هل تعود هيمنة أمريكا إلى سوريا بعد مرحلة تردد ؟

 

منذ أن شنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على أهداف تابعة للنظام السوري في أبريل 2018 ردا على استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية في دوما، عندها أرسلت روسيا رسائل مختلطة، لكن الموقف الروسي لم يتجاوز الخطابة، بل الأكثر من ذلك نقلت روسيا وحتى النظام السوري معداتهما العسكرية من القواعد العسكرية التي توقعا أنها أهداف محتملة، كما توقفت الغارات الجوية الروسية لتجنب حدوث تصادم مع الطائرات الأميركية، لكن الهجوم سلط على إمكانية صياغة خطة سلام لسوريا، وهو ما يعتبر قلق لروسيا، رغم ذلك لا توجد حتى الآن استراتيجية أميركية واضحة في سوريا.

ما يهم الولايات المتحدة أنها أشعرت روسيا أنها لم تنتصر في سوريا، وأن أي خطوة للسلام لا يمكن أن تتخذها في سوريا سوى الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى المتبقية في العالم وأن لها الحق في الضغط على روسيا وأن عليها أن تطيع أوامر الولايات المتحدة إما طواعية أو إكراها خصوصا وأن روسيا لا تود الصدام مع الولايات المتحدة في سوريا.

سر إخفاق مناطق خفض التصعيد في سوريا التي عجزت عن العمل كآلية فاعلة لوقف إطلاق النار بعدما أكمل عامه الأول في مايو 2018 بعد جولات أربع من المحادثات في استانة، لكن يكشف الهدوء في جنوب سوريا وداخل محافظة حمص لم يكن لها صلة بمحادثات الثلاثي في استانة بسبب اهتمام الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن وقف أعمال القتال بالجنوب السوري العامل الحاسم.

أصبحت الدول الراعية لاستانة بين روسيا وإيران وتركيا، وعمان بين الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن، وجنيف، والقاهرة، والرياض، رغم ذلك كان من شأن الدعم الكامل الذي أولته إيران النظام السوري للخطط الهجومية مقابل العجز الكامل من روسيا وتركيا عن الاضطلاع بدور الرعاة المحايدين فيما يخص تنفيذ الاتفاقات التي وقعوها، ما يعني أن روسيا الوسيط الرئيسي في عملية السلام في سوريا فشلت في حل أي من المشكلات خصوصا من قبل إيران التي تسببت في مزيد من تمزيق صفوف المعارضة السورية وهو ما بدا ضرورة ظهور مسألة فرض حماية خارجية على مناطق بعينها داخل سوريا.

أصبح النظر إلى مناطق خفض التصعيد باعتبارها أنه عفا عليها الزمن، وإلغاء مناطق خفض التصعيد يعني إخفاق أو اعتراف الدول الراعية بعجزها عن إعادة دفع عجلة عملية السلام بمفردها، خصوصا وأن روسيا لم تتنبه أن الولايات المتحدة والسعودية لن تقبلا أن تكون إيران شريك أساسي في عملية السلام في سوريا، وهناك شكوك حول وجود القوات التركية في سوريا.

بعد مرحلة دراسة تحويل سوريا إلى مناطق نفوذ بين روسيا وإيران وتركيا، وهو ما يجعلها بعيدة عن التوصل إلى حل سياسي في سوريا، رغم أنها حاولت مناقشة دستور جديد لسوريا في سوتشي لتضفي صبغة سياسية حول مستقبل سوريا، لكن الريبة والتشكيك إزاء هذه الدول الراعية خاصة روسيا التي شاركت بنشاط في العملية العسكرية التي شنتها قوات حكومية في الغوطة الشرقية ووفرت دعما جويا لها لم تعد وسيطا محايدا.

ما يعني أن استانة يجب أن تتحول من منتدى عسكري إلى منتدى سياسي، ولكن حتى المنتدى السياسي لن تقبل به الولايات المتحدة بسبب مشاركة إيران فيه التي تعتبرها الولايات المتحدة والسعودية أن إيران تتدخل في الشأن العربي وهي تطالبها بالخروج من المنطقة العربية ليس فقط الخروج بل وتفكيك أذرعها، كما لن تقبل أمريكا أن تتحول استانة إلى بديل لجنيف.

ولمواجهة التمدد الروسي أعادت البحرية الأميركية تفعيل أسطول مسؤول عن مراقبة الساحل الشرقي وشمال المحيط الأطلسي في تصعيد واضح لاهتمام وزارة الدفاع بتنامي قوة روسيا ووجودها العسكري الآخذ في التمدد، وكان الأسطول قد جرى تجميده في عام 2011 بهدف توفير نفقات لبناء سفن جديدة.

تعتبر الولايات المتحدة تفعيل هذا الأسطول استجابة ديناميكية لبيئة أمنية ديناميكية، وفي ظل هذا التنافس بين القوى العظمى وتحول الأطلسي إلى مسرح ديناميكي خاصة القطاع الشمالي منه، بسبب أن هناك منافسات استراتيجية طويلة الأمد مع روسيا والصين التي تشكل كبرى أولويات وزارة الدفاع الأميركية هذا التحرك يأتي بعدما تمكنت روسيا والصين من سد الفجوة التكنولوجية بينهما وبين الولايات المتحدة عبر أسلحة أحدث، والذي مكن روسيا من احتلال شبه جزيرة القرم وشن هجمات الكترونية وتدخلها في انتخابات جرت في أمريكا وأوربا.

يأتي تفعيل هذا الأسطول من أجل حماية الساحل الشرقي للولايات المتحدة من الغواصات الروسية النووية من طراز كي 329 سورفرزدنسك المجهزة بصواريخ مضادة للسفن والصواريخ النووية التي تستطيع الوصول إلى الساحل الشرقي والقادرة على زرع الألغام بأعداد كبيرة مما يعقد محاولات وجود حلفاء قوات الناتو.

خصوصا وأن روسيا استعرضت عضلاتها العسكرية في الساحة الحمراء وذكر بوتين بأهوال الحرب العالمية، وقال إن العالم يواجه صفات قبيحة مماثلة، وموسكو مصممة على استكمال بناء وتحديث قدراتها العسكرية بصفتها ضمانة أمن البلاد وردع من يحاول النيل من سيادتها وقدراتها ويعتبر أن ما يحدث اليوم هو لشطب إنجازات الشعب الذي أنقذ أوربا والعالم من العبودية والإبادة وأهوال الهولوكوست.

رغم ذلك هناك تراجع روسي مريب بشأن إمداد سوريا بصواريخ إس-300 بعد ضغوط تلقتها روسيا من إسرائيل في ظل التصعيد العسكري في سوريا من قبل إسرائيل ضد التواجد الإيراني في سوريا، وبعدما كانت روسيا تراها ضرورية بينما اليوم تراها غير ضرورية.

كما أن أميركا تقطع الطريق على المطامع التركية في منبج وتقيم قاعدة جديدة في منبج بعد تهديدات تركيا بشن عملية ضد البلدة، وتضم القاعدة الجديدة قوات فرنسية كذلك، وتأسست هذه القاعدة بعدما شنت قوات تركيا على عفرين وتزايد التهديدات التركية وحماية الحدود الفاصلة بين قوات منبج العسكرية وقوات درع الفرات المدعومة من تركيا، ما يعني عودة أميركية إلى سوريا أوضح مما كانت عليه من قبل.

لا تعليقات

اترك رد