أكثر شيءٍ جدلاً…


 

ورد في الآية 53 من سورة الكهف ” وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ” ولهذه الآية أكثر من تأويل فهي توحي إلى أن الإنسان هو أكثر المخلوقات جدلاً حول طبيعة خلقه وخُلقه والجدل حول خالقه؛ وكذلك الآية توحي إلى أن الإنسان هو المخلوق الأكثر مجادلة، ومخاصمة، ومعارضة للحق وللحقيقة.

لكن، لو تعمقنا في ماهية هذه الآية وأردنا أن نعيد تفسيرها بعد عدة قرون على نزولها؛ سنجد بانها لم تعد تنطبق على الكائن البشري بشكل مطلق؛ لكنها تنطبق على الكائن العربي حصراً وفقط.

فالكائن البشري من الأمم الأخرى بات يعيش حياة طبيعية وآمنة ومستقرة، واستطاع من خلال العلوم التي توصل إليها والتجارب والأبحاث الكونية، والنفسية، والاقتصادية، أن يتجاوز العديد من التناقضات، وأصبح يتعامل مع الحياة بمنطقية وعقلانية، وانصرف كلياً عن الجدال الفارغ والمفرغ من أية قيمة ومعنى؛ وحتى وإن كان أكثر جدلاً، فهو يجادل في قضايا عميقة من شأنها إنها فعلياً وليس نظرياً قد غيّرت من مجرى حياته واستفاد من الجدلية إذ أنه قد توصل إلى نتائج ملموسة وناجحة؛ مكنته من أن يحكم الكون بعد أن فك طلاسمه وحل شيفرته واستطاع أن يتحكّم بمن يعيشون عبثاً وعبئاً على الكون وليس هناك من مخلوق عاش ويعيش عبثاً وكان وما زال عبئاً أكثر من الكائن العربي وبهذا يحق له أن ينفرد بتلك الآية ” وكان أكثر شيءٍ جدلاً” منذ القدم وإلى وقتنا الحالي والجميع يشير بإصبع الاتهام إلى بني إسرائيل قديماً واليهود حديثاً بأنهم أكثر الأقوام جدلاً ومجادلة ومماطلة.

إن جدال بني إسرائيل في الحقب القديمة، وجدال اليهود في الحقبة الحالية؛ لم يكن جدالاً فارغاً ولم يكن لمجرد الجدال والمعارضة؛ إنما هو جدال بدهاء وذكاء شديد يكاد يصل إلى حد العبقرية إذ إنهم يملكون القدرة على قلب طاولات المباحثات والمؤتمرات الدولية واللقاءات السرية مع أصحاب القرار العربي من خلال مماطلتهم يكسبون الوقت ويبعثرون الأوراق التي تم ترتيبها واعدادها ليشتتوا ابصار الرأي العالمي فيضعون الخطط الذكية ويخططون لاستراتيجيات يتم تبنيها تدريجياً منذ احتلالهم للقدس إلى نقل السفارة إلى القدس.

بينما الكائن العربي البسيط، وكذلك العربي السلطوي صاحب القرار السياسي كل منهما يجادل في الفراغ ويماطل لإطالة أمد الفراغ؛ فالمواطن ما زال يجادل الدولة في أمور سطحية وقشرية والدولة تجادل المواطن بنفس الأسلوب وكلاهما يجادل الآخر عبثاً وكل منهما يدور في حلقة مفرغة وبائسة لا تتعدى رغيف الخبز والحروب الطاحنة من أجل مساحة صغيرة من حرية الرأي ولا أحد من الطرفين يجادل الآخر في قضية التطوير العلمي والبحوث الكونية أو في الخطط التي من شأنها أن تجعل الكائن العربي يعيش حياة كريمة ويصل في جداله وجدليته إلى ما وصل إليه الكائن الآخر من تلك الأمم.

أليس من واجب المفسر الديني أن يعيد تفسير وشرح الآيات القرآنية بما يتلاءم مع الواقع الحالي وألا يبقيها جامدة؟ ويتم تفسيرها وتطبيقها في جميع الحقب بنفس التفسير الأولي ولا يراعي ما استجد وتطور؟

هذا الجمود وعدم المرونة من قبل المفسرين وأصحاب العلوم الدينية والسياسية وقف عائقاً أمام عملية التطوير والتحديث.

المفسر الديني ظل يفسر آيات الجهاد وبث الحماس وتشجيع الدراويش على قتال الكفار حيث ثقفوهم دون أن ينبه إلى اختلاف الظروف، ويمضي في تفسيره متجاهلاً كل المتغيرات وملقياً عرض الحائط اختلاف الأسباب والواقعة التي نزلت من أجلها وفي شأنها تلك الآية.

وكذلك المفسر للقوانين التي نصتها الدولة في حقبة ما، ولأسباب دفعت الدولة في حقبة من الزمن أن تنص مثل هذه القوانين والتشريعات ولم تكن التفسيرات مرنة أو مطاطية لتتغير مع تغير الظروف. فتجد طوابير من الكائنات العربية تقف في المحاكم يكثرون الجدل قانون قديم لم يعد يتماشى مطلقاً مع العصر الراهن وبه كل الاجحاف لطرف من الأطراف المتنازعة وفي آخر المطاف ومن بعد آلاف الجلسات يأتي جواب المحكمة ” هذا هو القانون”

وفي المسائل الدينية المعقدة يحدث الشيء ذاته والمشكلة ذاتها ويأتي القرار النهائي من قبل المشرع تلك هي الشريعة. من واجب الكائن العربي أن يحترم قدسية الآيات والقوانين التشريعية ولكن بالوقت ذاته من واجب المشرع أن يجتهد ويبذل قصارى فكره وعلمه ومعرفته لإيجاد اجتهاداً يتلاءم مع متغيرات العصر، ولا يظل على جموده بذريعة لا يجوز التحريف أو العبث بالقوانين التشريعية.

إن الفارق الكبير في مسألة الجدال ما بين الكائن البشري للأمم المتقدمة والكائن البشري العربي؛ هو أن الكائن الأول يحق له أن يجادل دولته في جميع المسائل بما فيها التشكيل السياسي وتشكيل حكومته وله الحق في أن يجادلها في القضايا الاقتصادية ولا يتم لجمه أو كتم أنفاسه ولا يكون مصيره السجن والتعذيب جزاء مجادلته بل دولته تأخذ جداله بعين الاعتبار وتوليه كل الأهمية لأن مواطنها جزء لا يتجزأ منها وهي تسعى لكي تجعله من أعظم الكائنات على وجه الأرض؛ وحتى عندما يقوم كائنها بمظاهرة احتجاجية على قرار ديني أو مدني تترك له مساحة من حرية التعبير ولا تتعامل معه وكأنه حيوان قذر وترفسه وتضربه بالهراوات والقنابل المزيلة للكرامة والكبرياء، ولا تزجه في غياهب السجون لمجرد أنه قد اعترض أو جادلها في قانون يراه مجحفاً بحقه كما يحدث للكائن العربي حين يتمادى ويعترض أو يجادل حكومته في قرار أو قانون يراه تعسفياً وجائراً.

فالكائن الأمريكي حين رأي بأن الحروب التي قامت بها حكومته قد أثرت على أمنه وسلامته وأكلت من اقتصاد بلاده؛ اجبرها على أن تعدل عن أيّ حرب جديدة، وصارت القيادة الامريكية تعد للمليون قبل أن تتخذ قرارها في اعلان الحرب على أي دولة من الدول؛ من بعد حربها على العراق والخسائر البشرية والمادية وقفت موقف العاجز أمام مواطنيها وباتت تشاركهم في الجدال والقرار لأنها لا تستطيع أن تنفرد وحدها بقرار قد لا يتناغم مع طموح مواطنيها ولم تعد تقدر على اقصاء مواطنيها عن طاولة القرار السياسي.

ما بين الدولة والمواطن العربي ما يزال الجدال عقيماً، ثوابه السجن والاعتقال وقد وصل الأمر في عصرنا هذا إلى درجة احراق البلد برمته لأن ثلة من المواطنين تجرأوا واعترضوا وجادلوا حكومتهم.

ما بين الموظف وما بين مديره المباشر ما يزال الجدال فارغاً وديكتاتورياً، وما بين الزوج والزوجة ظل الجدال عقيماً والنتائج تصب في صالح من وهبته العشيرة حق القرار.

ما بين السائل البسيط والمشرع الديني بقيّ الجدال عقيماً يصل الحال بالسائل إلى حد التكفير ويتهم بالتطاول على المقدسات الدينية ولا يؤخذ سؤاله وجداله بعين الاهتمام والاحترام مما زاد الجهل في القضايا الدينية وتفسيرها الصحيح؛ لينفرد المشرع بالقرار والتفسير وما على البسطاء والدراويش إلا السمع والطاعة دون فهم منهم لماهية تلك المسألة المبهمة.

وعلى مواقع التواصل ما زال الجدال الطائفي والمذهبي والمشاحنات والسباب والشتائم وكل طائفة تلعن الأخرى؛ مرت عقود طويلة وقرون كثيرة وما يزال الجدال الطائفي قائماً إلى يومنا هذا ولم يتوقف ولم يصل الأطراف في جدالهم البغيض والعقيم إلى نتيجة أو حل من شأنه أن يحقن الدماء ما بينهم. وكان وما زال الإنسان العربي أكثر شيء جدلا.

لا تعليقات

اترك رد