ –من جديدٍ-/ سحابة ضوئية/ ما إن تكمل اندلاعتها/ ترسو –يقيناً- / خلف متماهيات المساء الضيف.

يا سيد الشهور:/ يلوحون إليه/ -منذ الآكام العِلّية-/وهو, قطعاً/ “سفير النوايا البيضاء”/إلى من سبقتهم الزلّات/ في الوادي البهيم.

يحب الخير ولا يتقن سواه/ “رحّالةٌ” طيب, إذاً/اسألوهم:/ لماذا وأين ولِمَ صُفِّدوا؟

وادٍ في السماء/المدِيّات النسائمية/ الصافية جداً/ جغرافيا لانهائية/ من “نخيلٍ وسَحَر”/ وارتقاءٍ ناصع..

سأوقع “بروتوكولاً” معه/ لأغسل/ –بالماء والثلج والبرد-/ ما –كنت- اقترفته/ طوال أحد عشر شهراً.

……………………..
كيف لهذا الالتماع النوراني/ لا تطاله إحداثيات “جوجل إيرث”؟!

المقال السابقالمعارضة السياسية الحقيقية .. هل ترى النور في العراق ؟
المقال التالىقصه الحمار المقدس
صدام الزيدي شاعر وإعلامي يمني، عضو نقابة الصحفيين اليمنيين، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عضو هيئة تحرير مجلة نصوص من خارج اللغة الصادرة من العاصمة المغربية الرباط، محرر بموقع فضاءات الدهشة الأدبي العربي.. فائز بجائزة رئيس الجمهورية في الشعر بمحافظة المحويت، صدر له في 2010 "صوب نخّالة المطر"، ....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

اترك رد