الانتخابات البلدية في تونس وانكشاف المستور


 

يذكر ذوو السنّ أنّ الانتخابات البلدية في الجزائر في أوائل التسعينات من القرن الماضي كانت قادح الحرب الأهلية والعدوان الذي شنه الإسلاميون على شعبهم انتقاما من جحود النظام وظلمه لهم بإلغاء بالانتخابات الولائية والبلديةنتائج بعد فوزهم. ويعلم المجربون أنّ الانتخابات البلدية هي الأقرب إلى قلوب الناس وعقولهم والألصق بمشاغلهم وهي السلم الأسلم لبلوغ الأمجاد السياسية وبلوغ المناصب العليا. ومن هذا المنطلق كانت الانتخابات البلدية في تونس على درجة عالية من الأهمية تستوقفنا وتلحّ علينا استنطاق أرقامها لتأويل نتائجها والبحث في انعكاساتها على الحياة السياسية عامة ومستقبل المكونات السياسية وخاصة منها الأحزاب المسيطرة مثل حركة النهضة التي سنتخذها مثالا دالا.

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا نحن بدأنا بأحد أهم الأرقام على الإطلاق لما لها من أثر في تحديد الوجهة السياسية للمواطن التونسي فضلا عن كونه رقما يعبّر بفصاحة عن موقف التونسي من حكامه. إنها نسبة التصويت ودلالاتها والأصوات التي تحصل عليها أصحاب المراتب الأربع الأولى ومغازيها. فنسبة العزوف عن التصويت قد بلغت أكثر من ستّ وستين بالمائة (66%)من المرسمين في سجلات الاقتراع ولو حسبنا نسبة المقترعين على الذين يحق لهم الانتخاب وهم قرابة الثمانية ملايين مواطن لوجدنا أن نسبة الرافضين ستبلغ حوالي الثمانين في المائة أو أكثر من ذلك..ويرجع بعض المحلّلين المتفائلين ضعف نسبة المشاركة إلى أسباب يرونها موضوعية يذكرون من بينها عدم نجاح الأحزاب في حشد المواطنين لتشريكهم في اختيار من يمثلهم في المجالس البلدية ويعزو البعض الآخر هذا الفشل إلى احتجاج الناس على الأداء الهزيل للحكام منذ 2011 ويذهب آخرون إلى أنّ النسبة محترمة قياسا بما يحدث في بلدان عريقة في الديمقراطية. و لئن هوّن هؤلاء من هذا الأمر واعتبروا الحاصل مشرفا وهللوا لمن فاز إلاّ أنهم لا يمكنهم البتة ستر عورات كشفتها هذه الانتخابات وفضحها المقترعون بالحضور كما بالغياب. ولا يشكّ عاقل في أنّ هذه النتائج قد شكلت رجّات عنيفة للأحزاب والسياسيين الذين ,كدأبهم دائما, يجابهون الحقائق الصادمة بالتهوين والتبسيط المفضوح وبالتجاهل ودسّ الرّأس في الرّمل.

ولنبدأ بتتبع هذه الكبوات الخطيرة التي سيكون أثرها جسيما في القبائل السياسية في مستقبل الدهر ونخصّ “قبيلة” النهضة ب :

لقد أسفرت النتائج النهائية على تصدّر قائمات تصف نفسها بالمستقلة المشهد البلدي وقد يطول الحديث في حقيقة أغلب هذه القائمات وفي هذا الانتصار المفاجئ غير أن المجال ضيق والمقصد غير هذا. وفي المرتبة الثانية حركة النهضة وقد حصلت على أصوات ما يربو على 516ناخب (جدّدوا ثقتهم فيها) بعدما كان العدد الجملي للمقترعين الذين صوتوا للحركة في 2014 974 ألف من الناخبين. وكم يصدق قول المتنبي في هذه المناسبة:أعيذها منك نظرات صادقة أن تحسب الشحم في من شحمه ورم ” فهل ذهب الورم وظهر الشحم على حقيقته؟. لقد خاض حزب حركة النهضةمغامرة الأقرب للظنّ أنه أراد من خلالها دعم مركزه وترسيخ قدمه في السلطة مذكّرا أنه ليس من جماعة الصفر فاصل الذين يتطفلون على الحكم ويريدون السلطة وهم أعجز من أن يقدروا على مهرها. ولا شكّ في أن انتصارا مدويا يشيد به الأعداء قبل الأصدقاء يمكن أن يوفر للإسلاميين فرصا أكبر للمفاوضة على وزارات سيادية في وثيقة قرطاج الثانية.

تعالوا نتفق على أمر أساسي من دونه لا تتوضح الرؤية: الناخبون الوحيدون الذين يصوتون لحزبهم في كل الحالات وحتى في حال حصول انشقاقات وأزمات داخلية وصراعات بين الاتجاهات والقيادات هم ناخبو الأحزاب الدينية والطائفية عموما وناخبو حزب النهضة بالخصوص. فهم يعتقدون أن ذلك الواجب فرض ديني لا يقلّ قيمة عن فريضة الجهاد بل هو جهاد من نوع آخر. ولذلك تجدهم في كلّ سوق انتخابية ممسكين بالحبل النهضويّ ينصرون قبيلهم .وبما ان المسالة هنا مسألة عدد فإن الأرقام أحيانا مراوغة. ذلك أنّها أوحت للتونسيين في 2014 وقبل ذلك في 2011 أن حزب النهضة ,هذا الحزب الديني, تسنده قوة جبارة عاتية لا يقف في وجه إرادتها تغيير نمط المجتمع قوة وقد انتشرت بالمناسبة عبارات مثل اكتساح النهضة وأسلمة المجتمع والغزو الناعم ووو.

إن قوة جماهيرية تقدر بأكثر من مليون شكلت رصيدا مشجعا على المضيّ قدما في طريق فرض الشروط. غير أن الأرقام يمكنها أن تكون فاصلة أيضا إذا ما سلمت من التضخيم والتزييف والتوظيف السياسي . ذلك ما وضح في انتخابات ماي 2018: لقد طار الصّيْدُ من الكف في مغامرة غير محسوبة.فجمهور النهضة العقائدي الصرف الذي يعوّل عليه في البناء والذي يمكن أن يستعمل في الضغط على الخصوم حين تزف لحظة المراهنات السياسية والمخاتلات والمضاربات لا يتجاوز 516 ألف وهولا يمثل قاعدة فعالة في بلاد عدد سكانها 11مليونا منهم 8ملايين يحق لهم الانتخاب ولم يسجل منهم في السجلات إلا حوالي 5 ملايين. إنّ هذه الانتخابات المخيبة لآمال النهضة ومشتقاتها عرت الحقيقة فبانت الحال مهلهلة كأفظع ما تكون الهلهلة. والأيام المقبلة كفيلة بتأكيد ذلك.

من المؤكّد أن النهضة قد ربحت المرتبة الثانية وربحت بلدية الحاضرة وبلديات أخرى كبرى ولكن النتائج كان لها قول آخر غير هذا. لقد كان للانتخابات أمر تعديل نسبية حضور النهضة في الساحة الشعبية وفي عداد القوى الفاعلة في تونس. لقد أثبتت الانتخابات أن النهضة كانت هرّا يحاكي انتفاخا صولة الأسد. بل كانت ظلا لقوة سياسية لا وجود لجبروتها الذي طال التهديد به إلا في أذهان الإسلاميين ولم يكن باستطاعة الجمهور اكتشاف الحقيقة رغم معاهد الإحصاء وشركات سبر الآراء المتعددة.

إن من علامات نضوب المخزون الانتخابي والشعبي للنهضة لجوء الحركة فيبلديات 2018 في أرياف البلاد وحواضرها إلى تقديم مترشحين في قائماتها لا تربطهم بالنهضة وعقيدتها وتوجهها السياسي رابط قويّ ولا ضعيف-ولا أشير إلى مرشحي النهضة اليهودي والنصرانية-. فبعض من رشحتهم النهضة في انتخابات البلديات ثمانية عشر وألفين (دون تعميم)كانوا معروفين بسوء السلوك وبالعربدة .وإن دَلّ هذا على شيء فإنه يدل على أحد أمرين :فإما أن يكون الخيار بالتغلغل في المجتمع عبر هذه الفئات المهمشة لكسب تأييد مزيد من الناس وإعادة شحن الثقة التي بدأت تتبدد. وإما أن يكون اضطرارا لا مفرّ للنهضة منه وهو أحلى المرّين اختارته الحركة لإعادة تمويل خزانها البشري الذي أمسى يشكو عوزا وهو خيار استبعاد الصفة العقدية نهائيا والقبول بالاكتفاء بالانتماء السياسي. ومن يعرف الحركة عن قرب ومنذ كانت تسمى “الاتجاه الإسلامي” في الثمانينات يعرف جيدا أنها كانت تقدم البعد العقدي الديني والالتزام به على الانتماء السياسي ذلك أنّه لم يكن ممكنا لغير المتدينين الملتزمين بالإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا وعبادة أن يشاركوا في النشاط السياسي للحركة, أما اليوم فالأمر يبدو أنه تغير بالكامل.

وبناء على هذه المتغيرات الجوهرية فلن يكون شأن النهضة الراهن ولا المستقبلي كما كان في الماضي .وسيُفرض على حركة راشد الغنوشي أن تلتزم بالمتاح وأن تمضي أكثر وأكثر في الانخراط الفعلي والحقيقي في الخيارات الديمقراطية والمدنية فبعد أن كانت هذه الخيارات مجرّد تنازلاتمرحلية حتمتها الظروف والأوضاع الدّاخلية والخارجية فستصبح حتما خيارا رئيسيا ثابتا لا يطمئن “الإخوة الألداء” من “الشركاء” فقط بل يمدّ الحركة بممكنات التواصل مع شعب ثبت بالدليل القاطع أنّ الغالبية العظمى منه ليست مع سياسات النهضة وثبت بالدّليل القاطع أن حماية القيم الجمهورية للبلاد و الذود عن مدنية المجتمع موكولة إلى طبقة عريضة من الشعب التونسي وأنه لا خوف عليه من الارتداد بفعل الترهيب والتخويف بأغلبية مغلوطة مزيفة. إنّ هذا الشعب هو الحارس المتيقظ لمبادئ الجمهورية والمدنية وأنه هو وحده الضامن لمكاسب البلاد ولهويته الحداثية ما لم تتغير قواعد اللعبة. وإنّ على حركة النهضة خاصة والإسلام السياسي عامة أن يعدّل من قراءته للواقع للتأسيس لشراكة فعلية صادقة تترجم الأحجام الحقيقية لهذه الأطياف السياسية.

لا تعليقات

اترك رد