النفـــــــط، تحليل للسوق – ج2


 

مقدمـــــــة لابد منها ايضا !

سنتناول في هذا الجزء الاحداث التي اعقبت 1973/74 او التي تسمى ارتفاع اسعار النفط. وهنا ادون قناعتي التي ساسندها ضمن المقالة بان، ومع كل الاسف، هناك قناعة جمعية حتى ضمن صفوف القوى السياسيه بان تلك الارتفاعات في اسعار النفط كانت فعل سياسي مجرد . صحيح هناك فعل سياسي استغل احداث معينة لاحداث طفرة في اسعار النفط، لكنه كان رد فعل وليس عمل سياسي مدروس بحيث جعل دول الابك، حكومات طبعا، تقف مبهوته لا تدري ماذا تفعل بتلك العوائد الدولاريه الهائلة التي بدات تتوافد عليها وكانت اضخم بكثير من حجم خزائنها فاعيدت للتدوير في السوق العالميه . وكي نفهم احداث 1973/74 لابد لنا ان نفهم المتغيرات العالميه لما بعد الحرب العالمية الثانية ولحد يومنا الحالي.

التغيرات الجوهرية لما بعد الحرب العالمية 2.

قبل الحرب العالمية الثانية كانت النفط يسعر بالاسترليني، عملة بريطانيا العظمى فعلا ان ذلك، الدولة التي استعمرت اكثر من نصف العالم من اجل الحصول على المواد الاولية الضرورية لصناعاتها الرائدة ان ذلك . بكلمة اخرى ان تطورها الداخلي مدين بشكل كبير الى استعمارها لمصادر الطاقه. الا ان بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية ليست بريطانيا قبل الحرب، فقد ظهرت منهكة هي وفرنسا مقابل تنامي قوة الولايات المتحدة . لهذا تراجع دور الاسترليني على الصعيد العالمي ولم يعد باستطاعته تمويل التجارة العالمية بسبب نقص الذهب في الخزائن البريطانية، مما قيد يديها في اصدارات كبيره للاسترليني لتجعل من التجارة الدولة بالمواد الاولية تسير بشكل هادئ، مما مكن الدولار من ازاحة الاسترليني من امامه، ليصبح سيد التجارة العالمية.

بتصوري هناك عاملين اساسيين لهيمنة الدولار الامريكي على التجارة الدولية. الاول: ان الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية كانت تتطور داخليا دون الحاجة الى السيطرة على المواد الاولية في العالم، فعلى سبيل الحصر كانت تعتمد على نفطها في تمويل حاجتها من الطاقة الى ان توقفت تلك الابار الرخيصة الكلف عن الانتاج وكانت اسعار النفط الخام خارج الولايات المتحدة ارخص من انتاج نفط الولايات المتحدة فتسابقت شركات النفط على حقول وابار النفط خارج الولايات المتحدة .

الثاني: لغاية 1971 وتحديدا أب/13 كان الدولار العملة المغرية في التجارة الدولية و لاعتماده كارصدة لعملات البلدان الاخرى لقوتة النابعة من رصيده الذهبي حيث كان الدولار الواحد =0.9 غرام ذهب تقريبا. بمعنى ان اي حامل للدولار كان يستطيع الحصول على اقل من غرام واحد من الذهب من الحكومة الامريكيه، وكان ذلك مسجل على العملة الورقية الامريكية ان ذلك . بعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تمتلك نصف احتياطيات العالم من الذهب والذي بلغ 574مليون اوقية ذهب ( علما ان في تعاملات المعادن النفيسه فان الاوقية تساوي 31.103 غرام ) وهذا ما جعل الدولار يحمل قوة اقتصادية كبيرة لغاية 13/أب/1971 . في هذا التاريخ اعلم نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب مما جعل ايه عملة يتحدد سعرها عبر علاقتها مع العملات الاخرى، كما نشاهد يوميا الان جداول اسعار صرف العملات تجاه بعضها البعض . وفيما يتعلق بموضوعنا النفط في الاسواق فان هذا التحول الجوهري على الصعيد العالمي جعل مداخيل البلدان المصدرة للنفط غير ثابته و تتاكل. وهذا ما سنجد اثاره السلبية على البلدان المصدرة للنفط ضمن هذا الجزء.

ليلـــــــــــــــــــة 1973 .

ابرز ما حدث في ستينيات القرن الماضي، في مجال النفط، هو تاسيس منظمة احتكارية لمنتجي النفط سميت اوبك أعضائها من الحكومات وليس قطاع خاص ، فالاعضاء هنا يخضعون للعوامل السياسية وليس عامل الربح فقط كما في القطاع الخاص. هذا العمل جعل من اتخاذ القرار بما يتعلق ” بسلعة ” هي النفط اصبح اكثر تعقيدا في عالم يزداد تعقيدا. فالدول الاعضاء في الاوبك لا تتطابق تطلعاتهم السياسيه ولا مستوى علاقاتهم و موقعهم في العلاقات الدوليه( سنتناول لاحقا البعد الاقتصادي لاختلاف بين الاعضاء).

وكي نفهم الضعف والتقلبات في عمل الاوبك يتوجب العودة لتحديد مفهوم الاحتكار اقتصاديا قبل الدخول في تفاصيل اقتصادية مهمة اخرى. احتكار يعني ان عدد محدد “قله” تسيطر على سلعة معينه وتحدد سعرها حسب مصالحها، وهذا السعر يتحدد اما عبر عدم تحديد كمية الانتاج وترك السعر يستقر عند مستوى معين، او العكس. اي تحديد السعر وتترك الكمية تجد مستقرها . والواقع يطرح قضية اخرى لا تقل عن ما اشرنا له هنا عامل الجذب للسعر المرتفع والمحدد من قبل الاحتكار . فعندما يكون هامش الربح مرتفعا فان ذلك عامل جذب لدخول شركات جديده من خارج الاحتكار الى نفس النشاط الاقتصادي.

قبل تاسيس الاوبك كانت الشركات الاحتكارية تسيطر على كامل سلسلة انتاج النفط ، الاستكشاف والاستخراج والنقل عالميا ومعالجة النفط اي المشتقات واخيرا البيع للمستهلك النهائي. تاميم الدول المنتجة للنفط كان فقط في مجال الاستخراج، وتركت الحلقة الاولى، الاستكشاف ، والحلقة الاخيره البيع للمستهلك النهائي تحت سيطرة الشركات الاحتكارية ” واني افضل تسميتها بالعالمية استنادا الى مجال نشاطها و ملكية راس مالها بالاخص بعد ثمانينيات القرن الماضي ودخول شركات جديده روسيه صينيه ماليزيه تركيا، بمعنى اخر لم يعد لاحتكار القلة من وجود” .

وما زلنا في اطار عرض النفط. بين الاعوام 1948-1973 تعالت المناشدات من اجل ايقاف تزويد النفط عن الدول التي ساندت اسرائيل، وتتالت المناشدات اثناء الحرب الثلاثية على مصر و اثناء حرب 67 أكتوبر، الا ان جميها فشل او على ابعد تقدير كان له تاثير محدود . ففي 1965 “مثلا” لا “حصرا” قامت الولايات المتحدة بتعويض بريطانيا و فرنسا عن النقص في تزويدهم بالنفط من انتاج نفطها الخاص، اي المنتج في الولايات المتحدة. هذا من جهة، ومن

جهة اخرى كان اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الاوسط قليل.

السبب الاخر لفشل جميع حضر او قطع النفط لما قبل 1973 هو انه لا يمكن لاي حضر لنفط الشرق الاوسط ان ينجح من دون مشاركة المنتجين الكبار ان ذلك، وهم السعودية و ايران، حيث ان حصتهما من مجموع انتاج نفط الشرق الاوسط تصل الى ثلثي انتاج ذلك النفط. وقبل ترك جانب العرض النفطي لا بد ان ادون التغير الدراماتيكي السعودي معبرا عنه من قبل شيخ يماني .ففي بداية عام 1973 قال الشيخ يماني ان ” يمثل النفط ارضيه للتعاون مع الغرب ” . ولكن بعد ذلك حتى السعودية اصبحت تربط النفط بالسياسه، ففي زيارة الشيخ يماني الى واشنطن في نيسان 1973 ربط لاول مرة بين النفط و اسرائيل، وحسب قول الواشنطن بوست وصفت ذلك بان السعودية بدات تخضع لضغط الحركات الفلسطينيه و الانظمة الراديكالية العربية.

ساكتفي بهذا القدر من الايجاز لجانب العرض لانتقل الى جانب الطلب

لنبدأ بالارقام.

في عام 1950 كان استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة والمشبع من الانتاج المحلي يساوي 5.7 م/ب/ي ( مليون برميل يوميا) بينما من المستورد فانه 0.6 م/ب/ي

. في عام 1973 وصل اعتماد الحياة في الولايات الامريكيه على النفط المحلي 10.4 م/ب/ي اما على المستورد فقد قفز الى 6.1 م/ب/ي اي بمعدل 17 ضعف . اما في اوربا الغربيه فقد اعتمدت على 60% من احتياجاتها النفطية على النفط المستورد في 1973.

في اكتوبر 1973 وبعد قطع النفط ارتفعت اسعار النفط من 3.01 $ الى 5.1 $ للبرميل للنفط العربي الخفيف . وهذا يعني ارتفاع العائدات الحكومية من 1.77$/برميل الى 3.05$/برميل.

من هذا يتبين ان في لحظة انطلاق المقاطعة النفطية، كانت الظروف الموضوعية مواتية كما يقال في السياسه، لم تكن السوق النفطية في حالة توازن بل كان العرض اقل من الطلب ، والسبب في ذلك هو الخلل في العلاقة بين السعر- هامش الربح- الاستثمارات . فعندما كان السعر متدنيا فان الابار عالية الكلفة تخرج من الانتاج ، وهذا ما حدث للابار في امريكا. كما وان السعر المتدني للبرميل الواحد ادى الى ابتعاد الاستثمارات عن مجالات الطاقة عموما والنفط خصوصا .

توحيد المتنافرات

في 1961 تاسست منظمة الاوبك من عدد من الدول المنتجة للنفط، تتميز بكونها دول ناميه تقع في اسفل سلم التقسيم الدولي للعمل، ومن الناحية السياسيه تنقسم حسب انقسام المجتمع الدولي الذي يهمنا في هذه المقاله كل ما يتعلق بالنفط عسلعة ستراتيجية دولية تحدد اسعاره في الاسواق العالميه بالدولار تحديدا .

ما ان ارتفعت اسعار النفط حتى وجدت الدول المصدرة له نفسها امام مشكلة التعامل مع تلك العوائد الهائلة فلا نظامها المصرفي المتخلف ولا اقتصادياتها النفطيه المتخلفة ايضا كانت قادره على امتصاص تلك الفوائض الماليه، فاعيد دوران تلك الاموال الى الاسواق العالميه على شكل ودائع لدى البنوك العالميه مما اضاف مقدرات مالية هائلة لتلك البنوك لم تكن تحلم بها. مما ادى الى ظهور ظاهرة جديدة عالميا وهي ان البنوك الخاصة تقدم قروض لحكومات كما للارجنتين .

لا تتساوى البلدان المصدرة للنفط مع بعضها في قضيتين مهمتين

الاولى درجة كثافة النفط بمعنى جودته من ناحيه كلف تكرارها فهناك على سبيل المثال العربي الخفيف وهناك العربي الثقيل . وعادة سعر الخفيف في السوق هو الذي يحدد السعر المتداول . وباليات السوق فان ارتفاع اسعار النفط الخفيف يودي الى الاستثمار في الثقيل لانه يصبح مربحا، وذلك ناتج عن ارتفاع الهامش الربحي بين الكلف وسعر البيع.

الثانية الاختلاف الكبير في حجم الاحتياطيات النفطيه . فالدول الممتلكة لاحتياطيات نفطيه كبيره ترغب في استمرار اعتماد السوق على النفط لاطول فترة ممكنه ولها فان السعر المرتفع للنفط يضر بمصالحها، لان ارتفاع اسعار النفط يؤدي الى زيادة الاستثمارات في بدائل الطاقه، المتجددة مثلا، وفي حقول النفط عالية الكلف، كالنفط الصخري في امريكا في السابق.

تسعير النفط عالميا بالدولار خلق مشكلة للدول المستوردة للنفط . فاذا كانت اسعار صرف عملتها تجاه الدولار مرتفع فان كلف استيرادها للنفط تخضع لهذا الترابط . مثلا اذا كان الدولار يساوي 115 ين ياباني فان كل برميل للنفط تستوره اليابان تكون كلفته تساوي سعر صوف الين/دولارمضروب في سعر البرميل .

لغاية منتصف الثمانينيات كانت هذه المتنافرات غائصة في القعر، لكنها كانت تنمو كاي ضاهرة تحتاج لزمن كي تحكم . في النصف الثاني من الثمانينيات سقطت اسعار النفط من عرشها رغم وجود حرب ضارية بين دولتين منتجتين للنفط واساسيتين في الاوبك هما العراق و ايران . وقبل الانتقال الى المرحلة الثانية، اي النصف الثاني من الثمانينيات، كان توقع ثعلب السياسة الخارجية الامريكيه كيسنجر ان الحرب العراقية الايرانية قد تقود الى ان تصل اسعار النفط الى ما فوق 160 &/برميل، وذلك لم يحدث .

نحتاج لالتقاط النفاسنا كي ندخل مرحلة النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي و تحجيم انتاج النفط العراقي ورغم ذلك، او بتعبير اكثر دقة، ورغم كل ذلك استمرت الاسعار بالانخفاض وهذا سيكون موضوع الجزء 3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمكن الرجوع الى مزيد من العلومات عن اوضاع العرض والطلب النفطي قبل 1973 بالرجوع الى اطروحتي للدكتورا والتي كانت بعنوان الدولار النفطي

لا تعليقات

اترك رد