من رزقه الله شكل جيشا


 

من الظواهر المشخصة إجتماعياً في العراق، أن الرّجل الفقير لمجرد أن تصبح حالته المادية جيدة، فإنّه إما أن يشتري سيارة، أو يتزوج على امرأته، ولأنّ حركة المجتمع مستمرة، ومعها حركة التأريخ، الّذي لم يبلغ النهاية “الفوكويامية” بعد، فإنّ إضافات كثيرة حصلت على الظاهرة، أبرزها هي “أنّ من وفقه الله وتيسّرتْ أحواله، يؤسّسُ “جيشاً”، بعد أن يتزوّج على امراته طبعاً، وهنا ربما يشكل جيشه من ذرّية نسوته الأربع، ومن ثمّ يتفرّغ لشؤون المراتب، والأفواج وأرزاق جنوده.

ولطالما سمعنا بجيش الربّ في أوغندا، حتّى أصبحنا أوغنديين أكثر، ولطالما سمعنا “بالجنجويد” في السودان، فإذا بنا نغدو جنجويديين بشكل يفوق الوصف، إلى أن ظهر على الإعلام قبل سنوات، خبر تشكيل جيش، أطلق عليه مؤسّسه “الجيش اللّا دموي”، وكان آخر صيحة في عالم تصاميم الجيوش، وأختيار الاسم، بعد جيوش “دموية” عديدة ظهرت قبله، بمسمّيات مختلفة، وخلفيات عقائدية شتّى، وأحياناً يعرّف الجيش، بالإضافة إلى اسمه، باسم مؤسّسه، فيقال “دكان شحاتة لصاحبه ..”!

أمّا الجيوش الألكترونية، فتلك حكايتها حكاية، وهي حديث المثقفين والسياسيين، الّذين تزايدتْ شكايتهم منها، وصاروا يعتبرونها حرباً رخيصة، وكلّ واحدٍ منهم يبرأ إلى الله من إمتلاكه جيشاً إلكترونياً، كمن يبرأ من إمتلاكه جناحاً مسلّحاً حقيقياً.

هل يعني هذا، أن الجيوش الألكترونية، خطيرة إلى درجة البراءة منها، أسوة ببراءة الأحزاب في الماضي القريب، من إمتلاك أذرعٍ مسلحة؟

هذا واردٌ بالفعل، فجيوش الأمس، لا يخفى مالكوها على أحدٍ، أما الألكترونية اليوم، فإنّ التحقق منهم يتوقف عند توجيه الإتهام فقط، أما التثبت من كون المتهم – وهو سياسي غالباً – مداناً بالفعل، فهذا لم يحصل.

الجيوش الألكترونية، تباغتْ المستخدمين عبر صفحات تحمل اسماً طريفاً، ومحتوىً فانتازياً ومحبباً، يأخذ نكهة شبابية وأريحية، لكن وفي توقيتات معينة، يبدأ دسّ السمّ في العسل، فتهاجم وتسقط وتشهّر، وهنا يصطدم المتابعون الكثر، بالمفاجأة، فيكتبون مخاطبين “أدمن” الجيش، بأنهُ ماكر وخبيث، وأنّهم كانوا يظنونه محايداً وبريئاً!

إن العملية تشبه التحضير، الذي يأخذ نفساً طويلاً لكسب المتابعين، ثمّ وقبيل الإنتخابات على سبيل المثال، يحصل ما يطلق عليه “بالعملية الإستباقية” أو “بدء الحملة الدعائية مبكراً”، غير أن أخطر ما تفعله هذه الجيوش، هو تسريب الوثائق السرية، والكتب الرسمية التي بالكاد وقّعتْ

لتوّها وحملت رقم الصّادر، كلّ ذلك يقوم بهِ سياسيون ونوّاب برلمانيون، بهدف زعزعة الرأي العام تجاه قضية معينة، أو التنكيل بجهة سياسية مناوئة.

إن مجرد كتابة كلمة “جيوش”، في محرك البحث “جوجول”، سيطرح عليك أوتوماتيكياً نتائجه، وهي “الجيوش الألكترونية”، أو “الجيوش الألكترونية في العراق”، فإنّ ظاهرتها طغت على ما سواها، ولأنها تتمّ عن تخطيط أيضاً، فقد أتهم إعلاميون معروفون، بإدارتهم لبعض هذه الجيوش العائدة لهذا السياسي أو ذاك، مقابل مرتبات شهرية عالية.

بعد سنوات من الحروب، والخدمة الإلزامية، آل المطاف بالعراقيين، إلى زوبعة الجيوش الألكترونية، لكنّ ما يريحهم هذه المرّة، أنّ أحداً لن يطلبهم لخدمة الإحتياط!

لا تعليقات

اترك رد