من يحق له امتلاك واستخدام الأسلحة والطاقة النووية ؟؟!


 

هل المجتمع الدولي، جدي و حريص فعلا على نشر مبادئ المساواة و العدالة بين أبناء البشر على هذا الكوكب، في حين نجد أن عدد قليل من الدول تضع هي لنفسها و تقرر حقوقا و مزايا لا تسمح علنا للآخرين بأن يتمتعوا بها، بل و تسمح لنفسها بشن حروب و معارك على تلك الدول حتى لو فكرت، مجرد تفكير أن تنادي بالحقوق و المساواة و العدالة ..

هذا هو حال العالم، منذ إختراع الذرة و التجارب النووية، و صناعة الأسلحة النووية، و من ثم تجربتها من قبل داعية السلام و الأمان و الديموقراطية، بلاد العم سام، على اليابان و قتها و إبادتها لمئات الآلاف من البشر و تدميرها لعدد من المدن، ليؤسس حينها عصرا جديدا هو عصر الذرة و إستخداماتها العسكرية و غير العسكرية ..

منذ ذلك الحين و حتى يومنا هذا نلاحظ و بوضوح كبير تزايد حدة الخلافات و الصراعات الدولية التي تتعلق بالسلاح النووي و إستخدامات الطاقة الذرية، و تطور هذا الموضوع ليكون أداة للضغط على الدول الصغيرة و المبتدئة و التي تحاول جهدها اللحاق بالقطار النووي لسبب أو لآخر ..

العراق كان و لا يزال مثالا مهما و واضحا لإزدواجية المعايير و المقاييس الدولية، فهو حاول تطوير إستخدامات مدنية للطاقة النووية بالتنسيق و التعاون مع عدد من الدول الأوربية، لكن هذا الأمر لم يرق لا لأميركا و لا لإسرائيل، فتم تدمير المفاعل النووي في السنين الأولى للحرب الماراثونية العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات، رغم ذلك بقي العراق ملاحقا و محاصرا بحجة إمتلاكة لأسلحة الدمار الشامل و الشك، مجرد الشك في تطويره لأسلحة، يسمونها محرمة دوليا، و هي فعلا محللة على البعض و محرمة على الآخرين، و هكذا إستمرت المسرحية الحزينة المؤلمة لتنتهي بإحتلال و تدمير العراق و تشريد و تقتيل شعبه و سيطرة قوى الظلام و العمالة و الخيانة و التطرف عليه ..

بالمقابل كانت إسرائيل و لا زالت محصنة و غير مساءلة و لا مسؤولة أمام المجتمع الدولي عن تطويرها و إمتلاكها للعديد من أنواع أسلحة الدمار الشاملة، بضمنها النووية منها، على الرغم من محاولاتها التمويه و عدم الإعتراف علنا بذلك، لكن هناك تسريبات من حين لآخر تؤكد ذلك، و الحقيقة إنها أصبحت واحدا من أهم صانعي و تجار السلاح في العالم، حالها كحال كثير من الدول الكبرى و العظمى، كل ذلك بفعل المساعدات و المعونات و الدعم الأوربي و الأمريكي لها طوال السنوات السابقة ..

رغم ذلك نرى أن إسرائيل تقف بكل قباحة و وقاحة و بعلو صوت و جرأة، تتهم هذا و ذاك بالإمتلاك أو محاولة الإمتلاك، و كانت سوريا و مصر و العراق فيما مضى ضحايا رئيسة لهذه الإتهامات، و الآن كما يبدو جاء الدور على إيران، على الأقل من خلال متابعتنا للسيناريو الذي تبثه وكالات الإعلام عن التهديدات التي توجهها أميركا و إسرائيل لإيران ، على الرغم من توقيع إيران لإتفاقية الستة مع أميركا و عدد من الدول الأوربية، و التي يسمح لها بحدود معينة بعض النشاطات في مجالات الطاقة النووية ..

بالمقابل نجد الإهتمام و القلق و المتابعة طويلة الأمد للملف الكوري الشمالي ، و خاصة من قبل أميركا و عدد من الدول الآسيوية الخاضعة للإرادة الأميركية كاليابان و كوريا الجنوبية، و أصبحت بمرور الزمن كوريا الشمالية الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية، خاصة بعد التطور السريع لتجاربها النووية خلال السنوات الأخيرة، و إستلام الرئاسة فيها شخص لا يقل تهورا و طفولية عن ترامب، بل أن كثيرون يعتبرون ترامب نسخة أمريكية منه، و لحد الآن و على الرغم من التقارب النسبي في الأسابيع الأخيرة، و فرح ترامب بتحقيقه إنجازا مهما في هذا الملف، و الترويج من البعض لإستحقاقه ربما جائزة نوبل شبيهة بتلك التي حصل عليها أوباما في حالة نجاحه في إتمام هذا االملف، لكن لا زالت شكوك كثيرة تحيط بهذا الملف و الجهود و المخططات والنوايا ..

فكما يبدو أن تغريدة لأحد المسؤولين الأمريكان الكبار، قبل فترة قصيرة أظهرت حقيقة النويا الأمريكية، على الأقل من وجهة نظر هذا المسؤول الكبير، و تشبيه الوضع في بيونغ يانغ بالوضع و التعامل مع الرئيس الليبي، و هو تشبيه غبي جدا، فالكل يعلم أن القذافي رحمه الله فكر في تسليم كل ما يملكه من ترسانة سلاح مهمة و كبيرة و خطيرة، خاصة ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، في محاولة للحفاظ على حياته و نظامه و بلده، و بعد أن شاهد أسلوب التعامل الأمريكي و الدولي مع الملف العراقي و الرئيس صدام رحمه الله و تخلي كل المجتمع الدولي و العربي عنه، و كانت النتيجة أن مليارات الدولارات من الأسلحة الليبية سلمت و دمرت، و لم ينجح كل ذلك في تخليص القذافي من القتل و الهلاك، و المعروف أنه قتل بشكل محزن و مؤسف و مؤلم و بشع على أيدي رجال مخابرات أو أمن غربيين ..

عدا أميركا، الدول القليلة الأخرى التي تمتلك حرية في تطوير أسلحتها النووية و إنجاز التجارب النووية، هي بريطانيا، فرنسا، الصين، و روسيا، و بشكل أقل الهند و الباكستان، و الأخيرة كونها بلد إسلامي فإنها مهددة بإستمرار و تحت رقابة مشددة بالذات من قبل أميركا و إسرائيل ، في حين يتمتع عدد أكبر من الدول بالإستخدامات المدنية السلمية للطاقة النووية، و هناك قيود و شروط على إمكانيات تطوير و تجارب لإستخداماتها تلك ..

نحن كعرب و مسلمين، يهمنا أكثر ما يجري في حدود بلادنا و حواليها، و نجد أن إسرائيل لا زالت هي التهديد الأعظم، فهي أصبحت الدولة الأعظم و الأقوى بعد تحييد مصر و السعودية و دول الخليج الأخرى و تدمير سوريا و العراق و ليبيا و اليمن، إلا أن إيران باتت تمثل تهديدا مهما و جديا آخرا للكثير من البلاد العربية ..

و في مجال الطاقة النووية وصل الحال اليوم لوجود صراع، على الأقل ظاهريا، بيد البلدين العدوين اللدودين، إيران و إسرائيل، و بالطبع فأن أميركا تقف و بقوة إلى جانب إسرائيل مدللتها المفضلة خاصة اليوم في زمن النتن ياهو و المجنون ترامب، و هناك محاولات لجر بعض الدول العربية من خلال التغرير ببعض قادتها للمشاركة في حرب ربما ليس للعرب فيها لا ناقة و لا جمل، و لم يعد للعرب أي قوة و لا مجال للمشاركة في مثل هكذا حروب لإستنزاف ما تبقى لديهم من أموال و موارد و قوة و طاقة، على الأقل حاليا ، لذلك الكل يقف متفرجا أولا للتأكد من جدية الخلاف مع إيران الذي نسمع به من سنوات طويلة، و التي تمكنت من تطوير قوتها و إمكانياتها التسليحية و النووية إن صح التعبير تحت أعين و نظر و مشاركة العديد من الدول الغربية ..

و هنا لا بد من استذكار ما اورده رئيس الوزراء الماليزي ماهاتير محمد في خطاب شهير له قبل عدة سنوات امام اجتماعات المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في ماليزيا, فيما يتعلق بحكم اليهود للعالم من خلال الآخرين, وما فجرته هذه العبارات و التصريحات من ردود فعل فورية قوية و نارية من معظم الدول الاوربية و اميركا, بالطبع اضافة الى اسرائيل, مما بات يشكل تأكيدا غير مباشرا لما عناه و قصده و اشار اليه مهاتير في خطابه, و يؤكد حجم التأثير اليهودي و الاسرائيلي على مختلف دول العالم, و على القرار الامريكي على وجه الخصوص ..

كذلك نجد ايضا, ان اخبارا رسمية عديدة مؤكدة تسربت منذ سنوات تشير الى تعاون امريكي اسرائيلي عالي المستوى يتم بشكل شبه سري لانجاز تسليح قطع بحرية و غواصات اسرائيلية بالاسلحة و الصواريخ النووية التكتيكية الحديثة, بحجة ان ذلك يتم لردع بعض الدول العربية, و منها سوريا و حزب الله من القيام بأي فعل ضد الكيان الصهيوني, او لتحصين الكيان المذكور و تطوير قدراته الدفاعية في مقابل القدرات الايرانية و الباكستانية, و البعض يرى ان ذلك يجري استعدادا لتهيئة الاجواء للهجوم على مفاعل ( بوشهر ) النووي الايراني و ما قد يثيره من ردود فعل, و ذلك في حالى فشل الجهود السياسية و الدبلوماسية الحالية في ايقاف و تجميد الجهود والنشاطات النووية الايرانية ..

جانبا آخر نجده في اخبار تسربت ( او سُربت ) من البنتاغون قبل سنوات عن تقرير رفعته لجنة علمية عليا, هذه اللجنة تعمل تحت اشراف و توجيه وزير الدفاع الامريكي في حينها رامسفيلد, و ضمن خطته في تطوير قدرات و كفاءة الجيش الامريكي لكن مع تحديد و تقليل عدده, و ضمن نظرة الادارة الامريكية الحالية نحو النظام العالمي الجديد, و ضمن السياسات و الخطط التي وضعتها المجموعات المسيحية الصهيونية المحافظة المتشددة التي باتت تسيطر على مقاليد الامور في البيت الابيض و البنتاغون, فأن هذا التقرير السري يشير الى توجيهات صدرت بتصميم و صناعة اسلحة و قنابل نووية تكتيكية صغيرة تكون شديدة و دقيقة الفاعلية, و تعمل ضمن نطاق جغرافي و مدى محدد, بحيث يمكن استخدامها في مدن و مناطق محددة دون ان ينتشر اثرها السمي القاتل خارج نطاق هذه المناطق ..

و كان الهدف من استخدام هذه الاسلحة اساسا لمواجهة المقاومة المتصاعدة في كل من العراق و افغانستان, و معروف أن ما أستخدم في العراق، في معركة المطار مثلا، و في معارك الفلوجة و الرمادي و الموصل و البصرة كما قيل هو نوع من أنواع الأسلحة المتطورة التي يشير البعض إلى كونها نووية، و كذلك استخدامها في اية منطقة اخرى من العالم تجد اميركا نفسها راغبة في ذلك, خاصة و أن الادارة الامريكية قد جعلت من العالم اجمع ساحة معركة متقدمة لها, بحجة الهجوم الاستباقي و مقاومة الارهاب ..

اذن, فأن أي شخص له القليل من الخبرة و المنطق و القدرة على التحليل, يقف الآن فعلا متحيرا امام هذا التناقض و التعسف و التعامل باكثر من معيار ،

ففي حين تطلق اميركا مصطلح ( الدول المارقة ) على ايران و العراق و كوريا الشمالية, و تدعي ان اسلحة التدمير الشاملة يجب ان لا تكون بأيدي دول و انظمة غير مسؤولة و غير ديمقراطية, و تعمل على الحد من انتشار الاسلحة هذه في معظم انحاء العالم, نرى انها, أي اميركا, و اسرائيل معها, تتصرف بأقل ما يمكن من المسؤولية, او بالاحرى من دون اية مسؤولية, و بشكل منظم و مخطط, لدعم و زيادة انتاج هذه الاسلحة و تطويرها لديهما، و من ثم تهديد بقية دول العالم بها ..

و هنا تدعي الادارة الامريكية, انها يجب ان تتبرأ من عقدة ايام الحرب الباردة, و تلك الفترة التي تميزت بوجود قطبين و لكل قطب اتباعه, و كل قطب يحسب جديا حساب القطب الآخر, و بشكل خاص فيما يتعلق بامتلاك و تطوير الاسلحة النووية ، اما الآن, فأن اميركا تعلن صراحة, انه العصر الامريكي, حيث لا قوة اخرى غيرها في العالم, و لا أحد يستطيع التأثير في القرار الامريكي, غير مصالحها و رغباتها و ميولها ..

لذلك, فأذا كانت هذه المصالح و الرغبات تتحقق من خلال انتاج اسلحة نووية معينة و تطويرها, بل و استخدامها, و لو كان ذلك يؤدي الى دمار بشري و مادي في الجانب الآخر غير الامريكي, فأن ذلك بات الآن, و ضمن مفهوم الشرعية الامريكية الجديدة, مشروعا و مقبولا ..

هنا نقف لنتساءل, ما هو دور الدول النووية الرئيسية الاخرى في العالم, كفرنسا و بريطانيا و الصين و روسيا, و هل سندخل هنا مرحلة جديدة من الصراع و المنافسة, و هل ان هذه الدول قادرة الآن من الناحية العلمية و المادية و البشرية و المالية على منافسة اميركا, و أن كان ذلك فألى اين ستقود هذه المنافسة التي تعمل الادارات الامريكية الرعناء فعليا على اشعالها .. ؟؟؟

الجانب الأهم من التساؤل هو, ما هو دور المنظمات الدولية, و الانظمة و التشريعات و القوانين الدولية التي تحرم استخدام هذا النوع من الاسلحة, و ما هو السبيل اساسا الى التحقق من استخدام هذه الاسلحة, خاصة واننا سمعنا كثيرا من الاخبار و التعليقات بخصوص استخدام عدد من انواع الأسلحة غير التقليدية الواسعة التدمير و ربما النووية في الحرب الاخيرة على العراق ..

تساؤلات اخرى تطرح على النطاق العربي و الاسلامي, ماهو موقفنا لو استخدمت اسرائيل و معها او خلفها اميركا السلاح النووي ضد واحدة من الدول العربية او الاسلامية, خاصة في ظل الضعف و التشتت القائم في مجمل مواقف هذه الدول بشكل عام ، هل هناك موقف موحد عربي او اسلامي تجاه هذا الموضوع, و هل ان هذا الموضوع مطروح اساسا للمناقشة على مستوى القيادات العربية او الاسلامية ..؟؟

ماذا لو تم ضرب ايران أو الباكستان او سوريا او ليبيا أو السعودية, و حتى مصر .. ؟؟ هل لهذه الدول اي نوع من القدرة لمواجهة مثل هذا النوع من الهجوم .. ؟؟

ربما هذه التساؤلات, او لنقل تفاؤلا, تخيلات, على جانب كبير من الخطورة لكنها ايضا على جانب كبير من الواقعية و الاهمية, و واقعيتها تستند على ما نراه و نسمعه و نلمسه يوميا من تصرفات و تصريحات و افعال خرقاء رعنة تصدر بالتناغم والتفاعل او بالتناوب عن كل من الحكومتين الاسرائيلية والامريكية , و التي نعتقد ان استمرارها قد يشعل فتيل الحرب و الدمار في كثير من ارجاء البلاد العربية بشكل خاص ..

لا نستطيع هنا اعطاء اجابات مؤكدة على هذه التساؤلات, لكنها ربما تصبح غدا واقعا اليما لا بد لنا اليوم من التحسب له و تدارسه على الأقل, خاصة وأن كل شئ اصبح محتملا في ظل نظام ( الفوضى ) العالمي الجديد التي تضع اسسه و ترعاه الادارة الامريكية منذ سنوات ..

المقال السابقهل حقاً ستكون الحكومة أبوية ؟ وهل يقر الشعب نظاماً أبوياً !؟
المقال التالىصفعة بنفسجية
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد