التلوين النحتي مجاراة التعبير الخفي في اعمال هيثم حسن


 

بلا شك يعد الفكر الانساني ثورة معرفية وثقافية يحاكي عالم الوجود ، اذ يعمل على وضع الاسس البنائية التي تجعل منه صيرورة لامتناهية من البناء والتطور والنمو العلمي والثقافي الذي يخرج معطيات الوجود من سكونيتها وثباتها المحدود الى مطلقية اللاتناهي ، وبشكل وآخر يرتكز هذا الفكر على منظومة النزعة الانسانية ؛ بوصفها المحرك الفاعل في هذا الوجود ، والفنان في نتاجاته بصورة عامة والتشكيلية بصورة خاصة جعل من النزعة الانسانية تارة تعبّر عن ذاتانية الفرد والمجتمع من خلال الرؤى التعبيرية التي بدت محور اساس في نشر خطاب محمّل بدلالات ومضامين تحاكي الفعل الانساني وما مرّ به عبر السنون الطوال من احداث مؤلمة ومفجعة عبر الحروب وما تركتها من آثار سلبية اتجاه الفرد والمجتمع ، وتارة اخرى هناك انجازات علمية تفيد البشرية جمعاء واخرى جمالية تجعل من المكان والبيئة محركاً لاستطيقا حسية وروحية ووجدانية تعلي من شأن محدوديته وتضييقه الى مجال اوسع ينشّط المنظومة الفكرية والعقلية والتخيلية التي تحتكم الفرد ..

والفنان (هيثم حسن) من الفنانين الذي عملوا وفق رؤى تعبيرية اشتغلت من خلال تفعيل المنظومة العقلية والتخيلية وليس ببعيد ايضاً عن ممارسات حدسية ، اذ كانت الثيمة الاساس في منجزاته النحتية تتمثل بالجسد الانساني والانثوي – على وجه الخصوص- ؛ بوصفه الكيان الذي يحتضن المخفي والماورائي والفنان هنا جعل من تلك المنحوتات التي استخدم فيها مواد مختلفة كـ(الفايبركلاس ورزينه مع رخام صناعي) تشكّل خطاب موجه الى الاخر بما تحمله من دلالات تعبيرية اختفت وراء مظهريتها ، فهي من جهة ذات ترميزات سيميائية بمعطى سيكولوجي واخرى دلالات التفجر الولاداتي ، الامر الذي جعل في تلك الاعمال تلوينات المادة والموضوع ، يقول الفنان ” استخدم اللون لاضافة طاقة تعبيرية اخرى لتعبيرية المنحوتة ، لذا ترتكز تجربتي على ما يمتلكه الجسد من تعبيرية فهو مركز عملي النحتي ومقترباته ” ..

فالبعد الجمالي والتعبيري الذي احتضن المرموزات النحتية مسكون بتمثلات الجسد اجتماعيا وما يرتبط به من نزوعات طقوسية وفنية وجمالية ؛ باعتبار ان الجسد احدى وسائل التواصل عبر تشكيلات الهيئة والاشارة والايماءة وما يتوشحها من مظاهر التلوين التي تعبر عن الظاهر والباطن .. والفنان هنا اشتغل على تلك التشكيلات للدلالة على تعبيرات ذاتية وابعاد شعورية سايكولوجية من جهة وما يرتبط بها من دلالات مجتمعية من جهة اخرى ، وهذا يعود الى مقدرة الفنان التخيلية في تصوير شكلانية الجسد التي ترتبط بالفكرة التي استحوذت ذهنيته لا لأجل

وضع وتحديد مقصدية لمعنى محدد ، بل كي تأخذ نتاجاته مديات ابعد من ذلك عبر جعل التأويل يأخذ مساره عند المتلقي ووضع البصمات الدلالية ذات تعددية المعنى ، وهذا ما طرحه الفكر الانساني ما بعد الحداثي .. فبالرغم من التعبير – الواضح ربما- في تلك النتاجات إلا أن الفنان جعل للمتلقي دورا بارزا في وضع حوار يحاكي المنجز ليتشظى عن المحدودية وتقويض الكلاسيكية في تحديد المعنى .. ان فن النحت المعاصر يكشف عن الاغتراب والرفض والتهميش فهو فن يقوّض استطيقا التقليد ويعمل على تشظيات في عالم الثورة التكنولوجية والسياسية والاقتصادية لينتج خطاباً غرائبياً مفعماً بالمعاني ..

ان الفنان (هيثم حسن) بحث في منجزاته النحتية الملونة مقاربة موضوعية لتفكيك نظام الجسد الانساني من خلال تتبع الخطاب المرتبط بمعطيات التعبير ، فعمل على توزيع وبناء الكتلة النحتية – في بعض الاحيان – بشكل مفارق ومغاير لما هو واقعي ؛ بوصف ان الفن المعاصر يؤكد في كثير من جوانبه على المغايرة والاختلاف وهي تعد خطابا لازاحات متعددة كما فعل – على سبيل المثال لا الحصر – (كوكان ودوشامب وبول كلي وخوان ميرو) واخرين.. فالفنان يجعل من منظومته التخيلية تتسع نحو تشييد خطاب نحتي تلاعبت فيه المرموزات والاشارات ، الى جانب المعطى اللوني وهنا اصبح لكل خطاب نحتي سمة خاصة بتعبيرات متعددة .. انه يبحث عن استطيقا جديدة في عالم النحت الملون تقترب من ذاتانيته التعبيرية الممتزجة مع ذاتانية الجسد الاخر .. لذا فهو اعطى لهذه المنجزات النحتية المؤثرات الانفعالية والمجاراة للتعبير عما هو مخفي ومحتضن في الماورائي من خلال تلك الطاقة التعبيرية والرؤيوية الممتزجة بين أطار الفكر والتقنية ذات الحرفة العالية .

لا تعليقات

اترك رد