حوار مع الشاعرة التونسية سونيا الفرجاني


 

حوار مع الشاعرة التونسية سونيا الفرجاني :
عن فراشات هاربة من دكاكين مخلوعة الأبواب

سونيا الفرجاني، ابنة تونس التي وجدت في “جزيرة جربة” مكان عيشٍ يلهمها. هي أستاذة تاريخ وأم، تكتب الشعر باشتعالة “امرأة بني باندو”، وتنسج في الدهشة “فساتين الغيب المزررة”، بعد قبلة اشتياقٍ سرمدية، في “صباح الخزامى”.
بالنسبة لها: “الشعر مختبر حرائق وعلاقة يومية بيني وبين تفاصيل أقتصّ بها من هشاشة اللغة”.
أصدرت ثلاث مجموعات شعرية، أو ما تقول هي عنه: “حمم سونيا التي لا تنطفئ”. ترى ان “تحديد عنوان للنص هو تقزيم له”، وتؤكد: “الصمت طقسي الوحيد- أكتب وألفظ نيراني ككائنٍ قديم منقرض”، على ان قصيدة نثر تكتبها، باندهاشة “فراشات هاربة من دكاكين مخلوعة الأبواب”.
تتحدث الفرجاني إلى “الصدى نت” عن طقوس الكتابة ومشهدية التفاعل الثقافي، تونسياً، وعن جائزتين وطنيتين نالتهما، وتجربة إذاعية خاطفة، وعن شعر اليوتيوب وعالم السوشيال ميديا، كما تتطرق إلى بيت محمود درويش في تونس، الذي أسسته قبل سنوات، وأمنيتها ببعث “مهرجان متوسطي للشعر” ومواضيع أخرى.

*البداية مع الشعر والكتابة؟
-لا أعرف تماما كيف ومتى بدأت الكتابة، ولكن كنت في سباق شديد بيني وبين مقتضيات اللغة، فمنذ أن حاولت أولى نصوصي وسميتها شعرا كنت أعارك المعنى وأبحث فيه عن أجنّة مبتكرة تشبهني بصيغة ما. الغريزة ربما قادتني إلى الشعر، فاختبرتني الحياة بجيناته واختبرتها من خلاله.. الشعر مختبر تكثر فيه الحرائق، والخلطات العجيبة ويعمّه الدخان، وهو أيضا كائن عملاق يشبه أخطبوطا ضخما بمجسات قوية، التقطتني وركلتني في دوامة الأزل التي تبدأ بالشعر وتنتهي به. لا زمن للشعر ولا زمن فيه.. هو عالم حقيقي صعب المنال عسير الشرح. الشعر بالنسبة لي هو عرق روحي ورشح جسدي، هو تلك العلاقة اليومية بيني وبين التفاصيل التي أقتنصها من العالم حولي وأقتصّ بها من هشاشة اللغة. يصعب جدا أن نتذكر ملامح طفولتنا الشعرية وربما لا توجد طفولة شعر وكهولة شعر وشيخوخة شعر. الشعر ليس كائنا إنه كامن… الكامن ينمو، يتمدد، كالحب… ورغم ذلك، فإني أظل أتذكر دائما أن للروائي الراحل محمد العروسي المطوي دوره العظيم في منحي مسافة الأمان حين كنت أراسله طفلة وأكتب له أولى محاولاتي وكان يجيب برسائل بخط يده مطولة مفصلة مازالت بحوزتي ويعلن لي فيها بكل ثقة انه سيكون لي شأن في الشعر يوما ما.

*حصلت على جائزتين شعريتين وطنيتين في تونس: حدثينا عنهما؟
-شاركت بمجموعتي “امرأة بني باندو” مخطوط وفازت بجائزة المخطوط في مسابقة الدكتور عبدالقادر بالشيخ بولاية زغوان وحين صار الكتاب منشورا شاركت به في مسابقة محمد الحليوي للأدب والابداع في القيروان في دروتها الأولى وفزت بالجائزة مناصفة.

*ما الذي تضيفه الجائزة للمبدع، برأيك؟
-ليست الجوائز التي نحصدها من المهرجانات هي معيار قيمة، ولا عدد الكتب التي نصدرها. أشارك لأقاوم أصواتي المضادة. أنا مؤمنة بأن بيتا واحدا من الشعر قد ينقذني من الزوال التام، وليس إسمي في قائمة جوائز المهرجانات.. مازلت أبحث عن هذا البيت الذي سيؤمني وأسكنه.

*أصدرتِ ثلاث مجموعات شعرية حتى الآن: صباح الخزامى 1998، امرأة بني باندو 2016، فساتين الغيب المزررة 2018.. ما الذي حملته هذه الطلوع الشعرية؟
-كيف أحدثك عن حمم خرجت مني ولم تنطفئ؟ أنا أكتب وألفظ نيراني ككائن قديم منقرض، وعلى المتلقي بعد ذلك أن يكشف عن ترسّبات ما بعد الانفجار وتسريباتها.. فأنا لا أستطيع فرز الشعر من غيره. بعد الكتابة أصاب بحالة خوف وحيرة وفوضى. الأمر في غاية الصعوبة بالنسبة لي، ولا أستطيع أن أتحدث عما كتبت ولا حتى أن أجنّسه، هي في النهاية فراشات هاربة من دكاكيني المخلوعة الأبواب. “صباح الخزامى” سبق “امرأة بني باندو” بأكثر من عشرين عاما وهو حالة كتابة أقل ثورة من حالة كتابة امرأة بني باندو الذي ربما يلخص سيرة ذاتية لكثير من نساء الأرض.

*قرابة 20 سنة بين “صباح الخزامى”، و”امرأة بني باندو”.. كيف استفدتِ منها في الاصدار الثاني؟
-الفترة الطويلة بين الاصدار الأول والثاني كانت ضرورية على مستويات متعددة: أولها اني كنت بحاجة لوقت متفرد فقط لتربية الأطفال والإعتناء بعالمهم الدقيق والخصب. في تلك الفترة لم يكن من السهل أن أكون ممزقة بين كائنين مختلفين كائن من لحم وكائن من نور. الأمومة غلبت وقدمتُ تلك السنوات للأطفال كي لا أظلم النص ولا أظلمهم. أيضا في تلك المرحلة كانت علاقتي بالعالم تتسع وتتضخم وتكبر وتستوعب شيئا فشيئا مزاجية الكون لعل “امراة بني باندو” مرحلة الخروج من طفولتي إلى نشوئي الأرقى.

*عناوين سونيا الفرجاني مدهشة وعميقة وفضاء منفرد وأنيق (بالنظر إلى مجموعاتك الثلاث وحزمة نصوص قرأتها لك).. ماذا عن العنونة لديك؟
– أصعب مراحل الكتابة هي مرحلة انتقاء العنوان. غالبا ما أجد ان في تحديد عنوان تقزيما للنص لذلك كثيرا ما أصاب بالاكتئاب عندما أضطر للعنونة خاصة حين أبلغ مرحلة الطبع اختيار عنوان الديوان أمر دقيق للغاية وضروري في حين عنونة القصائد مسألة فيها خنق حاد للنص. لا أترك عناوين المجموعات لردة فعل العقل الذي يرتب ويختار وينتقي لا أفعل ذلك أبداً.
كل العناوين حتى الآن كانت كتلة سميكة من المعنى تجمعت دفعة واحدة وتشكلت على هيئة عنوان يجسّده لا وعي فجائيّ ويفرضه دفعة واحدة على هيئة سطر أو كلمات. “صباح الخزامى”، جاء إثر حالة شوق مفرط لأمي التي تعشق عشبة الخزامى حين كنت طالبة في الجامعة. “امرأة بني باندو” تجمّع ضخم لمجرات أحداث متسارعة في منطقة الروح والسكن بن باندو. “فساتين الغيب المزررة” نزلة برد شديدة الحمى أصبت بها بعد مراحل من التنقيب في عوالم أخرى أسميها مسافة تكوين حيث تتواجد جنيات الكتابة وجيناتها.

*ما هي طقوس سونيا الفرجاني لكي تكتب شعراً؟ من يراود الآخر أنت أم القصيدة؟
-لا يجب أن نفكر في كتابة الشعر. الشعر أضواء تهبط من علياء تتناثر وتتوزع من حيث لا نعرف ولا ندرك. التفكير في القصيدة يجعلها خزفا وصنعة ومعدنا وكل الصنائع تكسر وتعوج. القصيدة الكبيرة الحقيقية لا نفكر فيها، نعيشها ونشعها في اللغة معنى ونقرأ رنينها على ضفاف غيب. لا توجد لحظات محددة في حياتي. أنا مصاصة شعر ومفترسة للتفاصيل. أعيش بالقراءة وبعض الكتابة
أحوّل كل ما حولي إلى جزيئات دقيقة قد تكون أصغر من الذرة المجهرية. أتعايش مع العالم بصيغ متعددة تجعلني أوثق نفسي أو أكتب تاريخها وتاريخ ما لا يرى بالعين المجردة. هذا العالم هارب وليس للأرض باب لأغلقه وأرصد الحركة فيه بتأنّ ولكن أنا أغلقت الأبواب والنوافذ التي أراها بمجهري وأحاول تجميع الشيء واللاشيء في أكياس روح تنزف أحيانا وترشح فتتكاثر حتى تتشكل على هيئة شعر أو ما أراه شعرا. أحتاج صمتا مطبقا حين أكتب وهذا، عادةً، غير متاح أو متقطع وهو ما يسبب لي حالات اكتئاب أعرف وحدي حدتها وتأثيرها الثقيل على داخليتي.

*أسست بيت محمود درويش وأنت مديرته في جربة.. حدثينا عن البيت الفكرة والنشاط؟
-بيت محمود درويش للشعر بجزيرة جربة، حلم قديم تحقق ولابد أن نصر على استمراريته رغم الكثير من العقبات. نسعى في بيت محمود درويش إلى الإطلاع على التجارب الشعرية العربية الحديثة والاحتفاء بأصحابها ونصوصهم سواء بالحضور أو الغياب، ونقدم أيضا شعرا عالميا من خلال مناقشة دواوين أصحابه ومحاولة الغوص في أعماق أسرارها فنيا وبنيويا، ننظم أمسيات شعرية دورية ولقاءات شهرية لأعضاء البيت ورواده. نطمح جاهدين منذ التأسيس إلى بعث مهرجان متوسطي للشعر يحمل اسم بيت محمود درويش علما وان البيت تأسس في 20 سبتمبر 2014 الذي يوافق ذكرى ميلادي.

*عملتِ في الاعلام، في إذاعة أوليس إف إم.. حدثينا عن هذه التجربة؟
-في الحقيقة كانت تجربة مهمة جدا وأضافت لي في مرحلة كنت فيها أكابد عناء الهروب من الكتابة والتفرغ لتربية الأطفال. العيش خارج الشعر قاتل ومرحلة الاذاعة كانت فرصة لتخفيف وطأة غيابي عن الكتابة وتعويضها بالتنشيط والحديث في الشعر وحوله.

*مواقع التواصل الاجتماعي.. ما الذي أضافته لك؟ وهل فعلاً تسهم في تحفيز المبدع؟ وهل لها من سلبيات؟
-آمنت دائما بان مواقع التواصل الاجتماعي ليست عالما افتراضيا بقدر ماهي عالم فضفاض واسع حد العجائبية بحيث يجعل نصك قابلا للقراءة في نفس الثانية في كل أنحاء العالم. العالم الان خارطة مغارة لما يتواجد على رقعة الجغرافيا وأنا المختصة في التاريخ والجغرافيا أيقنت ان التوزيع الحقيقي لكتل القارات ليس حتما ما تعارف عليه العلماء بقدر ما تعارف عليه الناس الان من تقزيم للمسافات وربما حتى نفيها الكم الهائل من الكتابات التي تنتج على هذه الصفحات هي علامة صحية بامتياز.
ليس دورنا الان أن نقيم ما يكتب أو نقلل من شأنه، الكتابة بهذا الاسهال ليست بالضرورة حالة فوضى بقدر ما هي علامة سلامة صحية على محيّا اللغة والمعنى وفي عالم الأدب والشعر. في النهاية الابداع الأقوى سيمكث أكثر، والمتبقى سماد ضروري لنمو سليم لأشجار وارفة.

*المشهد الثقافي التونسي، اليوم، كيف هو؟
-الحركة الثقافية في تونس بخير شأنها شأن كل العالم العربي تقريبا. الثقافة تقتات من الفنون التي تتكاثر كالأزهار كما تقتات من التاريخ. لا يمكن لحضارة أن تستمر أو دولة دون أن يكون رساموها ونحاتوها وشعراؤها ومبدعو المسرح فيها والسينما على موعد مستمر مع العالم. الفنون سبقت الدول لذلك لا يمكن لها أن تخفت في أي جزء من الأرض بغض النظر عن مقدار جودتها. كل الفنون التي تقدم ثقافة حية بتونس هي بخير وتنمو مع نمو تغيرات التاريخ.

*ثمة قصائد صوتية لك في يوتيوب.. كيف وجدت هذه التجربة الالكترونية؟ ماذا عن جمهورها؟
-نعم لي قصائد عديدة صوتية مسجلة لكنها حتى الان لم تحقق نسبة الاستماع التي تصورت. العالم يحبون الصورة والموسيقى، والشعر غالبا لا يحقق لهم هذا، أو ربما علاقتهم به لا تفتح لهم شهية الانصات له.
لكن رغم ذلك، هناك متابعون جادون يجدون في تلك القصائد ملاذا آمنا وطريقة تجعلهم أقرب إلى النص بصوت شاعرة. كثيرا ما وصلتني رسائل شكر واعجاب على هذا الجهد في نشر تسجيلات صوتية تذلل المسافة في عدم القدرة على مواكبة أمسياتي الشعرية.

*حياة بلا فيسبوك.. كيف ستكون؟
-ستكون حياة بالشعر. الشعر هو فن الانسان الأول والأخير.

المقال السابقصفعة بنفسجية
المقال التالىالقدس لا تنتظركم بعد اليوم !
صدام الزيدي شاعر وإعلامي يمني، عضو نقابة الصحفيين اليمنيين، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عضو هيئة تحرير مجلة نصوص من خارج اللغة الصادرة من العاصمة المغربية الرباط، محرر بموقع فضاءات الدهشة الأدبي العربي.. فائز بجائزة رئيس الجمهورية في الشعر بمحافظة المحويت، صدر له في 2010 "صوب نخّالة المطر"، ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد