هل حقاً ستكون الحكومة أبوية ؟ وهل يقر الشعب نظاماً أبوياً !؟

 

إهداء: إلى دعاة الإصلاح التدريجي وتحالف الأضداد.

توطئة: يرى (بعضُ) حَسَنِي النية أنّ هذا الطرف أو ذاك من قادة أجنحة الطائفية قد تغيَّر وبات (مدنياً) يتبنى مشروعَهم أو يمثل مقترباً منه، بالإشارة إلى مشروع بناء الدولة العلمانية الديموقراطية؛ مما لم يقرّه نفسُ الجناح الطائفي، بتقلبات تصريحاته بين اعتماد مشتركات (الوطنية) لا العلمانية و (الإصلاحية) لا التغيير ومنطق الحكم (الأبوي) لا (الديموقراطي)…ومن ثم يظن ذاك (البعض) بل يتوهم إمكان تحقيق التغيير في البلاد عبر تسويق تحالف مع الجناح الطائفي إياه فضلا عن تبني مصطلح (إصلاح) بمحمولات الجوهر المسموح به راهنياً المحدَّد بـ(ترقيعات تبييض خطاب الطائفية) لا أكثر، أي ما يقع على حساب تطلعات الشعب في التغيير…

معالجة:

بالأمس يوم خرج علينا تحالف (خلطة التناقضات )، أعلن ممثل الجناح الطائفي إياه، أنه هو من أدار ويدير كلَّ شيء، وأنه هو من يقرر ويفاوض وأن دعم (الزعيم) الديني هو تحصيل حاصل لا يؤثر سلباً إذ لا يتدخل باشتغالهم الحزبي، واليوم لم تمضِ مدة طويلة على ذاك التصريح لنشاهد أنّ من أسموه القائد الوطني هو من يفاوض وليس غيره؛ إنه هو من يباشر الاشتغالات السياسية بشأن تشكيل الحكومة.. وهو إذ يمارس ذلك لا يبتعد عن حقيقة مكانه ومكانته حتى تجاه الحزب أو التيار الذي دفعه إلى الواجهة، ولهذا فهو من يحسم الموقف، بتصريحه أن الحكومة ستكون (أبوية) لكل العراقيين!

وبغض النظر عن سياق التصريح وزمكانيته أو ظرفه؛ وبغض النظر عن مضمون التصريح من حيث توجيه معناه الفكري السياسي وقصدية استخدامه، فإنّ المعنى الاصطلاحي والمقصد المتأتي من النظام (البطرياركي) الأبوي يعود بنا القهقرى إلى الوراء في عمق تاريخ تنظيم المجتمعات الإنسانية القديمة؛ يوم وُلِدت السلطة الذكورية وفلسفتها وآلياتها.

والنظام الأبوي أو البطرياركي باختزال التعريف به، هو نظام اجتماسياسي يكون للرجال فيه، سلطة فرض منظوماتهم القيمية على المجتمع، باعتماد فلسفة ذكورية لا تكتفي بالتمييز (الجنسي) ضد النساء بل تشمل مجمل سلطات الحكم: السياسية والقانونية والقيمية الأخلاقية بالمعنى الأوسع للمصطلح.. وبهذا تكون الحظوة والسلطة الفعلية بكل مفاصلها للرجل يتحكم بالسلطتين السياسية والاجتماعية في الوجود الوطني والإنساني.

ويتحكم الرجال في المجتمع الأبوي بحقوق الملكية في مجالي العائلة والمجتمع ومن ذلك نرصد امتلاك الحق المطلق للأب على النساء والأطفال، فيما يتضخم ذاك التحكّم المجسِّد للنظام الأبوي فيتجاوز ميداني العائلة والمؤسسة الدينية، اللتين تمثلان منطلق السلطة الأبوية؛ ليشمل جميع المؤسسات المجتمعية: القانونية والسياسية والاقتصا اجتماعية…

إنَّ تلك البنية الاجتماعية لا تكتفي بسطوة الرجال وهيمنتهم على مفاصل الحياة بوضعهم بسلم التراتب الاجتماعي فوق النسوة ولكن البنية تلغي مبدأ المساواة وتفرض قسراً وعُنوة سطوة الذكور وسلطتهم وتمنحهم شرعية استغلال العنف في فرض سطوتهم كما تخترق وعي النسوة وثقافتهم الإنسانية ليُستباح ذاك الوعي وتُمحى تلك الثقافة المؤملة فيما يحل مكانها الخطاب الذكوري في تشويه فاضح مضلل للنساء، ومن هنا سنجد نسوة كثيرات يخضعن لآليات المجتمع البطرياركي الأبوي بإيمان بقيمه على الرغم من ظروفهنّ ومعطياتها المتناقضة مع تلك المُثُل والقيم؛ إذ أنّ النظام الأبوي هو من يشرعن الأعراف والعادات والتقاليد التي تحط من قيمة النساء بوصفهن بشراً كامل الأهلية يمكن أن يتحكمن بمصائرهن ويتخذن القرارات لمساراتهنّ.

إنّ حكماً أبوياً يعني فرض سلطة قسرية، وشمول تركيبة مشوهة بتعطيل نصف المجتمع (أي النساء) فيما يجري نشر وباء (الفلسفة الذكورية) الذي يجتر نظاما من بواكير النظم التي ظهرت بالمجتمعات البشرية القديمة الأولى.. وهو يمنح كبار السنّ سلطات على حساب الطاقات الشابة فبعد شلّ أكثر من نصف المجتمع من النساء وتشويه النصف الآخر يجري تنحية فرص الإبداع عند الشبيبة ووضعهم برتبة متدنية مخصوصة بحدود التنفيذ الآلي لمواعظ (أبوية) لا علاقة لها بعصرهم الذي يحيونه، سوى بالتمظهر المزيف الكاذب، ودجل محاولات كسب الجموع بطريقة بث أوبئة وعظية تمنح وجودها القدسية المزيفة المُدَّعاة…

ومع انطلاق فكرة حكومة أبوية فإن الآتي لم يكون عمليا فعلياً سوى إعادة إنتاج المرجع الذي يُسقِطون عليه العصمة ويكون المصدر للأوامر والنواهي.. فالسلطة هنا لـ(الأب) الروحي مما يتمظهر في زعماء (العائلات) كما أفرزت أوضاع نظام الطائفية في العراق طوال السنوات العجاف، أي مما أنتجته المرحلة الطائفية من ذاك النموذج المستند لإسقاط الرِّفعة والسمو والقدسية على ذكور العائلات التي تتقدم في المحافل الدينية الطائفية و\أو القبلية؛ ويمكن بهذا الشأن لكل عراقي أن يقرأ عناوين أو أسماء عوائل باتت تتحكم بالمشهد العام بوساطة سلطة القدسية الوراثية؛ أي عبر ادعاء قدسية السلالة ما يمنحها على وفقهم حق التحكم المطلق…!

ولكن السؤال هنا في ضوء الأنثروبولوجيا وقراءتها، ما العلاقة بين النظام البطرياركي الأبوي والنظام الديموقراطي؟ بإشارة واضحة نؤكدها هنا بسؤالنا: هل من علاقة بين الأبوية والديموقراطية؟

وبالحقيقة لم يكن تصريح تشكيل حكومة أبوية عارضا أو عن غير قصد ولا يمكن أن يُقبل له تأويل أو قصدية من قبيل أنه كان يعني شمول الجميع في تشكيل الحكومة. فالحقيقة تتمثل كما يتبدى علنا وبلا مواربة في الحوارات الجارية تتمثل تلك الحقيقة في شمول (جميع رؤساء العوائل)، رؤساء أو زعامات فئات بعينها وقعت ضحية خطاب الذكورية والتحول به من منظومة قيمية سواء عائلية أم دينية طائفية إلى منظومة سياسية تتحكم بالمشهد العام عراقياً!

لقد بتنا عراقياً أمام مشهد تكريس النظام وقيمه المرضية الماضوية سواء بوجه سافر أم متستر مبيَّت حيث إدامة سطوة الفلسفة الذكورية ومن ثم علو كعب الذكور تحديداً هنا ذوي الثقافة التقليدية الطائفية وما يجترّهُ ذلك من فروض وقيم؛ منها ما يستغل قدسية السلالة القرابية ومظاهر سلوكية قيمية تتمثل بشكليات ارتداء لبس بعينه تمريراً لفروض قيمية بعينها مما يكرّس السلطة السياسية التي كانت وراء نكبات وكوارث ما تزال تطيح بمزيد الضحايا والقرابين وسط أبناء الشعب الفقراء..

إنّ التحول باتجاه مَأْسَسة هذه المنظومة هو ما حذرنا منه في بناء تحالفات سياسية لم تقف عند حدود تشويه أطراف سياسية علمانية بل أوقعت الشعب بضبابية وخلط أمور فضلا عن شرعنة نظام لحساب مكاسب قاصرة البصر والبصيرة في جوهرها، إذ ليس فيها من مكاسب جدية ملموسة ذات أهمية في التحول بمعارضتها منظومة الحكم البطرياركي الأبوي إلى تحطيم أسسه وتغييره ومنع تكريس منظومة الطائفية التي تتم اليوم بقوة أكثر إيغالا في المشهد الذي عانى الشعب منه طويلا..

والدليل على هذه الرؤية، هو إعلانات شمول (الكبار) ممن يسمونهم زعماء من كبار العائلات بالمعنى الأوسع لمصطلح عائلات هنا، وهذا الشمول وما يسمونه عدم الإقصاء يضعهم مجدداً على رأس من يقرر ويتحكم بالسلطة السياسية بديلا عن مرجعية الشعب وخياراته في دولة تنتمي للعصر مثلما يتطلع التنويريون استجابة لإرادة الشعب…

إن الأب الزعيم سيبقى اليوم في النموذج العراقي، جوهر تكريس نظام الطائفية.. وهو لا يقف عند حدود اكتناز سمة أو وجه من أوجه الدكتاتورية ولكن أبعد من ذلك فإن الأب الزعيم لن يكون مجرد مرجعا روحيا (دينيا مذهبيا على سبيل المثال) حسب الادعاءات وأشكال التمظهر بل هو في واقع الممارسة مصدر السلطات بديلا عن الشعب المُعطَّل بصيغة مصادرة النساء والشبيبة وإخضاع الذكور لفلسفة تمييزية تقوم على الخنوع لمركز قدسي يُسْقطون عليه العصمة وسمة (المطلق) السلطة…

فهل بعد هذا دليل يا أولي الألباب كي تعلنوا مجرد إعلان عن رؤاكم ومواقفكم التي ينتظرها الشعب وقواه التنويرية؟ أم أنّ الإيغال في درب قد أوقع من اتخذ ذلك الدرب وسلكه بمطب من أخذته العزة من أن يقر بخطأ الخيار وتجريب تحالف لم يأت سوى بنقيض الاتجاه؟

لنتمعن بعمق بعيدا عن الشخصنة ولننقذ الموقف ولو في لحظة فوات الموعد ولنعاود اللجوء إلى مرجعيتنا الفكرية المجتمعية ونتمسك بمنطق التغيير لا منطق الترقيع المضلل؟؟؟

وثقتي أن مزيد هدوء ورباطة جأش وشجاعة ومزيد تفهم لمطلب الموضوعي هو سبيل الإنقاذ والخلاص… وجميع مكونات قوى التنوير تظل محط ثقة وابتعاد عن عجالات التخوين والتضارب السلبي وهي جديرة باستعادة المبادرة عبر وحدتها واستقلاليتها وإعلان تمسكها ببرامج التغيير واستراتيجيته السامية بسمو خيارات الشعب في دولة علمانية ديموقراطية لا اي شكل يكرس الطائفية سواء بخيمة الأبوية أم بغيرها من أساليب تمرير وإعادة إنتاج لما رفضه الشعب…

فهلا تقدمنا بجرأة وشجاعة نحو مهامنا موحدين مستقلين، هذه المرة للوقوف بوجه اللعبة التي عادت لأبعد من جس النبض بإعلان استيعاب (جميع) من لفظهم الشعب سواء بمن اختار انتخابيا أم بمن قاطع بوعي وليس بتكاسل وسلبية كما يتوهم بعضهم..

والعبرة بانتصارنا معا لمهام التنوير ودمقرطة الحياة

لا تعليقات

اترك رد