هل ينتقل العراق من المحاصصة الطائفية إلى المحاصصة السياسية الحزبية؟

 

الصدر يطالب بدعم دولي لخروج العراق من نفق الطائفية والمحاصصة المقيتة ومنع التدخل في ملف الانتخابات حكوميا وإقليميا من أجل أن يأخذ العراق وضعه الطبيعي، ما جعل واشنطن تتواصل مع تياره عبر وسطاء بعد سلسلة من المواقف الحادة التي اتخذها تياره ضد أميركا، وتحول مقر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر راعي تحالف سائرون الذي تصدر الانتخابات العراقية إلى خلية نحل بسبب كثرة الوفود السياسية التي تبحث معه تشكيل الكتلة النيابية الأكبر.

لن تقدم الولايات المتحدة دعمها للصدر إلا بعدما تتأكد من أن الصدر لن يعيد جيش المهدي إلى الوجود ويهاجم القوات الأميركية في العراق، أتى تعليق التيار بأنه لن يعود إلى المربع الأول، ما جعل الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيدز نويرت في مؤتمر صحافي إن بلادها ستعمل مع من يختاره الشعب العراقي وينتخبه، ردا على سؤال عما إذا كان الصدر سيعتبر شريكا مناسبا في العراق.

منذ ثلاث سنوات جعل الفساد يتظاهر أنصار الصدر جنبا إلى جنب مع الشيوعيين أعدائهم السابقين ضد طبقة سياسية فاسدة وغير قابلة للإصلاح منذ 15 عاما، في بلد يحتل المرتبة ال12 على لائحة البلدان الأكثر فسادا في العالم.

برز اسم الصدر اعتبارا من عام 2003 بعدما أسس وحدات مسلحة تضم عشرات الآلاف من الشبان الشيعة تحت اسم جيش المهدي، وسرعان ما خاضت هذه القوات معارك ضارية ضد القوات الأميركية في النجف في أغسطس 2004 أدت إلى مقتل ما لا يقل عن ألف من أنصاره اعتبرته وزارة الدفاع الأميركية عام 2006 من أكبر التهديدات التي تعوق استقرار العراق، مما أجبره على التواري أواخر عام 2006 أمضى أكثر من أربعة أعوام في مدينة قم الإيرانية، لكن في المقابل خاض جيش المهدي معارك ضارية مع القوات الأميركية والقوات العراقية عام 2008 في البصرة وفي مدينة الصدر قبل أن يأمر مقتدى الصدر حل هذه المليشيات في أغسطس 2008 ويتخلى عن تأكيده معاداة الاحتلال الأميركي.

إن للصدر مقبولية وقواعد شعبية واسعة، ومن يمتلك الشارع يشكل مصدر قلق لكثير من الأطراف، والجميع يتابع لقاءات الصدر في مقره في بغداد وليس في مقر رئيس الوزراء، وعند التقاء الصدر بالعبادي فقد تم التأكيد على الثوابت المعروفة لكليهما

برغم أن الصدر الذي كان يصر على تشكيل حكومة تكنوقراط بدأ يستبدلها بمصطلح جديد هو الحكومة الأبوية، والذي لم يعد يدخل في سوق التداول السياسي في العراق بدلا من نظام مبني على حقوق المواطنين ومسؤولياتهم، ويعتبره البعض أنه لا يعير أهمية كبيرة للشرعية الديمقراطية فيما يخص دوره السياسي، طالما يتمتع بشرعية أهم بحسب وجهة نظره، ألا وهو ميراث عائلة الصدر الذي ينتسب إليه، ويرى أن فوز تياره فرصة تاريخية نادرة للإسهام في رسم الاصطفافات السياسية والتحكم بمفاصل القرار والسلطة على مدى السنوات الأربع القادمة، وربما أبعد من ذلك بعدما اعتبر عراب العملية السياسية، يستند إلى قاعدة شعبية وهوية طبقية واجتماعية خاصة بها، وهو حركة كارزمية بامتياز.

تطرق لتلك النظرية رائد علم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ( 1864- 1920 ) وفقا لإدعاء المشروعية الخاصة لكل نمط، حيث فرق فيبر بين ثلاثة أنماط من السلطة، السلطة العقلانية والسلطة التقليدية والسلطة الكارزمية، ولم يركز فيبر على الطابع الاجتماعي والطبقي للسلطة، وإنما لخصها فيبر علاقة بين السيد والتابع، كما هو الحال في شيخ القبيلة والعشيرة، والسلطة الكارزمية سر نجاحها تعتمد على الخصائص الاستثنائية الحقيقية للقائد لكن صنعته الظروف، وتعتمد تلك الشخصية على موهبة القائد وصفاته الشخصية وتعتبر تلك الشخصية أو الشخصيات سياسيون شعبيون.

مما فتح باب التأويلات باتجاه حكومة توافق سياسي لا أغلبية سياسية مثلما يريد تحالف دولة القانون بزعامة نوري المالكي وإلى حد ما تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، بينما يريد العبادي حكومة أغلبية وطنية.

مسألة تشكيل الكتلة الأكبر لم تعد مهمة سهلة مثل الانتخابات السابقة لأن الأهم فيها لا توجد قائمة واحدة تمثل مكونا معينا وهو ما يعني وجود تغيير في الخريطة السياسية، والكتلة الأكبر تحتاج إلى 165 مقعدا من مجموع 329 مقعدا بالأغلبية البسيطة النصف زائد واحد، ولكون الكتل الفائزة لم تتعد أي منها هذا الحاجز فلابد من تحالفات مع كتل أخرى لجمع هذا الرقم الذي لا يمكن بلوغه ما لم يتم التحالف مع كتل من كل الأطراف والمكونات الشيعية والكردية والسنية.

وإذا اعتبر البعض أن تيار الحكمة سيكون هو المحور الأهم في تحديد التحالفات المقبلة، لكن لهم تقارب مع الصدر وتفاهمات مع بقية الأطراف، تأتي أهمية فترة العبادي أنها خلقت حالة وطنية جديدة، بعدما عاش العراق مرحلة انعدام الوزن بعد

إسقاط نظام صدام حسين، وتحول العراق من دكتاتورية صدام إلى دكتاتورية المالكي، رغم أن البعض يعتبر حكومة العبادي ضعيفة، لكنها هي نتيجة الظروف السابقة التي ورثها من حكومة المالكي، لكنه حارب الإرهاب وقضى عليه، ومنع انفصال كردستان، وحال دون تفكك العراق، وإن كانت المرحلة القادمة تتطلب زعيما قويا لتفكيك المليشيات ويملك الجرأة أمام التدخل الإيراني أو أي تدخل إقليمي آخر، رغم ذلك لا يزال العبادي الأوفر حظا للولاية الثانية.

الشعب العراقي ليس ضد إيران أو ضد أي دولة مجاورة بل ضد قاسم سليماني الذي تعتبره بعض المليشيات الرجل الذي قضى على الإرهاب في العراق وأرسلته طهران إلى بغداد سعيا لفرض وجود القوى التي تدعمها طهران في المرحلة المقبلة على رأس القائمة هادي العامري الذي يقود لائحة الفتح التي تمثل عناصر الحشد الشعبي التي حصلت على المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد في البرلمان، فيما من قضى على الإرهاب هو الشعب العراقي بجميع مكوناته الجيش والشرطة والمليشيات التي تشكلت من أجل محاربة الإرهاب لكن انتهى دورها بعد القضاء على الإرهاب فإما تتجه الحكومة الجديدة نحو تفكيكها أو دمجها.

نتائج الانتخابات أتت صادمة لطهران بخلاف انتخابات لبنان، بعدما صرح مستشار مرشدها الأعلى علي أكبر ولايتي بأنهم ضد تحالف سائرون والتحالف يسير نحو تشكيل أغلبية وحكومة وطنية، فإن تشكيل أي ائتلاف حكومي يتطلب تقديم التنازلات، من أجل أن تكون حكومة عراقية قادرة على لعب دور متوازن في المنطقة.

لا تعليقات

اترك رد