الواقعية وهوية التوظيف في المسرح العراقي …؟

 

نافذة 2: المسرح والحياة

ما الواقعية دراميا مسرحياً؟ وما مدارسها؟ كيف ومتى وُلِدت؟ وما الدواعي التي دفعت إليها؟ تلك أسئلة ربما باتت إجابتها معروفة بشكل واسع. إنما ما يهمنا من وضع إجابات موجزة سريعة في سياق المعالجة يأتي بقصد تلمّس مجريات توظيفها في النموذج العراقي من جهة والكشف عن تفاصيل ذاك التوظيف وما يقف خلفه…

يظل إبداع جماليات الأدب والفن محاكاة للواقع وتجسيداً لحالاته وتمظهراته بصيغ ينتخبها ويقررها المبدع وتتنوع في ضوء معالجاته الفنية وتعددها وتنوعها وفي ضوء إمكاناته… ولقد ارتسم الواقعي في مناهج الإبداع مذهباً جمالياً أدبياً وفنياً، في العصر الحديث، منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ يوم صوّر الواقع من خلال: “البحث عن الحقائق الإنسانية والاجتماعية لحركة الحياة وليس من خلال البحث في ذات الفرد كما كانت تفعل الرومانسية أيام ازدهار الثورة البرجوازية..” ((ت. الآلوسي – المسرحية العربية في الأدب العراقي الحديث 1945-1968 – رسالة ماجستير كلية الآداب جامعة بغداد ص90))…

إنّ الواقعية مذهباً، تجسد القوانين الموضوعية لحركة الحياة حيث أحوال الطبقات الفقيرة وما تكشفه من أسباب الإيجاب والسلب في حيوات الناس، فكرياً أي قيمياً أخلاقياً وجمالياً بمنع ظهور المبدع في ثنايا المنجز الجمالي بقدر ظهور الشخصيات التي يستنطقها في حركة العمل الدرامي المسرحي مع تجنب الكماليات التزويقية لصالح نقل الحياة إلى الركح…

مثل هذا لم يولد مكتملا ناضجاً كما ظهر في مجتمعات متقدمة، ولكنه في عراق خرج للتو من قرون حكم العصمللية ومنظومتها الاقطاعية لتأسيس دولته الحديثة، أخذ المستوى البدائي للواقعية في تعبيره الجمالي بمرحلة النشأة الأولى. وغالبا ما جابهتنا الواقعية السطحية أو الساذجة بفجاجة اشتغالها الجمالي المضموني، وهي تتناول موضوعاتها..

فمن جهة قلما تحصل كتّاب العراق الأوائل على مصادر وافية للتعرف إلى المذهب ومنجزه ومستوى ما وصل إليه وهم أنفسهم لم يمتلكوا الدربة والخبرة الكافية حينها، لتمكينهم من أدواتهم؛ ولكنهم امتلكوا رغبة عارمة في نقل تطلعاتهم الفكرية بقصد التنوير من جهة والمساهمة في التنمية البشرية من جهة أخرى فضلا عن إنجاز إبداعهم بالاتساق وقيم العصر وحركات التجديد الجمالية فيه..

فوجدنا أولا توجهاً نحو عرض (الوثيقة) التاريخية أو السجل التاريخي وسير البطولات القومية، تعزيزاً لخطاب الثورة القومية ومهمة التحرر والانعتاق من بلطجة الانكشارية وسطوة العصمللية على مقدرات الشعوب وبالساس كان ذلك بإطار مشوب بالرومانسية. لكننا سنجد الواقعي الذي يعنينا بهذه المعالجة؛ حيث يتبدّى فيما تناول من تفاصيل اليوم العادي للإنسان من مصاعب تقف بوجه حاجاته المستجدة في ظل الدولة العراقية الوليدة وقوانين مسارها المجتمعي؛ وهنا تحديداً، ظهرت الواقعية السطحية سواء في مستوى التناول والمعالجة فكرياً أم في مستوى استيلاد الجماليات بتلك المراحل المبكرة من ولادة التعبيرات الإبداعية الجديدة.

يمكن لنا أن نذكّر بهذا الشأن، بقائمة الأعمال المسرحية التي تناولت الإشكاليتين: البطولات القومية لكن طبعا بسماتها المختلطة بالرومانسية والقضايا الاجتماعية؛ بما يؤكد ما ذهبنا إليه من إشارة للتو. لكن الأمر تقدم وإن كان بخطى وئيدة على خلفية الأثر الذي أحدثته الحرب الكونية الثانية والنظم السياسية التي سطعت في أوروبا الشرقية ومنظومتها الفكرية والقيمية.. حيث شهدنا ظهور الواقعية باتجاهيها النقدي والاشتراكي، أقصد مغادرة الواقعية السطحية ولو نسبياً، والتعمّق في المعالجات بغض النظر عن مستوى ذياك العمق وكونه محدوداً بالاستناد لضعف أثر العلاقات الدولية مما وصل من التجاريب حتى ذلك الحين.

غير أن الهزة الراديكالية للحرب الكونية، أطلقت آثارها جلية واضحة في (بعض) الأعمال للدراميين العراقيين المتألقين آنذاك.. فشهدنا اغتناء الواقعية بعلامات ولو بسيطة من الرمزية والعبثية أو اللامعقول حيث على سبيل المثال لا الحصر استثمار ثيمة الجنون في الأربعينات؛ عبر شخصيات ستتكرر في مسرح عراقي لاحق مثل شخصية خبالو وما تطرحه، بين ثيمة الجنون بشخوصها والبهلوان ولاذع النقد الذي يحمِّلونه إياه…

ومن قراءة متعمقة يمكن توكيد ما أشرنا إليه من أنّ الظروف التاريخية للعراق الحديث، قد دفعت إلى حركة تغيير ولجت التعبير الدرامي إلا أن تلك الظروف ذاتها ساهمت أيضا بسطحية المستوى الجمالي الفني وقدراته على المعالجة الأعمق.

إننا هنا طبعا، نتحدث عن حركة الإبداع ومعانيها ومستوياتها في ضوء حجم الظاهرة سواء ما يخص الثغرات التحليلية من تلك الظاهرة أم الهفوات وسطحية المعالجة الجمالية فيها.. ولا نتحدث عن بروز علامات مميزة وشاخصة مهمة لبعض الدراميين أي أننا لا نتحدث عن الاستثناء المميز من دون المرور بوضوح على المنتشر كظاهرة واسعة من المستويات المتدنية في المنجز الدرامي آنذاك..

لعل مثل هذا التشخيص هو ما سيلعب الدور الأوضح في قراءة مراحل النمو والحراك بين مرحلة النشأة الأولى ببساطتها وربما سطحيتها زمن ولادة الدولة العراقية المعاصرة وبين ما نحن فيه الآن..

وبجميع الأحوال ارتقى الإبداع الدرامي إلى مهامه التنويرية عبر تلك الصلات الحية مع الواقع وعبر تجسيده فيما تناول وعالج من المشكلات سواء منها الاجتماعية التي تمسّ تفاصيل اليوم العادي للفرد والعائلة والعلاقات الشخصية في سياقاتها التاريخية التي تمس المنظومة القيمية الاجتماعية العامة أم تلك التي تمس النظام العام اجتما سياسيا بقوانينه وصراعاتها وأشكال المتغيرات والتفاعلات التي تعتمل فيه…

إنّ منطق العقل العلمي وفرص التشخيص التي يمنحنا إياها تحليله المعرفي الجمالي يؤكد حجم الأنوار التي سطعت بفضل المنجز الدرامي وخطاب المسرح في العراق. وما يبرهن هذه الحقيقة ولادة جمهور مسرحي صارت مشاهدة المسرح وفتح الحوار المتصل المستمر مع طروحاته حقيقة ذات نسبة جدية ملموسة وسط الطبقة الوسطى ما جذب أيضاً فئات من الطبقات الأخرى إليها في تكوين جمهور المسرح العراقي… لكن تطور السمات الدرامية لم تكن جميعها على نفس المنوال فالحوار اتسم بالتضخم بسبب تلك الحاجة الدفينة التي دعت لمزيد إشباع للتحدث في مجالات وميادين الاشتغال نفسه، مع انشغال بالحبكة القصصية للأعمال على خلفية تداخل سمات الأعمال الإبداعية بعامة…

إن هذه السمات التي طبعت الواقعية في اشتغال المسرح مرت عبر محطات في مسيرة الواقعي في المسرح العراقي فمثلا كان هناك انعكاس لتوجهات الكاتب وهوية تفكيره وما يؤمن به من رؤى وأفكار، وانتماء لخطاب اشتغاله وسط الملاهي و\أو المنتديات الثقافية ما يدفع لمحاكاة آليات عيش وأسلوب حياة ومصادرهما. لقد تداخلت تلك المحطات وظهرت بمختلف العقود بتاريخ العراق الحديث ومن تلك المحطات واتجاهاتها الواقعية الدعائية ضمن إطار واقعية سطحية ساذجة وواقعية طبيعية عجفاء في استنطاق العلمي بجفافه والواقعية النقدية البسيطة والأخرى المتطورة بعمقها الاجتماعي وغنى طروحاتها وتقديمها صورة مستقبلية مما يتطلع الإنسان إليها موضوعيا. وفي إطار كل تلك المحطات باختلاف أزمنة ظهورها كان لنا أعمال مسرحية سنشير هنا إلى نماذج نتابع بوقت لاحق التفصيل فيها…

فبين تركيز على ثيمة الحب والصداقة وخيانة العهد والتحدث عن المرأة الجديدة بوصفها إنسانا له كامل الحقوق حيث الصوت المطمور الصامت، سنجد مسرحية طعنة في القلب وأنا عاطفية جداً، بواقعية تشوبها الرومانسية وسنجد أنا أمك يا شاكر بواقعية ترنو للثورة ومنطق بناء عالم جديد يتحرر من استغلال الإنسان ويُطلق الحريات مستجيباً للحقوق والمطالب…

وفي مسرح الخمسينات سنلاحظ ظهور منطقة التحشيد والتعبئة الدعائية للتظاهرات السياسية ونداءاتها باتجاه التغيير وللانتفاض على التقاليد البالية. فانطلقت بعض التظاهرات من هناك من صالات المسارح و وُلِدت حركات احتجاجية ضد قيم اجتماعية متخلفة وضد أعمال الشعوذة والدجل وألاعيب الدجالين المتقمصين لدور الكهنوت الديني بما يُسقطِون على أنفسهم من قدسية وعصمة متوهمة مدَّعاة ولكن أمرهم فضحه الإبداع المسرحي بمحوري خطابه المعمدين بروح التقدم وأنواره…

إن عملا مثل مسرحية (صورة جديدة) قد أحدث نقلة نوعية ملموسة. سواء ببنيته أم بمعالجته وما دعا إليه. فالقضية بين الحبكة ومفردات القصّ فيها وبين الخطة الفكرية العامة تكشف عن عميق التدبر في عرض الفكر السياسي وراء تفاصيل الحبكة التي اتخذت منحى جمع أكثر من مدرسة وسماتها تحت مظلة الواقعية التي نحن بصدد تبين بعض معالمها.. فالملحمي البريشتي والرمزي وغنى دفقه الدال وغير ذلك، هو ما يدفعنا للتحدث عن غنى التجربة وهي ذاتها عندما سنتجه إلى نهاية الستينات والنفوذ إلى عقد السبعينات من القرن العشرين..

حينها سنجابه نماذج درامية واقعية ثرية بالجمالي الفني وبالخطة الأيديلوجية لا الفجة الجلفة ولكنها المتوارية في عمق المسرحية؛ أشير على سبيل المثال إلى أعمال الخرابة والمفتاح وبنيتيهما وإيحاءاتهما سواء للفكري أم لاستدعاءات جماليات الشعبي المحلي ووضعه بمستوى المحمولات الفلسفية والاجتماعية الجديدة.

وإذا كان المطلوب في هذه المعالجة، يتجسد في التوكيد على طابع التوظيف وأشكال تمظهره بين المباشرة السطحية والعمق وغناه الجمالي فإنّ تسلسل التناول هنا هو ما ساعد على محاكمة الأسباب والعوامل التي وقفت وراء المشكلات والمصاعب والمسائل المجتمعية بكل ما كان فيها من مشكلات سياسية اجتماعية كما في شيوع خصال اللامسؤولية والعدائية تجاه مؤسسات الدولة و توهّم أنها ليست ملكية للمجتمع والناس ما يدفع بعضهم لإهمالها ولالما لتخريبها وكما في شيوع التقاليد البالية المتخلفة ومن ثمّ في تجسيدها في الأعمال المسرحية بطريقة تقترح بعض معالجات بمستويات مختلفة…

إن ما يخيف قوى الظلام اليوم، هو إمكان عودة ذياك الروح وتلك الحياة للمسرح العراقي الذي بات يختزن طاقات حيوية فاعلة ومؤثرة ما يضيء البلاد وعقول العباد ويدفعهم مجددا للتعرف إلى طريق الخلاص…

إن محاولة هذه الإطلالات تتصدى لمسؤولية تفعيل الخطاب النقدي الدرامي وتنظيره، ومن ثمّ في إطلاق جديد لحركة مسرحية مبدعة تصل برسائلها إلى الجمهور المتعطش لجديد المسرح ومعالجاته الدرامية.. وفي ضوء هذا الاشتغال السعي الحثيث إلى تحقيق حركة تنوير و\أو المساهمة بدفعها للفعل بعد خمود نتيجة أعمال السحق التي وقعت على الطبقة الوسطى نتيجة مطاردة وحظر وخطاب تكفير وإقامة حدود التصفية الدموية الأبشع في عصرنا بوساطة قوانين قوى التخلف مما لم ينزل الله بها من سلطان…

ولعل إدامة تفاعلاتكنّ وتفاعلاتكم سيكون متابعة ومواصلة لمشوار البحث التنويري في خطاب المسرح والحياة بصورة أكثر عمقا وتوصلا للمفيد في مستهدفات الشعب وطبقاته الفقيرة المسحوقة. وإلى استعادة الصلة بالقيمي الروحي الأنجع والأكثر صوابا بديلا عن خزعبلات التخلف والتجهيل وممارسات أدعيائه..

فإلى إطلالة أخرى أتطلع لتلك التفاعلات البهية، بعهد مواصلة المشوار…

لا تعليقات

اترك رد