نزار الهنداوي أعمال مستمده من وحي الواقع العراقي

 

تطوير الكشف لشكلاني:
يحسن الهنداوي بناء اللوحة إنشائيا من حيث توزيع الكتل بالرغم من حشودها المكتظة لاسيما أعماله في الجداريات، واللوحة عنده مشغولة بنفس واحد متواصل، وبتيقظ ذهني واعي في ترتيب تكويناته الشخصانية ضمن انساق محسوبة ومن جانب آخر ادخل في نسيج محبب العناصر الوطنية والشعبية والتراثية مع نكهة (محافظة) فنهضت أعماله بشحنة تصويرية مترعة غنية بالتنوع والانتماء الاجتماعي يجمعهم هدف مشترك وهاجس نبيل نستطيع إن نقره ونقرئه من خلال ذلك التراص المسطف على رفق تناغم الحس الوطني والاجتماعي .لذلك نستطيع القول إن شخوص الفنان نزار الهنداوي فيها حوار هامس ولكنه معلن لقد لجأ الفنان إلى استخدام حلول عديدة في أعماله لاسيما الجداريات التي تتكاثف فيها الحشود في المشهد البصري، إذ عالج ذلك في إجراءات تكبير وتصغير للأشياء والموجودات، وعمليات توزيع وأصطفا ت وتركيب متغاير أو متكرر أو متماثل أو متداخل سواء في اللون أو في الشكل. يضع الفنان نزار نصب عينيه هدفين واضحين في تجربته الجدارية: أولهما تطوير الكشف ا لشكلاني، والارتقاء في ابتكار الحلول والمعالجات التي يتطلبها انجاز اللوحة الجدارية، يحرص فيها على التفرد والخصوصية، وثانيهما، أبتكار نسيج شكلاني متجانس في إطارالبيئة العراقية الشعبية بمختلف أجناسها، متجاوزة تصعيد الملامح المباشرة لقضية الألفة في إطار المبالغة ، ومنح العمل قيمة خارجية تنصهر فيها تلك التنوعات المتآلف.

وهو بهذا يفسح المجال لعناصر العمل إن تقيم حوارا بين تلك الوحدات المتفاعلة والمتناغمة، والمتداخلة والمتراصة في اتجاهاتها المتقابلة أو المتناظرة، يشد هذا النسيج ا لشكلاني نسيج آخر هو البعد الاجتماعي الذي تحفل به دلالات الأشكال من بنايات وأزقة ومساجد وشخوص آدمية وما إلى ذلك والتي ينشئ منها الفنان أهداف اجتماعية في ضمير النظارة. تستند جمالية إعمال الفنان إلى توزيع بياني مدروس بعناية وبساطة ومنح الأشكال قدرا من درجة القيمة الضوئية أو درجة الإشباع اللوني بما ينسجم مع التكوينات الشعبية – الفلكلورية – وكذلك إثراء العمل بمناخ احتفالي دافئ. ولقد امن على مجالات الأشكال المتجاورة بعدم الوقوع في التشويش أو الاضطراب اللوني المزدحم ، بخلق طيف محدود في الألوان الدافئة عموما ،كتعبير عن الفرح والتفاؤل موزعة بعناية على وفق اقتطاعات ومساحات متداخلة هندسية.

بين الواقعية والتكعيبية :
في أعمال الفنان نزار الهنداوي منطلقات متنوعة مارس الواقعية وبقي محا فضا على مسارها ، وفي الوقت ذاته أحال بداياته التجريدية المقترنة بالواقعية إلى شيء من البحث التجريبي، لقد أحال تلك الاتجاهات باختزال مساحاته التجريبية الهندسية معاملا إياها ببعض الأشكال شبه الهندسية منذ عام 1974 وقد تجسد ذلك جليا في عمله عام 1977 إلى شيء من النزعة مابعد الانطباعية، أما أعماله من عام 1974 إلى عام 1976 يبدو من تطوره الأسلوبي انه كان مائلا إلى نزعة تسجيلية في العمل الفني يرى إنها أكثر ملائمة للتعبير عن معنى الواقعية للمجتمع وبالرغم من تأثيرات الفنان حافظ ألدروبي على أعمال نزار الهنداوي لاسيما الجداريات من ناحية توزيع الألوان والكتل وبناءاتها الهندسية التكعيبية، إلا إنني أرى هنالك خصوصية لإعمال الهنداوي على سبيل المقارنة فالفنان ألدروبي يثقل الفضاء بمداخلات تعشيقية مع الكتلة لدرجة امتداد مقوماتها مع الفضاء ولو قمت بقلب العمل على العكس فانك لاتجد خلل في عملية التوازن والعز ل بين الكتلة والفضاء، أما عند الهنداوي فان الكتلة تتنفس من خلال الفضاء الفسيح والذي تملؤه ألوان كرنفالية متقاطعة شفافة اقل حدة من الكتل في أسفل اللوحة، ولكنه يعمد إلى وضع كتلة أخرى في منتصف الفضاء لغرض توازن العمل إنشائيا وموضوعا.

إن الأعمال الفنية عند الفنان المنفذة بالمائية أو الزيتية تتمسك بأسسها الواقعية ولكن بطريقة فرش الألوان بمساحات مبسطة تميل إلى الاختزال وبناء سطوح تصميمية تضيء صفاء الألوان الشرقية، إما في الجداريات فإنها تتلمس معاني ودلالات الإيحاءات الرمزية المختلطة بمناحاتها الانطباعية، وعموما تستوحي أعماله خاصة في معرضه الشخصي عام 1989 الطبيعة والواقع الاجتماعي الريفي والبدوي والحضري.

إن المتتبع لأعمال هذا الفنان يجد (لاسيما المائية) إن هناك شفافية ووجود حيز يفصل أطراف التداخل اللوني. هذه الأعمال حينما ننظر لها نشعر بلذة وارتياح وهو يرسم مفردات الطبيعة من أشجار ونخيل ومفردات أخرى من الطبيعة و الخيول. أما اللوحات الزيتية فإنها تعكس بعض الموضوعات التقليدية كالبيوت ومداخلها ، والأسواق، والأشخاص، وما إلى ذلك. ويؤكد الفنان في تركيز مسالة التوازن والتباين بين الظل والضوء ،أي وجود علاقة حادة بين الشمس العراقية وبين ضلال البنايات التراثية البغدادية مبينا ذلك انعكاس الألوان الباردة ومشتقاتها . إن الاجتهادات التقنية للفنان الهنداوي أبقت درجة الاختزال والتبسيط بالرغم من هذه التباينات التي تحتاج إلى تركيز حاد بين الضدين (الظل والضوء) والتي أدت إلى إيجاد جو تشكيلي تتنفس فيه حركة اللوحة والتي تتطلب النعومة في السطح مثل مانراه في عمله الزيتي في موضوع السوق البغدادية ( 1983) بجوها الاجتماعي والمعماري والاثنولوجي والتي حاول أن يحد من حرية ا لحركة الرئيسة في تحديد معالم المشاهد البصرية من أشخاص وتفاصيل معمارية وموجودات أخرى. وفي أعمال أخرى استطاع الفنان نزار إن يقدم لنا نموذجا متقنا على التلوين بالأسود والقدرة المتمرسة على تطويع قلم الرصاص لإظهار حيوية في التظليل .. مؤ كدا في الوقت ذاته على الدراسة الأكاديمية لتلك النماذج في مجال الدراسة والمعرفة في الصياغة الفنية وأحوالها الثابتة. ولدى الفنان انجازات منفذة بالحبر الصيني تنم عن قدرة في الاسترسال المسترخي، وبدقة ومهارة لم تحل دون انطلاق الفنان إلى نوع من الحماسة الابداعية. وهنالك أعمال تركها لنا الفنان الراحل عالجت موضوعات مستمدة من وحي الواقع العراقي الشرقي ، إذ تسخر بألوان السجاد والبسط والمنسوجات الشعبية التي عكست نمطا متميزا لإنتاجه عبر سنواته الإبداعية والتي تأخذ مديات أخرى من التحويرات والاختزال التجريبي.

مرجعيات التناص :
ومن جانب آخر أستطاع الفنان عبر سنواته التجريبية في مجال الرسم إن يعيد صياغة المشهد الماضي واقتفاء أثره عبر ملاحقته المستمرة لعوامل التحول والتغير لمفردات التراث، فنلاحظ إن الفنان استطاع إن يخضع موروث الو اسطي كما فعل من قبله جواد سليم إلى بنى وأشكال جديدة مليئة بعلامات الماضي التي تجسد وقائع الأحداث والحكايات الشعبية وتقاليده العامة. ولن يغيب عن بال الفنان تلك التفاصيل التي يزخرفها الفن من تفاصيل دقيقة وصغيرة (المينياتور) لفن المنمنمات المتداخلة مع أحرف الكتابة . أستطاع الفنان أن يزاوج بين المعنى الإدراكي والمتخيل لمعادلة الشكل الفني للعمل، متجاوزا الإغراق في متاهات وتفاصيل الزخرفة العابرة لتوكيد الصلة في بناء النص الجديد للعمل. وأخيرا بقي أن نقول أن الفنان نزار الهنداوي هو من مواليد الصويرة محافظة واسط .ماجستير رسم كلية الفنون الجميلة بغداد. عضو نقابة وجمعية الفنانين العراقيين.عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلة .عضو اتحاد التشكيلين العرب. أستاذ في كلية الفنون ن الجميلة بغداد. شارك في كافة مؤتمرات اتحاد الفنانين العرب، والعديد من مؤتمرات الرابطة الدولية للفنون التشكيلية. الفائز الأول في مسابقة شعار المؤتمر السابع لدول عدم الانحياز. رئيس جمعية التشكيلين العراقيين .

الفنان نصير الكعبي في تجاربه الواقعية
بعيدا عن الأنغمار في افاق التفسير للمرموزات, والتحويرات, والالغاز المبطنة (للأشكال) و(مضامينها) الفكرية .. وأيحاءاتها المشفرة .. كما عهدناها في تناول الأعمال المعاصرة بحداثيتها الملتوية في الأيصال, وباثاتها غير المباشرة, نحو عالم ( المستلم ) أو المتلقي. ترسو بنا الأنقيادات نحو أعمال الفنان (نصيرالكعبي) بواقعيته المعلنة في الأيصال والأيحاء لعالم خيال التذوق الفني والجمالي. تحوم أهداف الفنان (نصيرالكعبي) من خلال أعماله الفنية – حول – خلق نسيج من التكوينات التشكيلية مبنية صروحها على مرجعيات الواقع البيئي العراقي بأبعاده المتكاملة, دون القفز فوق التفاصيل لحيثيات الواقع الموضوعي, وأختزاله بأدوات أيحائية, قد يسلكها البعض تجنبا من الغوص في تفاصيل, قد تخلق عنده حالة الأنشداه نحو التركيزعلى جوانب البناءات التركيبية لمستلزمات القيم المشروطة لصياغة العمل الفني المختزل, ويحصل ذلك جليا عند الكثير حتى من سلكوا رواسي الواقعية .. سواء في أختزال المسطحات التقنية للمساحات اللونية, أو في ترافد المفردات غير الرئيسة .. كتفاصيل دقائق الأحجار, ومبعثرات القصب والأدغال, وغيرها من الأشياء الثانوية التي يعتقد بعض الرسامين انها غير ملزمة في حشودها, وغير مطالب بإيجادها وتسجيلها – معا – مع الأساسيات. أن قيمة الأخلاص في أمانة الأداء التسجيلي طالما هي سلكت منحى الواقعية,لا بد أن تكون مفرطة في الاخلاص لتتكامل فيها أرشفة الذاكرة لواقع البيئة الاجتماعية, مؤدية أهداف مرجعيات التدوين التاريخي ببعديه الميثولوجي , والفلكلوري. وليكون دقيقا في الأستناد والتهيئة في التدوين المرجعي للبحوث الا حقة لذوي الأختصاص, بعد مضي مراحل من الزمن قد يندثر بعض معالمها حتى في صغائر الأمور وتفاصيلها التي تشكل أهمية قصوى عند الباحثين في مجال دراسة التراث المتنوع . لقد التزم الفنان (نصيرالكعبي) في أعماله الواقعية بذات المنحى والألتزام الذي أشرنا اليه, وأذا كان الفنان – مؤيد محسن – قد أدى ذلك في أعماله الفنية بشكل دقيق متناهي الأخلاص في تفاصيل دقائق الصغائر, فأن الفنان (نصير ) جعلها راكدة مستقرة في وجودها, مكانا, وزمانا ,وبعدا , شكليا لأنها أبتعدت عن خيالها السرمدي على سبيل المقارنة. وبذا فأن الفنان أنتمى الى واقعية عراقية مخلصة دون التلاعب بالتبدلات المفترضة, واذا كان الفنان (نصير) قد اأتزم بروحية الأمتداد الى ما أسسه الفنان – فائق حسن – في هذا المنهج الاسلوبي , فأنه: قد أسس لنفسه خصوصية في التعامل مع الألوان, أذ لم يستخدم المتضادات اللونية المعوضة عن الأنغمار في التفاصيل كمساحات مضللة أو أخرى حادة, وأنما الأنصراف نحو تتابع ما تتطلبه أمتدادات الرؤية البصرية لكافة أبعادها التسجيلية, وعلى نحو متساوي في الأداء التقني, هذا من جانب, ومن جانب آخر فأن الفنان قد منح أعماله صفة الألتزام بأجواء البيئة العراقية كماهي سواء في الأرياف, او الأهوار, أو الصحراء, أو المدن, لكي تحقق صفة التكامل مع ما أشرنا له, وهو تتابع تسجيل الحيثيات الدقيقة التفصيلية للأشياء, بهذه الصفة قد حقق الفنان (نصير) جاذبية التمتع في التأمل والأسترسال نحو تتبع العمل بغير أكتفاء – لحظي – عابر. أن تحقيق مهمة أكساب جاذبية المتلقي والأنقياد نحو النتاج الأبداعي, مهمة تتطلب حذاقة في الأداء, وأمانة في الأداء, بعيدا عن تضليل المتابع للتقنيات المعهودة, وقد ينكشف ذلك جليا وبلا شك عند المتذوق أوالمتابع المنكفئ بخبرته المتراكمة كمحصلة لخزين تراكمات مشاهداته البصرية الكثيفة, عندئذ تتحقق معايير, التقبل, والأستحسان, والرقي , بعد مراحل التمييز, والمقارنة, والفرز, طبقا للخبرات المذكورة, لذلك, ونحن في صدد أداء أعمال واقعية لا تقبل التحوير, أو قرائه – سيمائيات – مغلفة بأطر التحوير, فإنها ستتركز على قيمة الأتقان الأدائي, والأشباع اللوني, والقيمي, الذي تتوحد فيه الجهود وتتركز في مضمار ميدانه التحديات التقنية دون وازع من التغطيات الأخرى المعاصرة, بهذه الطريقة أرفدنا الفنان (نصير) أعمالا ترتقي بإيجاد أسس رصينة لمنطلقات قد تؤسس لسلوكيات مدرسية أخرى بتلقائية غير مشروطة, أو, مقننة, وعندما تكون تلك الخطوات بتلك المراحل التأهيلية الفائقة, فأن المنطلقات مهما كانت أتجاهاتها حتى وأن بقيت في ميدانها الواقعي ستكون في منحى المميز الأسلوبي لهوية الفنان الشاخصة دون أفتعالات مكتسبة, أو تقليدية لأتجاهات مجاورة, بهذه الروحية فأن الفنان قد وحد الذات, مع توازنات البيئة الواقعية, ويوحد بصيرته الفنية, بحاسة الأنتماء الى المحيط, من خلال نصوصه الصريحة, ومن خلال أنتمائه الى المشهد الجمالي, والتوثيقي لمرجعيات البيئة العراقية, أي انها أمتدادا للبناء الداخلي, فالعلاقة بين جماليات البيئة العراقية في نصوصه التشكيلية هي توثيق لصيرورتها عبر أنطباعات التحول في البيئة بكل أبعاده التكوينية والجمالية, وبهذه الكيفية فأن الفنان يخلق حالة من التوازن الذاتي, والمصدر للمكنونات الشاخصة بكل مفرداتها الماثلة للعيان أكواخ, وبيوت على شكل أطلال, أو مفردات تكميلية, ووجوه شاخصة تتلائم ملامح ضنكها مع عوامل هيئة البيئة, في جانب عجزها الخدمي, وجانب روحية جمالها الباطني المستمد من الروحي والشكلي.هكذا أسس الفنان (نصير الكعبي) سمات التمسك بأسس الواقعية العراقية بميزتها المتجددة في الإظهار الشكلي والأدائي, والحفاظ على أمتداد تأسيسها عبر مراحل تأسيس الحركة التشكيلية العراقية منذ الرواد وما قبلهم. ولو وجهنا لأنفسنا سؤالا حول ماهية الأختلاف بين مسعى ومهام رسالة الفنان بأسلوبه الواقعي مقارنة مع الحداثة وما بعدها, أزاء فورات العالم المضطرب والصاخب المليء بأحداثه الحادة .. ؟ وهل أن طريقة الأهداف, أو أيصالها, بذات المهام التي يستجيب لها الأنسان للفوران المحتدم ؟ مما لاشك فيه أن القفزات العالية التي حصلت منذ الحركة – الدادائية – أبان الحروب العالمية أختلفت طرق التعبير ووسائل الأيصال والأستجابة, فهما: تذمريه عابثة, كما حصل للحركة – الوحشية – ومنها ما هو أستجابة لشعور: باطني , تلقائي, للاشعور, كتعبير ذاتي للأنفعالات النفسية, أو ما يحيطها من أحداث – كالسوريالية – ومنها ما هو أقرب الى مصائر الانسان البسيط ومشاكله المعقدة, والعائقة, والظالمة,( كالواقعية الأشتراكية ) ومنها ماهي مبهمة, تحوم حول خيال فلسفي حالم, يعزف على أنساق موسيقية, ترتب أصطفافات القيم الجمالية ( كالتجريد) ومنها ما هو مبني على التعامل مع الأشكال حتى بفراغها المرئي الى لغة بصرية لونية تزيح الفراغات والمساحات الوهمية بتحليل لوني وبمشتقاته الأصلية – كالأنطباعية – و التنقيطية تحديدا – ولكن نحن الآن بصدد – الواقعية- فإنني: أرى أن لغة مهامها ووسائل أثارتها, تكتمل بمهام المستلم من المرسل, أي من الفنان الى المتلقي, فالالتزام بواقعية الصور الشكلية للحدث تتطلب من المتأمل أستكمال واقع الصورة دون تدخل فلسفي مصاغ مقيد .. ففي الأعمال (التعبيرية ) والحديثة عموما يجسد الفنان فلسفته أتجاه الحدث بطريقة – رمزية – تتطلب من المتلقي, تتبع أهداف فكرة وفلسفة الفنان, أتجاه الموضوع, وليس الأنشغال بالموضوع ذاته, والأجتهاد خارج أيحاءات الرموز, لأنه ليس واقعي محدد. عندئذ تغدوا لنا الواقعية بطرح الموضوع بخامته الأصلية, ليفسح المجال أمام المتأمل, أمداد خطوط الأستلام بخطوات مباشرة دون تشويشات مختلطة. أن عامل التمييز, والمقارنة هنا: لا يتم على وفق مقاييس التفضيل والأستساغة, وأنما على أساس أفراز خصوصيات التباين لكليهما.

من هنا تكمن معادلة التوازن للواقعية مع المدارس الأخرى فضلا عن كونها هي الأساس المبني على مناهج علمية العناصر وأسسها التشكيلية بقياساتها الذهبية, والتي تتحقق فيها أجماع الكسب العام للرائي الجمعي المبسط والنخبوي.

مضامين ومرجعيات :
تستند اعمال الفنان – نصير الكعبي – في محصلة قيمها الاخراجية ( الانجازية) على محورين: هما,استدلالات التعبير الفكري – الموضوعي – شكلا ومضمونا, وثانيهما الأستناد الى مصادر تجسيد الوحدات التكوينية للبناء الأنشائي للأعمال أو ما يسمى بال (المرجعيات ) وفي أولهما: نجد أن الأعمال بشكل عام تتضمن موضوعات تماحك الواقع الشعبي بكل أشكاله, وعاداته, وتقاليده, وأساليب وتنوع مواقع البيئة, وتعدد تباين الأختلاف في الأعمال الحياتية للمعيشة اليومية للفرد والمجتمع .. فهنالك – جمال – (جمع جمل) بكسر الجيم, في صحراء يجسدها بتلقائية دؤوبة أي تسجيل صوري للحظة منشغلة في حركتها أو أنشغالها بتوثب, أو أستلقاء, بعد قطع مزيد من الأنغماس في النشاط اليومي المضنى والدؤوب, يكون فيه الراعي منغمسا, ومندمجا في أوج تفاعله, الخارج عن لحظات الأسترخاء والقيلولة .. وبذلك يؤكد لنا الفنان مدى أقترابه من ناصية الحركة الواقعية للنشاط اليومي للإنسان ليكون الموضوع أكثر حيوية, وتلقائية, تفسح المجال بأن تسرح فيها البصيرة في التأمل عن تلك الصورة من ذلك الواقع الذي لم نعيشه, أو قد … لا تسنح لنا الفرصة للاقتراب من معاينته عن تماس مباشر, لبعده عن أماكن المدن السكنية, وتتكامل فيها الصورة الشكلية من أمتزاج ضبابية الأتربة وغطائها الذي يشكل عمقا منظوريا للرؤى الصحراوية, وبنفس الأسلوب تتعانق وحدة الأخراج الشكلي والتقني مع مصادر المكان للموضوع في الأماكن الريفية, فلقد عمد الفنان (نصير الكعبي ) الى العناية الكاملة بإخلاص, ومتابعة مسترسلة الى أتقان المفردات بتدرجاته اللونية, وكذلك الألتزام بنوعية الألوان التي لا تبتعد عن أصولها ومصادرها البيئية. ومن المعروف أن طبيعة المسحة اللونية للتكوينات تتناسب ليس مع شكلانية البيئة فحسب وأنما مع طبيعة المناخ من حرارة ورطوبة, المخالفة لأجواء البرودة في الأماكن الجبلية في شمال العراق. فعلى سبيل المقارنة تكتسب الأعمال في المناطق الشمالية الوان زاهية, ومتضادة, توحي الى ألوان تولد في أجواء الصفاء المناخي من الأتربة والضباب الحراري في الأهوار أو في الصحراء, وحتى بين الأثنين الأخيرين كذلك يوجد أختلاف ماثل للعيان .. ففي المناطق الشمالية من سلكوا الواقعية يجسدون ما أشرنا أليه بالألوان الزاهية أمثال (نجيب يونس) و (محمد عارف) وفيما بعد (خليف محمود), بينما تختلف تجسيدات المناخ الريفي في بيئتها الجنوبية المتكون من الأهوار, والبيوت الطائفة عليها والنخيل والقصب والبردي, وبذات الأمر ينطبق على البيئة الصحراوية لأرض العراق, جسد بعض الفنانون الألتزام بمناخاته المتطابقة لها, والبعض الآخر قد تحرر من.. أو تمرد على .. أجوائها الخاصة كالفنان (ماهود أحمد) الذي سلك الأسلوب التعبيري الواقعي المتأثر بالفن الروسي .. أن أعمال الفنان ( نصيرالكعبي ) من خلال قرائتنا التحليلية والأستنتاجية لها هي: تأسيسات الألتزام العام في الأجواء ودقائق المفردات. أرى ذلك وضوحا في هذه المرحلة من الأندماج المتفاعل .. قد يصل به الحال الى أشباع أندفاعية التعطش من الأندفاع الأدائي, نحو تبدلات تلقائية تنتج من جراء نمو المهارة المتتالية بديناميتها المستمرة .. وعليه: فأن الفنان المبدع من صفاته الشاخصة, هي حصول التبدلات في تنوع المراحل وأنطباعاتها المختلفة, ولكنها متواصلة ومستنتجة من حصيلة أرتباط النتائج بالجذور الأعدادية.

ولو عدنا ثانية لنتفحص ما عنوناه بمفهوم المضمون والمرجعيات, فأن التداخل بين المفهومين, يبقى متبادلا, ومتلازما, ليكمل أحدهما الآخر على نحو منسجم, فالمرجعيات التي أستند عليها الفنان هي ضمن أطار البيئة الواقعية الماثلة أمام الفنان, ولكن بمكانات, وأزمنة مختلفة .. فمنها ما يشير الى – البغداديات – سواء في المقاهي, أو البيوت ذات الطراز المعماري المتمثل بالشناشيل, وهي مرحلة ذات أمتداد فلكلوري وشعبي, ومنها ما هو معاصر, كالأهوار والقرى الريفية, أو ما هو يمثل صورة الواقع البدوي والصحراوي, أن تجسيد التكوينات الصورية لتلك المصادر: معنى هذا .. تجسيد لما يستخدموه في حياتهم المعيشية, سواء في الصيد أو العمل, أو, وسائل النقل والكسب, فنلاحظ وجود البساط, والسجاد, بحياكته المطرزة ذات الجمال الفلكلوري الأجتماعي , عبر مراحله التاريخية, أو أدوات الزراعة المختلفة, فضلا: عن نوعية ما يرتدوه من لباس متباين بين الأماكن الثلاث ( الريف, الصحراء, المدن) يمثل أعراف وتقاليد يحفظها الفنان بأداء واقعي تسجيلي, وبدون متغيرات طارئة, لكي تبقى توثيقا تأريخيا, يحكي الواقع الصوري المتمثل به الى مراحل زمنية لاحقة, قد تتغير فيها أصول وأشكال ما يستخدم الآن من ملبس, أو أدوات, كما حصل من تبدلات طارئة عليها عبر سنوات تاريخية ماضية. ولو أجرينا مقارنة بين ما يتوافر الآن من هذه الأدوات والأشكال, مع مضى قبل قرون لوجدنا الأختلافات الواضحة برغم عدم توافر آلات التصوير التسجيلية, أو الرسم الواقعي المتقن , الا بحدود ما متوافر من رسومات الواسطي وغيره. من ذلك نستنتج أن أهمية دور الرسم الواقعي بأصوله الحقيقية دون تلاعب أو تحوير, بقيمه الشكلية, واللونية, يشكل عامل, ورافد متحفي مهم للتراث الشامل, لقد ساهم الفنان (نصير الكعبي) بواقعيته المتقنة هذه, أن يرفدنا بعوامل التوثيق بجانب عوامل التعبير الحالي لهذه المرحلة ومقتضياتها الشعورية والوجدانية .. ففي بعض الاعمال نرى التعاطف, وتبني قضايا أنسانية تستجيب لها المشاعر والتفكير بهذه الاحوال للناس, خاصة ما يتعلق بمستوياتهم الطبقية التي يغلب عليها, العوز, والفقر, والحياة الكادحة, أنها فئات طبقية انتاجية بدورها الأجتماعي, ولكنها منخفضة في مستوياتها المعيشية, والصحية, والخدمية, على نحو يثير التعاطف الوجداني, يتم ذلك: من خلال مرور مرحلة تجسيد الشعور بمرحلته الاولى للإنتاج الابداعي , عن طريق الفنان متجها الى المرحلة الثانية المتمثلة بالمتأمل للنتاج الفني , فنلاحظ على سبيل المثال: رجل منهك القوى يحمل على كتفيه طفلته الصغيرة على كتفه وبيده عصاة للرعي, تسود على ملامح وجهه, جوانب التحدي لقساوة العمل, والبيئة, ممتزجة مع عواطفه, وحنانه, أتجاه طفلته التي يأبى لها السير مشيا عبر وعورة الصحراء وقساوة المناخ, وفي أعمال أخرى طفلة تعلو مكان من الركام وخلفها أفراد من أسرتها, يقفون أمام منزلهم , المتهرئ, والمتكون من الصفيح العتيق, تنظر بعين تكاد تبحث عن مخرج يلوح في الأفق, قد يقودها للخلاص من وضعا البائس, ممكن أن يمنحها بصيصا من الأمل, كي ترسوا بها حياتها المستقبلية, وفي عمل آخر قد تكون – ذات الطفلة – تلوح بيدها للأعلى رافعة خيط طائرة ورقية, تسعى لتحليقها في السماء, لكي تنهض, وتتحدى, ما يحل بها, من وضع بائس, قد تقودها, نحو أفق محلق, فوق أدران الواقع المرير, وفي عمل آخر تتوسط فتاة أبويها الأم والأب, تبتسم بأمل وتفاؤل مشرق برغم ملامح الياس والحزن المطاطئي رؤوسهم نحو الأرض, قد تمثل نزعات الجيل المتمرد على قبول الواقع الرديء. وفي عمل آخر: يمثل تجسيد للجانب الديني, والروحي, الخالص, والمتمثل بشخصية الأمام موسى الكاظم عليه السلام, عندما أرسل له هارون الرشيد جارية لغرض الأيقاع به فأبى ذلك, وأراها في السماء, أفق ما يوعد به من حسناته والتزامه, الذي يتجنب الفواحش, أذ خلق لديها جانب الدهشة, والتحفظ مما وقعت بها. وبجانب آخر تمثل المقهى الشعبية البغدادية, تجسيدا واقعيا متقنا في اداء تفاصيل متعددة من روادها المنهمكين في الأستئناس في ما يدور بين بعضهم البعض من ألفة أجتماعية هادفة, تجاورها أزقة ضيقة, تتراصف على جوانبها, البيوت البغدادية القديمة الزاهية, بسطوحها, وأطلالاتها المزججة من النوافذ ذات الشناشيل في طرازها المعماري.

شارك
المقال السابقالجنوبي الثائر
المقال التالىالفاتورة الاستهلاكية للأطعمة في رمضان
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد