السمات الأساسية للشخصية ونظرية العقد – ج 2


 

نستكمل معا السمات الاساسية للشخصية :
4- سمة الدوافع المحركة للشخصية
تُعد الخطوة الأولى من الناحية الديناميكية للشخصية، أو الخطوة الأولى في التحقيق الدرامي، أي إلى الدوافع المحركة، (لدواعي التيسير ترد كلمة (دوافع) فقط للتعبير عن دوافع الشخصية مصحوبة بإرادة التنفيذ، التي تحيلها إلى قوة محركة أو سلوك واضح
ويمكن أن تُعّرف الدوافع بأنها “القوة الدافعة في داخل الإنسان، كرغبات أو أفكار أو حالة عضوية أو انفعالية، التي تحثه وتحرضه على أن يفعل شيئا ما ” أو “هي الاعتبارات والموضوعات، التي تؤثر في اختيار الإنسان أو تحرضه على فعل ما”.
وقد تكون الدوافع غائية (أو أخلاقية) لتحقيق هدف معنوي، كتحقيق العدالة الاجتماعية، أو للحصول على جائزة محددة، أو تكون الدوافع (وسائلية)، مثل اختيار أنسب الأسلحة وطرق التحصين للدفاع، أو اختيار طريقة معينة لفضح الفساد.
وبطريقة أبسط لملاحظة الفرق بين نوعى الدوافع، نجد أن هناك دافعاً غائياً أو أخلاقياً لقتل فلان، لأنه اعتدى على عرض الشخصية مثلاً.
أما الدافع السائلي فهو الذي يدفع إلى اختيار وسيلة معينة للقتل لإخفاء معالم جريمة القتل، أو لتحقيق أكبر قدر من تعذيب القتيل. وفي العادة قلَّ أن يخلو عمل من نوعّى الدوافع، وإن اختلفت النسب بينها تبعاً لنوع القصة.
وتنشأ الدوافع، بصفة عامة، من الغرائز أو الانفعالات أو الفعل، وفي الحالة الأولى يكون السلوك لاواعياً تقريباً، مثل تلبية احتياجات الجوع أو العطش أو الألم.
والانفعال: “هو عبارة عن انفعال فسيولوجى للشخصية من حالة اتزان بدني، إلى حالة نشاط ذاتي جديد، بسبب تعرضها لأحاسيس قوية مثل ” الخوف، الفرح، الحزن، الرغبة، الحب، الكراهية، الغضب، المفاجأة”.
ومن الضروري أن نعمل دائماً على إثارة الانفعال لدى الشخصية، بمواجهات أو ظروف أو مواقف، وبالطريقة الكافية لإثارة انفعالها، فتتحقق الاستجابة لهذه الإثارة تبعاً لنوعها وقوتها وسمات الشخصية، وتتولد رغبات ودوافع السلوك المناسب الذي تدفع إليه بإرادة التنفيذ نتيجة للانفعال.
ويُلاحظ أن الدوافع التي تنشأ عن مثل هذه الانفعالات هي موضعية ونصف واعية، إذ إِنّ فيها قدراً كبيراً من التلقائية.
وهناك نوع آخر من الدوافع: فعندما يهدأ الانفعال، يزداد نشاط الفعل، وتتحول الدوافع والرغبات المرحلية إلى هدف، أو أهداف بعيدة، وتصبح هي الدوافع الفعلية، التي تحرك الشخصية عن وعى كامل بها، وبما يعقب ذلك من وضع الخطط والمضي في العمل لتحقيقها. كما أن هذه الدوافع العقلية، قد تنشأ عن تراكمات لأسباب اجتماعية، كأن يكون البطل من أسرة ذاقت ألوان الفقر، فيتكون لديه الدافع لاقتحام الصعاب بحثاً عن الثروة، وقد تختص الدوافع بالعمل ككل أو بجزء منه، وهذا النوع يعتبر الدوافع المحركة الأساسية في العمل الفني، التي يجب أن يكون المشاهد على علم بها، كما يفضل أن تكون شخصيات العمل على علم بها أيضاً.
وبهذا تكون الشخصية قد وضعت في الإطار الديناميكي، بتهيئة مثيرات الانفعال، وتوليد الرغبات والدوافع والهدف والخطة والفعل والصراع، وفي كل ذلك ينبغي ألاّ تُهمل السمات الثلاث السابق الإشارة إليها، أو ما يمكن أن يُسمى السمات الاستاتيكية أو الثابتة للشخصية.
5- سمة التدبر، أو المداولة، أو التروي.
تختلف هذه السمة في الشخصية الواحدة، تبعاً للدوافع والأحداث، فهي تأخذ حيزاً صغيراً في حالة الدوافع الانفعالية المرحلية نصف الواعية، ولكنها تأخذ حيزاً أكبر في حالة الدوافع العقلية، أو الأهداف البعيدة. وهي تختلف كماً ونوعاً من شخصية إلى أخرى، كما أنها في العادة تأخذ حيزاً أكبر من القرارات الأخلاقية، بمعنى هل تفعل الشيء أو لا تفعله؟ وتأخذ حيزاً أصغر من القرارات الوسائلية، أي كيف تفعل؟.
ولأهمية هذه السمة، فلابد أن تأخذ حيزاً كافياً ومقنعاً من العمل، يتناسب طردياً مع أهمية دور الشخصية وأهمية الحدث، ولكن يجب أن نؤخذ في الاعتبار إمكانات اللغة السينمائية، وما تستطيع أن تنقله الكاميرا بتركيز شديد، من نظرة عين أو حركة يد تعبر عن عمق التدبر. وأن تتأكد في كل الحالات أن الأمر لا يقف عند فهم المشاهد لقيام الشخصية بالتدبر فقط، ولكن يجب أن تشركه في الإحساس والمشاركة فيه، أي أن نجعل المشاهد يعيش الأزمة مع الشخصية، ثم يأتي القرار في الوقت المناسب.
6-سمة اتخاذ القرار.
تُعد أكثر السمات تعبيراً عن الشخصية، إضافة إلى أنها تُعطي أكبر الأثر في مسار العمل، وهو اتخاذ القرار وتنفيذه.
والقرار هو الذروة، صغيرة كانت أم كبيرة، ويعقبه، بالضرورة، تغير صغير أو حاسم، ويجب أن تكون القرارات مبنية على، أو منسجمة مع، كل السمات المعروفة، وإلاَّ فسوف تُقابل بالاحتجاج والرفض من المشاهد، بل قد يتسبب قرار واحد خاطئ في إهدار المصداقية، ومن ثم رفض العمل بالكامل.
وبطبيعة الحال، فالحديث عن اتخاذ القرار، يعني أن يكون ذلك مصحوباً بتنفيذه، وأغلب القرارات تكون دائماً بطبيعتها مصحوبة بالسلوك، أو يتعذر توضيحها من غير السلوك. وحتى في الحالات التي نذكر فيها القرار أولاً ثم يأتي تنفيذ بعد ذلك، فمن المستحسن أن يُعرّف بالقرار عند تنفيذه، حتى يُحتفظ بذروة قوية، باعتبار التنفيذ من أهم اللحظات في الأعمال الفنية، التي تستحوذ على قدر كبير من اهتمام المشاهد، وتركيزه في المشاهدة.
ويجب أن يكون واضحاً في الأذهان، أن اتخاذ القرارات أمر يشيع أثناء العمل، ولا يخلو منه عمل فني على الإطلاق، إلا أنه توجد أعمال تعتمد في بنائها الأساسي ونتيجتها، على اتخاذ قرار مهم معين، وهو في الأغلب قرار أخلاقي، ويمكن أن تُسمى “قصص القرار”. وهناك أعمال أخرى تعتمد أساساً على تحقيق غرض محدد (مثل تدمير هدف حربي)، ويمكن أن تُسمى قصص (تحقيق الهدف)، وفيها يكون القرار وسائلياً في الأغلب.
وعموماً فليس من الضروري بحث وإعطاء كل السّمات السابقة لجميع شخصيات العمل، إذ قد يُكتفي بسمة أو اثنتين لبعض الشخصيات الهامشية، وكلّما ازدادت أهمية الشخصية، لزم أن تُعطي معظم أوكل السمات المذكورة.

لا تعليقات

اترك رد