التمرحل الدلالي للتجريد اللوني والشكلي في المفردات التراثية الرافدينية


 

التجريد من الناحية الفنية : هو اتجاه حديث يقوم على تصوير فكرة الفنان أو شعوره ، تصويرا لايعتمد على محاكاة لموضوع معين ، مع استخدام الالوان أو الاشكال الهندسية أو الانغام الموسيقية . لقد آثرت التجريدية ، الرجوع الى المناهج القديمة في عصر الكهوف والكتابة الصورية والهيروغليفية والفينيقية والصينية والعربية ، والزخارف الشرقية ، ونقوش قبائل الزنوج والهنود الحمر .

والتجريد في الفن إتخذ حالتين : الأولى ــ كونه نزعة نحو إلغاء الشكل الواقعي ( أي الإبتعاد عن المحاكاة ) . والثانية ـ تيار أو مذهب ألقى بمبادئه وطروحاته على ساحة الفن التشكيلي في القرن العشرين .

والتجريدية : تهدف الى أن يكون الفن لذات الفن كهدف أساس ، وليس نقل الطبيعة نقلا حرفيا .

والآن عودة الى العصور الحجرية الاولى ، إذ يمكن أن نكتشف بواكير فن التجريد في رسومات أو حزوز إمتدت على أسطح وجدران الكهوف ، مثلت بدايات التجريد للخطوط والأشكال المجردة وغيرها من الأشكال التي مثلت مرجعياتها ، أشكال حيوانية أو آدمية أو نباتية جردت بأساليب فنية ذات مضامين ودلالات إرتبطت عقائديا بحياة وطبيعة الانسان الاولى .

إن رسومات الكهوف ـ تعد رموزا تجريدية أصلا ممثلة برسوم الانسان البدائي ، وتتداخل في عملية التجريد التي تعد فاعلية للارادة الانسانية وحساسية الفنان وقدرته التحليلية وإنعكاس تنظيراته الفكرية.

لذا يعد التجريد قالب للتعبير عن مظاهر واقعية ، حسية ، أو للتعبير عن تلك القوى الخارقة في ظواهر الطبيعة أو ظواهر أو قوى غير مرئية ، أدت به الى ترميز أفعاله وإشاراته وأشكاله الفنية . هذا يعني ان الانسان الاول ، أوجد إسلوبا للتعبير وهو الرمز الذي سعى في تطويره . إذن فإن التجريد في الفن القديم كبادرة وسمة ونزعة ، إرتبط بالماورائيات أو الغيبيات الخارجة عن الادراك وحواس الإنسان الاعتيادية ، والتي قادت الفكر الانساني الى إيجاد أشكال تعبر عن قوى خارقة ، ومن ثم إيجاد رموز تنوب عن تلك الاشكال ، في بعض أو الكثير من الاحيان .

إذن الفن هنا لم يكن محض محاكاة وترديد للواقع ، بل تعدَى ذلك الى كونه إعادة صياغة بواسطة بناءات حسية من نوع آخر ، تتحول من خلال قوة التجريد التي تعد سمة جوهرية في البشر .وفي حدود موضوع التجريد في المفردات التراثية الرافدينية و على وجه الاجمال وطيلة إمتداد الزمن الفني يتأكد لنا الأسلوب الرافديني في الإبتعاد عن السطحية والمباشرة في التعبير ، الأمر الذي أدى في كثير من الاحيان الى تحويرات وتطرفات رمزية ، كثرت وتعددت وعسرت لغتها عن الفهم والتفسير في كثير من الاحيان .

وهذا يؤكده ( اندريه بارو في كتابه : سومر فنونها وحضارتها ) ، لذا فقد كان الفنان العراقي القديم ، حرا في تطويع المظهر الخارجي للاشياء الطبيعية إمعانا منه في التعبير عما هو أكثر صدقا وثباتا .

وتأسيسا على ذلك يمكننا الاستنتاج الى إن بوادر ( التجريد ) في الفن ، قد شملت ( الرمز ) والذي أصبح شكلا مبسطا محملا بالمضامين والدلالات والمعاني ، ومقولب في ذات الوقت بهذا الشكل المجرد الذي صيغ عن خيالات خصبة أو صور مرئية ثم حورت تلك الصور محملة

بأبعاد وتفسيرات رمزية شتى . وأرى هنا انه ربما كان للأحلام دورها عند ذلك الانسان فعبر من خلال ماجادت به أحلامه ورؤاه الخاصة بصيغ فنية .

والقول إن الشكل الذي تم تحويره واختزاله وتبسيطه وإطلاق كلمة (رمز ) عليه ، بامكاننا أيضا إطلاق كلمة ( مجرد ) أو شكل ( مجرد ) أو ( رمز ذا مضمون ودلالات مجردة ) بحسب وصف ورؤية وتحليل العمل الفني نفسه ، حينما نأخذه كظاهرة فنية قابلة للدراسة والتحليل في ضوء دراستنا فلسفة تاريخ الفن مع إستبعاد الأعمال الفنية ذات النزعة الواقعية . ولنبدأ بالتجريد في الفن الرافديني القديم ، منذ عصر فجر التاريخ ، ونبدأها بطور حسونه والذي تظهر فيه الاشكال مكونة من خطوط هندسية ، وهي تبدو كلمسات زخرفية هندسية ، وهي بلاشك ذات معنى وأهمية رمزية ( إذ نطالع بوادر عصر يتطلع الى نوع من الفن يسمى الآن تجريداً ) .أما في طور سامراء ، فتغدو أشكال الحيوانات والنباتات بهدف التعبير وتختزل وتكرر رغم إنه ،أحدث نقطة تحول في تلك الاثناء نحو الطبيعة المجردة .الفنان هنا بدأ باستلهام الأشكال الطبيعية وإخضاعها لمبدأ التجريد لتحميلها أبعادا ومضامين ودلالات رمزية مقصودة .

وليس الغرض هنا الكشف عما إذا كانت تلك الأشكال تدل على شيء ما بقدر الكشف عن الاساليب التجريدية المتبعة وبدايات الظهور لتلك الاشكال شيئا فشيئا بتلك الهيئة أو بذلك الشكل أو الرمز المعني .

وفي هذا يذكر ( بارو ) : ” إن تلك الرموز غنية بالمعاني ، فهي تعبير عن مخاوف شعب اعتقد إن وجوده مرتبط بقوى غيبية ، فالمعزات الدائرة وكذلك النسوة الاربع التي أسفرت فيما بعد عن الكياروسكورو . إنما قصد

بها الرمز الى قوة الحياة الدائمة في المخلوقات ، البشر والحيوانات التي تدور معا في حلقات ولربما هي إحدى الطقوس التي تهدف الى استسقاء المطر” .

ونحن حينما نغادر طور سامراء ، نصل الى طور حلف ، ويظهر فيه الإهتمام بتصوير النباتات والحيوانات ، بخطوط تعبيرية موحية ، والتي تتمثل في شكل أزهار منفذة بشكل هندسي تجريدي زخرفي .

أو قد تكون رموز تجريدية تمثل أشكال نباتية أو حيوانية ( رأس الثور والماعز ) وقد تكون أشكالا مختزلة معبرة عن النجوم وأخرى عن الأزهار .

أما حضارة العبيد في جنوب العراق ، فتخلف لنا آثاراً ، يتحول فيها الشكل نحو أشكال تجريدية هندسية ، أمثال المعينات والمثلثات والسلالم والمتعرجات .

لقد جسد الفنان الرافديني القديم بكل دقة ، معتقداته ورموزه ، في محاولة لإستخدام إسلوب التجريد والتحوير .

إذن نحن الآن إزاء المفردات التراثية الرافدينية ، ولنبدأ بالكف الذي يؤكد حضوره في الفنون الرافدينية القديمة ثم يستمر حضوره الى يومنا هذا ، وتظهر الكف كمفردة في الفنون الرافدينية القديمة وبنزعة ملحة ، ولكن لا أحد يعرف مالغاية من رسمها أو حفرها ؟

هناك من يرى أن الصدفة هي التي لعبت دورا مهما في إلهام الإنسان فكرة رسم أو حفر الكف أو القدم ، فربما لاحظ أن باطن قدمه العارية حين إنطباعها على الأرض ، أو طبعه يده على جدران الكهف أو أرضيته بعد اصطياده للحيوانات ، قد جذب إنتباهه الى تكرار ذلك ، وبالتالي تعمد بصم يده على الجدار ، وهكذا كانت البدايات الاولى لفن الرسم عند الانسان . وهناك إعتقاد آخر يرى إن الانسان الاول خط على الارض بعض أو شيء ما خطوطا عفوية لليد ، دفعته الى إعادة تخطيطها مرات ومرات .

والبعض الآخر يرى أن الكف ربما كانت تمثل رمزا فكريا معينا ، فلليد قابلية الحركة في كل الاتجاهات ، فهي مصدر قوة ، وكأن الانسان العراقي القديم في المرحلة التأملية ، يعتقد أن هناك قوى لها أيادي طويلة وقوية في فعلها ــ أي في عملية التأثير في مظاهر الطبيعة . أما اليد البشرية فهي مصدر قوة أيضا ، وتتجسد في مزاولة الإنسان للأعمال الحياتية اليومية من زراعة ورعي وبناء فهي مصدر قوة فردية أو جماعية . وتظهر اليد كعلامة و إشارة ، فتصطبغ بطابع فكري في الدرجة الأولى.

نحن الآن إزاء الكف ذو العين ، إذ تحتل مركز الصدارة في عالم المفردات التراثية اليوم، فهناك من يعتقد أن بها قوى تقي حاملها وتدرأ عنه الحسد ويغلب عليها اللون الازرق .

والكف المعروف عندنا ذو الخمسة اصابع تتوسطه العين. وهي معروفة في تراثنا الرافديني . ويغلب أن توضع هذه الرموز الزرقاء عند مداخل

البيت اعتقادا من الساكنين إنها تطرد العين الحاسدة والنفثات الشريرة التي يمتاز بها البعض. ثم تتطور هذه الكف ( كمفردة موغلة في القدم ) لينقش عليها الفنان الرافديني ، في العصور العربية والاسلامية ، الخطوط الكتابية العربية متضمنة المعوذتين الواردتين في القرآن الكريم ، وهو هنا عندما يجمع بين الكف والمعوذتين ، انما ليضمنها تمرحلا دلاليا ، أكثر رسوخا .

ثم ان هذه الكف التي يرفعها المؤمن للدعاء ، زينها الفنان الرافديني العربي والمسلم بلفظ الجلالة ( الله ) لتعطي مضمونا دلاليا مميزا . أما المفردة التراثية الاخرى (أم سبع عيون ، أو ما تسمى بـ ” الزاكوره ” ) فإنه لا يعلم الكثير أن (أم سبع عيون) الحالية قد ورثها العراقيون من البابليين، إذ يعتقد البابليون أن النفس الشريرة أو الإشعاع المنبعث من العين الحاسدة، حين يتشتت أو ينقسم الى سبعة أقسام يكون ، فقد

قابليته على الايذاء في الشخص المحسود. ومن هنا وجدوا من الأفضل تعليق مفردة سميت بـ(أم السبع عيون)، في الاماكن التي يمكن ان تجذب نظر وانفاس اولئك الناس اللذين يملكون طاقة سلبية . ووجدت في قصور الملوك وفي الساحات العامة وعلى جدران وواجهات البيوت، كما اعتقدوا أيضاً بأن اللون الأزرق هو لون الماء الذي له القابلية على امتصاص الأشعة المنبعثة من العين ولذلك ميزوا أم سبع عيون باللون الأزرق. مع التأكيد على أن هذه المفردة قد جرى الحفاظ عليها بوساطة التراث لآلاف السنين.

كان اللون الأزرق لونا مهما في بلاد الرافدين لاعتقادهم انه لون محاط بأسرار خارقة لا قبل لبشر بها، ولقد ظلت أهميته عالقة بالفكر الإنساني والروحي في عصور متتالية بعد ذلك. ويظهر ذلك جليا في الجدران الخارجية لبوابة بابل والتي كسيت ببلاطات خزفية من اللون الازرق الفيروزي الذي اعتقد البابليون بأن له طاقات كبيرة تبعد الارواح الشريرة عن المدينة .

إن لهذا التأثير تاريخ طويل عرفته الحضارة الرافدينية ، وقد توارث أجدادنا بالفطرة التحصُن بالعين الزرقاء والسبع عيون للحماية من “العين الشريرة” حتى صار عُرفاً وتراثاً مازلنا نجده في التصاميم المختلفة في بيوتنا وزينة نسائنا.

المقال السابقالرسوميات المتحركة (motion graphics) – ج2
المقال التالىتشرشل .. في متاهات السينما
البروفيسور الدكتورة : صفا لطفي : بكالوريوس رسم ( الأولى مع مرتبة الشرف ) كلية التربية الفنية ــ جامعة بابل 1994 ماجستير تربية تشكيلية ( تصميم زخرفة وعمارة ) ــ كلية التربية الفنية ــ جامعة بابل 1999 دكتوراه فنون تشكيلية / جماليات التصميم في الفن والعمارة / كلية الفنون الجميلة جامعة بابل / 2006 ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد