هل كانت الدولة البابلية علمانية ؟…


 

ربما علينا أن نقدم السؤال بصيغة أخرى هي: هل كان البابليون يحتكمون إلى القانون أم الشرع في معالجة تفاصيل حياتهم اليومية؟.. ونحن نعرف أن القانون هو وسيلة لضبط العلاقات بين الناس في المجتمع، ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، أما الشرع فإنه يقدم التعاليم الدينية مفترضة الطاعة والتي يمتزج فيها ما يحقق علاقة بشكل ما مع الآله ورجل الدين أو العلاقات بين الناس انطلاقا من تابعيتهم المطلقة للإله.. وقد أدرك الإنسان منذ بدايات تشكل المجتمعات أهمية ايجاد الموازنات الدقيقة بين الحقوق والواجبات، لذا تقدم لنا الأساطير المكتوبة القديمة افتراضات مختلفة لأشكال هذه العلاقات حتى في الفترات التي سبقت التقنين، صمدت مسلة حمورابي ليعثر عليها الاثاريون فيعرفوا شكلا ناضجا للقانون يعود إلى القرن 18 ق.م.. وتوضح لنا المصادر التاريخية أن الكثير من الفقرات التي جاء بها حمورابي مستلة من قوانين أورنمو التي ظهرت في القرن 21 ق.م.. وفي كل الأحوال لم تولد مثل هذه القوانين من فراغ بل تشكلت عبر وعي اجتماعي وقانوني وشرائعي نضج تدريجياً عبر أجيال حتى تمت صياغته بالشكل الذي قرأناه في مسلة حمورابي.. فقد أدرك الإنسان أنه بحاجة إلى القانون، ومن البديهي أن الحاجة هي أم الاختراع، فتشكل القرى الأولى قبل أكثر من عشرة آلاف سنة أدى إلى تحجيم السلوكيات المشاعية المنفلتة، فحين امتلك انسان القرية الأولى بيته الخاص، ومزرعته الخاصة، وحيواناته المدجنة، شاركته المسكن امرأته الخاصة ثم أبنائه وهكذا تشكلت العائلة والعلاقات الناتجة عنها بين الأب والأم والأبناء وبالتالي الأقارب والجيران… الخ.. حاجة الإنسان إلى الأمان الروحي دفعته إلى ابتكار الفكرة الدينية التي صارت بالتالي غطاء معقولا لاضفاء سطوة بعض التشريعات المستمدة منها بافتراض انها مقرة من قبل الآلهة.. وهكذا امتزجت القيم الاجتماعية المتدرجة في تطورها مع القيم المغلفة بالقداسة، إلا إنها بالنتيجة حاولت أن تحدد شكلا منطقيا للعلاقات… ورغم أن الكثير من التقاربات بين القانون والشرائع تحاول أن تحدث شيئا من التماهي بينهما إلا إنها في الواقع مختلفة، فبلورة الحقوق والواجبات ضمن بنود متفق عليها بين الناس حتى إن لم تكن مكتوبة، ويتم تنفيذها بموافقة الجميع من قبل سلطة ما، تُعّد قانونا سنرى فيما بعد أن أورنمو وحمورابي وغيرهما من قادة العالم القديم قاموا بصياغتها على شكل قانون مكتوب بعد أن أصبحت المدينة أكثر تعقيدا من الشكل المجتمعي القروي الأول… الحاجة إذن دفعت إلى وضع القوانين، وهي ذاتها التي دفعت قبلذاك إلى وضع الأديان القديمة التي سرعان ما تطورت أطرها النظرية ليقدم كهنتها تصورات قبلها الناس وتفاعلوا معها، ونقرأ في الأساطير التي تطورت تدريجيا عبر مؤلفيها من الكهنة بمشاركة مستقبليها المتفاعلين معها، عامة الناس، لنرى عبرها آلهة تخوض صراعاتها مع آلهة أخرى، لتخلق من هذا الصراع الأكوان والكواكب والأرض وما عليها من كائنات، لقد وافق الإنسان القديم على خوضه هذه اللعبة التي منحته تفسيرات كان بحاجة ماسة إليها، إلا إنه وقع في فخ التقديس لهذه الآلهة عبر الكهنة الذين أحسنوا إدارة

الرؤى الدينية سواء كانت قصصاً أو ما أصبح بالتالي تشريعات ربما كانت سبباً مباشرا لاستقبال الناس لفكرة الملك ـ ممثل الإله على الأرض… وارتبط الدين بالسلطة بروابط متينة.. وبالتالي تَشَارك الحاكم ورجل الدين في تقديم الشكل القانوني المحرك للعلاقات بين الطبقات المحكومة وقد امتزج فيها القانون بالشريعة… واتخذت الممارسة الدينية شكلا قانونياً في الوقت الذي حدد المفهوم الديني مبدأ الثواب والعقاب في الخلافات الحاصلة بين الناس.. ولنعد إلى الدولة البابلية لنحاول أن نستنتج من خلال قوانين حمواربي إلى أي مدى ارتبطت فيها السلطة بالدين أو انها تحررت من سطوته؟….

اعتمدت قوانين حمورابي على تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تنفيذ القصاص بالمخطئ مستنتجة شكلا واضحا وبسيطا من أشكال العدالة، ذلك هو العين بالعين.. فإذا كسر رجل يد رجل آخر فللمكسور حق كسر يد الكاسر.. وهكذا.. إلا إن القوانين ذاتها لم تغفل التراتبية الاجتماعية، فأذا كسر رجل من الطبقة العليا أسنان رجل من طبقة أدنى لن تكون العقوبة بالضرورة مشابهة للجرم، بل اكتفي بالغرامة، وحتى في حالات القتل فنرى أن قتل رجل من طبقة لآخر من طبقته قد يتسبب في الحكم بموت القاتل إلا إن العقاب سيكون غرامة إن كان القتيل من طبقة أدنى، وقد ابتعدت الاحكام كثيرا عن الشكل المفترض للشريعة الدينية حين قررت عقوبات ذات مقاييس بشرية قاصرة أحيانا، فلو قتل رجل امرأة حرة، فالعقوبة في هذه الحالة لن تكون بقتله بل بقتل ابنته كعقوبة له.. ولأن القانون ذكوري فنرى أن الرجل الذي يخون زوجته مع خادمة أو أمة لن يتعرض للعقاب، إلا إن المرأة ان قامت بالفعل ذاته فسيتم تقييدها ورميها في النهر مع عاشقها.. اضافة إلى قوانين أخرى شاعت لفترة طويلة وفرضت شكل الحقوق والواجبات بين البابليين، إلا إنها في النهاية تعرضت إلى عصف شرائع وقوانين أخرى وضعت أطرا أكثر تطورا في صياغة العلاقات بين الناس، وهذا من شأنه أن يشير إلى أن القوانين أو الشرائع على حد سواء ليست جامدة بل مرنة متفاعلة بشكل ايجابي مع المتغيرات الاجتماعية، وربما نرى هذا واضحا في صياغات شرائع الديانات الإبراهيمية الكبرى فقد أخذت اليهودية كثيرا مما كان سائدا لدى البابليين وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة… وصولا إلى الإسلام الذي تميز بشرائع أكثر تطورا ونضجا إلا إن رجال الدين أوقعوها في فخ الجمود بافتراضهم ثباتها وإلزامها لكل زمان ومكان في مخالفة صريحة لمنطق الحياة والعقل، فأية مقارنة لما يعيشه إنسان اليوم سنراه مختلفا بشكل كبير عما عاشه انسان ما قبل 1400 سنة على البقعة نفسها… فما كان صالحا لذلك الإنسان لا يعد بالضرورة صالحا لإنسان اليوم.. فمثلما يتطور الإنسان بوعيه ومفاهيمه، لابد للقانون والشرائع على حد سواء أن تتطور بما يوازي المتغيرات الحاصلة..

ما ندعيه إذن هو أن الدولة البابلية مدنية لأنها استمدت قوانينها معتمدة على الواقع الاجتماعي بعيدا عن الافتراضات والتشريعات الدينية التي كانت تسير في مسارات موازية

لإدارة الدولة.. ولم يكن الحاكم البابلي كمثيله المصري القديم، ظلا للإله على الأرض، أو تجسيدا له أو لعله بصورة ما إله حاكم، بل كان رجلا حاكما يحظى برعاية الآلهة وحفظها.. وهذا ما منحه حرية أكبر في صياغة قوانينه، فالدين لديه قاعدة واحدة لفرض شرائعه تلك هي القداسة التي تفترض الطاعة المطلقة… بينما اعتمد الحاكم البابلي القديم اربعة عناصر استطاع عبرها فرض القوانين المستمدة أصلا كما أسلفنا من وقائع الحراك الإجتماعي والاستلهامات الحضارية المتوارثة أو المتماحكة مع الحضارات المجاورة.. احتاج الحاكم إلى القوة في فرض قوانينه وقد امتلك هذه القوة من خلال جيوش مدربة تمكنت من تحقيق الأمن في الداخل والأمان خارج حدود الدولة.. كما احتاج إلى التفاعل الايجابي مع العرف الاجتماعي وتم له ذلك من خلال فرض بنى اجتماعية طبقية تميز فيها الخاصة والعامة والعبيد الذين كانوا على الأغلب من المستعبدين بسبب الحروب أو من البابليين الذين لم يتمكنوا من تسديد ما بذمتهم من ديون لدائنيهم فأصبحوا بفعل ذلك عبيدا لهم شرط أن لا تزيد مدة الاستعباد عن ثلاثة سنوات ولا يتعرضوا للبيع إلى مالك آخر.. ولعل هذا التعامل القانوني الذي يفرق بين المستعبدين كان مصدرا من مصادر التشريع في التوراة التي تفرق بين العبد اليهودي والعبد الأممي، أي من الأمم الأخرى..

إن ما يدعونا إلى افتراض علمانية الدولة البابلية هو موقفها الواضح من الأديان السائدة آنذاك، وعلاقتها المتوازنة بالآلهة المعروفين.. فقد وقفت السلطة بحياد وعلى مسافة واحدة من جميع الأديان والآلهة.. فقد رأينا حمورابي في مقدمة شريعته يمجد إله بابل مردوخ وفي الوقت نفسه يمجد جميع الآلهة الأخرى.. أو بمعنى آخر، تم فصل السلطة الدينية عن المدنية بوضوح.. فكان لرجال الدين ومن يتبعهم حرية القيام بشعائرهم ومعتقداتهم دون المساس بالأديان الأخرى، أو فرض ما يرون على السلطة، في الوقت الذي كانت السلطة تنفذ قوانينها على الجميع بالتساوي اعتمادا على البنود التي تم وضعها واقرارها.. ولو تفحصنا ما تزخر به المتاحف العالمية من اللقى الآثارية البابلية التي تعود إلى فترة حمورابي فلن نجده في أي منها يضع ما يشير إلى ألوهيته أو تمثيله إلها بعينه.. مثلما نجد ذلك شائعا في آثار الملوك المصريين الذين عاشوا في الفترة نفسها… والذين نزعم أنهم أداروا نظام حكم ثيوقراطي امتزج فيه الدين بنظام الحكم.. ولعل الميزة الأكثر أهمية في إدارة الدولة البابلية ممثلة بقانون حمورابي إنه لم يدع مصدرية إلهية… فكان قانونا مدنيا وضعيا مرنا أدى دوره الفاعل في تحقيق التوازن الإجتماعي وايضاح الحقوق والواجبات على كافة البابليين.. دون أن يتعرض إلى أي إله أو دين حريصا على أن يدع للأديان فرصة التدخل في القوانين التي تفرضها الدولة…

لا تعليقات

اترك رد