الكاتب والسيناريست علي صبري


 

في البدء شدّتني اسماء سهى سالم وعبد الخالق المختار وخليل شوقي ويوسف العاني واخرون كي اشاهد مسلسل (الواهمون)اخراج عادل طاهر, لكني وبعد خمسة دقائق من بدء عرض الحلقة الاولى تركت متابعة الاسماء التي اعشقها أمّا لجمالها ,وأما لفنّها التمثيلي, وبدأت اتابع رحاب ووسن وغانم وكامل ونسرين وام صائب ووو.. وأسماء لشخصيات المسلسل كان ذلك في عام 1995 .وانتظرت الحلقة الثانية بشغف كي اقرأ اسم المؤلف الذي لم يشدني قبل هذا العمل ,ولم اتعرف عليه وظننت في بدء الامر ان النص يعود للكاتب صباح عطوان لان فيه صنعة واتقان ولغة تحاكي البيئة بوضوح تام,وهذا ماتعودت ان اجده في اعمال الكبير صباح عطوان, لكني تفاجأت باسم جديد بالنسبة لي على الاقل وتعجبت عن اسم لم اسمع به ,أو لم يثيرني في عمل سابق ,انه علي صبري الذي كتب نصّا كان بطله الوضوح في الرؤيا ,وحسن بناء الشخصيات التي قلّ ما نحس باالثانوية منها ,فهي بطلة ضمن مساحتها المرسومة ,تقود فعل له تأثير واضح ومهم على الاحداث ,

كاتب يريد ان يخط لنفسه أسس اسلوبية انطلق فيه من طريقة الكبار, لكنه اختلف من حيث يريد ان يكون كذلك .الحوار كان محسوبا بدقّة ولكل شخصية مفرداتها التي تنبع من خصوصيتها ثقافيا واجتماعيا وعمريا وو..حرمني المسلسل من متعة احلامي التي تعيش في قصص درامية مع ابطال المسسلسلالذين احبهم ونقلني الى متعة اخرى اكبر وأهم الا وهي متعة متابعة احداث وحبكة وشخصيات تتنامى بمشاهد, زمانها يتشابك مع مكانها, لتلد أجوبة درامية عن حالة ما, لها تأثير وأثر ضمن بنية النص, الذي يتميز بجودة الحوار وتركيز الحدث المشهدي, دون الخوض في تفاصيل بعيدة عن الحدث الرئيس, والفكرة الاساسية التي تم بنائها بعناية تصل الى ماقبل جريان الفعل لكل شخصية, اي انني بدأت ارى رسما واضحا لكل شخصية منذ ولادتها, أوحتى قبل ذلك, لحد زمن دخولها الى مركز احداث المسلسل وكأن هناك جزء اخر قد سبق هذا الجزء الذي نشاهده الان ,

لكننا سنكتشف احداث واحداث ومفاجأت تحدث في كل حلقة جديدة تخلق مساحات من الشد والاثارة بصراع متنامي أكاديمي احترافي استطاع ان يتنفّس مع علم نفس الشخصيّة, ويلتقي بعلم الاجتماع ,وكأن العمل يختص بدراسة هذه العلاقة العلمية بتشخيص تم البحث فيه مطوّلا الى ان وصل الى الى هذه الدرجة من النتائج المبتكرة دراميا . انتهت احداث المسلسل لكنه لم ينتهي كولادة لاسم مهم في رسم ونحت النص الذي يتميز في مشاركة المخرج في تخصصه المرئي من خلال الوضوح,والمساحات الشارحة للشخصية حدثا وحورا وحبكة ودلالة ورمز ومعنى .هكذا كان النص الذي شاهدته في الواهمون .

هذا المسلسل لم يكن المحطة الاولى للسيناريست علي صبري بل هو المحطة التي مثّلت نهاية مرحلة اسمها جدار البداية وكان الواهمون سقفها, ليتم بناء اسم وقف شامخا مع الاسماء التي كانت تكتب انذاك بثقة واحتراف, اذ سبق هذا المسلسل بداية مع المسرح في معهد الفنون الجميلة /البصرة عام 1985 بمسرحية العاشق ,ومسرحية الديدان عام 1986 .ثم انتقل صبري الى بغداد فكانت نقطة تحول مع مسرحية الخفافيش التي اخرجها مقداد مسلم لحساب فرقة مسرح بغداد ,ثم انتجت له الفرقة القومية للتمثيل مسرحية (كيف تصبح مليونيرا)اخراج فخري العقيدي عام 1992 التي استمر عرضها لمدة ستة اشهر ,وعاد فخري العقيدي ليخرج له مسرحية (فرسان بني شرف )عام 1993 للفرقة القومية ايضا .

في هذه الفترة حاول علي صبري ان يكتب التمثيلية التلفزيونية فكتب (البيانو) عام 1988 اخراج فردوس مدحت ,ثم (كان حلما) عام 1989 من اخراج المرحوم كريم حمزة و(من يدفع الثمن )اخراج جمال محمد عام 1990 ,و(شروق في بيتي )اخراج طيف المدرس .وبعد هذا العدد من التمثيليات قرر علي ان يدخل عالم المسلسلات بطموح المعجب باساتذة الكتابة في العراق مثل صباح عطوان ومعاذ يوسف فكتب اول مسلسل طويل هو (خيوط من الماضي )اخراج رجاء كاظم عام 1991 و(عش الازواج) اخراج كريم حمزة عام 1994 .بعد هذا التاريخ توقف صبري قليلا وقرر ان يكتب مسلسل الواهمون الذي يعد نهاية مرحلة بالنسبة له وبداية مرحلة اخرى فكان المسلسل بمثابة كتابة بيان وظهور ملامح هذا السيناريست المجتهد .وسارت الامور مع علي صبري الذي حاول جاهدا ان يصل الى مرحلة يحقق فيها جلّ طموحه في بناء تاريخية شخوصه الدرامية في نصوص مرئية حتى قبل ان تتحقق مرئيتها في تصويرها للتلفزيون ,وسار على هذه الشاكلة في مسلسلات(عربة الخوف ,الاشرعة ,الفراشات ).ولانه علي صبري الذي لايقف عند مرحلة السقف للدور الاول ,فانه قرر ان يبدأ ببناء الدور الثاني مشيّدا بناء ساحر في كل شيء ,بناء احداث يقودها بعناية فائقة وجودة لاتقل عن اي مسلسل عربي وهذا ماجعل البعض يتهمه بأنه يحاول ان يقلّد اسامه انور عكاشه في مسلسله المهم (ليالي الحلمية ) .وأنا أقول انه كان يكتب على طريقة الكبار الذين يعشقون تأريخهم فيحاول ان يقدمه باسلوب ينتمي الى الملحمية التي عشقها من خلال عشقه لعالم ديستوفسكي في جريمته وعقابه ,لكنه لم ينسى كتابه الذي يتأبّطه دائما,كتابه الذي يرسم ملامح الحب العراقي الابدي بضوئه وضلامه ,انه ديوان الشاعر بدر شاكر السياب .

اجتمعت كل هذه البنى ,وكل هذا الحب والعاطفة العظيمة والصنعة التي باتت ناضجة .اشتبك كل هذا وذاك ,وتفاعل لينتج بناءا شامخا في مسلسل (منّاوي باشا) حيث بصرته الحبيبة التي فارقها بالجسد لكنه لم يفارقها بالوجدان ,والذاكرة الحية التي لم ولن تمت .مسلسل مناوي باشا بأجزاءه الثلاثة كان فيه كل مايتمناه المخرج والممثل والمتلقي على حد سواء .مرة اخرى جلست مسحورا اتابع الحوار الاخاذ ,والشخصيات الملونة المختلفة التي لاتشبه الواحدة منها الاخرى من حيث الانتماء الوظيفي التام ,اذ حملت كل واحدة منها هم واحد, ثم هم مشترك, فبنيت كشخصية معمارية لوحدها ,ثم ساهمت في تثبيت اركان البناء الكلّي الذي يعتمد على أهمية الصورة المكتوبة ,والكلمة المنطوقة التي تدرّب عليها صبري في الاذاعة والمسرح وزادها جمالا حسن فهم المخرج فارس طعمة في كيفية التعامل مع هكذا نص مهم فقرأ الصورة المكتوبة من لدن علي صبري قبل ان يكتب الحوار الذي أجّله فيما بعد, ليكون بطل مرحلة الصوت .ولان المخرج قد درس السينما وأحبّها ,استطاع ان يتلمس ملامح الصورة والجانب المرئي من النص الذي يحسن علي صبري كتابته ليستحيل النص المهم الى ستين ساعة من العنف المرئي الممزوج بالحب والشعر والبحث عن تقارب وتباعد واقتراب واختلاف, وحب بنوع جديد اطاره التأريخ الذي يراه علي صبري ولا يهم ان كان حقيقة ام خيال أم من هذا وذاك فالتاريخ هو مايكتبه العشّاق امثال علي صبري لا مايكتبه الدجالون والافاقون .

بعد هذه الستين حلقة كتب الجزء الثالث بثلاثين حلقة اخرى اخرجها اركان جهاد بطريقة لم يستطيع ان يخرج فيها من جلباب النص السابق بمرئياته وكلماته المرئية ,اي نصه المكتوب بطريقة علي صبري . للكاتب والسيناريست علي صبري اعمال كثيرة تم تنفيذ جزء كبير منها ومازال منها في مكتبته أو في الشركات التي تم الاتفاق معه على انتاجها وفي الافق الكثير .من اعماله الاخرى مسلسلات ونصوص (الاشرعة ,الفراشات ,اسد بابل ,فاتنة بغداد,ابناءالخريف ,مشاكل برهان ,قطار الموت ,عشق اخضر ,داخل حسن ) ونصوص اخرى .وفي الاذاعة له مسلسلات كثيرة منها (اليد والارض والماء ,الاميرة ,الفراشات ).وايضا له برامج مهمة منها (الصحة للجميع )الذي كتبه بطريقة المحاورة بين شخصين ,وبرنامج اليك ,والى من يهمه الامر ) .وللسينما له افلام (الملاك المحاصر )اخراج طارق الجبوري ,و(العقرب ) اخراج اركان جهاد .وهناك نص سينمائي كتبه عن قصة لناطق خلوصي بعنوان (الخروج من الجحيم )يتناول فيه احداث اقتحام الجيش العراقي الى مدينة الموصل لتحريرها وقد اتفق مع المخرج محمد شكري جميل لاخراجه وتم ترشيح فاطمه الربيعي وجواد الشكرجي للقيام بالادوار الرئيسية له .

احداث مهمة تنتظر التجسيد بعد ان كتبها علي صبري بطريقته المميزة لاحداث يجب ان يشاهدها العراقي والعربي من كاتب يعرف كيف يحب ,ويعرف جيدا كيف يجسّد حبه لبلده في فيلم سينمائي .حصل علي صبري على العديد من الجوائز المهمة منها (جائزة الدولة للابداع عام 2000,جائزة مهرجان بغداد التلفزيوني لافضل كاتب سيناريو عام 2001,جائزة اذاعة بغداد السنوية كافضل كاتب سيناريو عام 2001 ,جائزة دار القصة العراقية كأفضل كاتب سيناريو لعام 2001) .ولد علي صبري في البصرة .يعيش الان في بغداد عاشقا محبا بارعا. قال عنه الكبير صباح عطوان :علي صبري باق في ضمير ارشيفنا الوجداني ..رغم الداء والاعداء ..فحسبه ماكتب .رهافة وحس ..ووعي متفاعل مع الظاهرة .

شارك
المقال السابقالأتابك
المقال التالىشهر رمضان وقميص يوسف
سالم شدهان غبن :دكتورا فنون سينمائية التخصص الدقيق :سيناريو واخراج سينمائي مخرج لاكثر من 14 فيلم قصيراهمها فيلم ام سالم حاصل على جائزة مهرجان البصرة ومهرجان بابل الدولي فيلم انت عمري حاصل على جائزة عيد السينما العراقية فيلم الشهيد الطائر حاصل على جائزة السيناريو لمهرجان النهج السينمائي كربلاء ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد