الهوية الدينية والمعنى الديني العملي


 
لوحة للفنان ميسون انيس

ما نقصده من الهوية هنا هو هويتان، هوية ذاتية تخص فكر وثقافة وانتماء الفرد إلى دائر ثقافية تاريخية خاصة وهي هنا الإسلام وقيمه ومفاهيمه وعقائده وثقافته، وهوية أخرى، هي هوية الفرد كمواطن أو ككائن “اجتماعي-سياسي” يعيش في وطن، وينتمي إلى مؤسسة الدولة، يمارس فيها ومن خلال أنظمتها وقوانينها، حقوقه ويلتزم بواجباته ومسؤولياته في العمل والإنتاج، وصنع المصير، في طبيعة الكيان، وشكل النظام السياسي المتصور.

طبعاً، ليست المشكلة في وجود هوية لدى أية فئة أو أمة أو حضارة، فالكل لديه هويات، تتكون من عناصر روحية ومادية، ومقدسات نصية وسلوكية، تشكل جوهراً وروحاً عميقاً لدى كل الهويات، بالتالي لا يمكن إلغاؤها، المشكلة هي في تصيُّرِها كينونة متصرّمة قارّة مغلقة، وكتلة صماء متراصة بمعايير صلبة مصمتة تتغذى من جوهر معرفي عقائدي لا إنساني مفارق منقطع غير متصل، بما يحولها إلى عقبة كأداء أمام أية نزعة تطوير أو رغبة للتجديد والتحول الواعي الحضاري الإنساني.. ولا شك أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تتميز عن غيرها باحتوائها على ثقافات وهويات متعددة ومتنوعة، وتضج بأشكال وأنماط متعددة من الهويات الثابتة، قومية ودينية واجتماعية وثقافية.. أيه أنه لديها هي، “فوائض هوياتية”، إذا صح التعبير، ولكن للأسف لا تزال “مواطنية” أفرادها وأتباعها (أي ممارستهم للشأن السياسي والاجتماعي العام في بلدانهم كحق قانوني مضمون ومكفول لهم) ضعيفة ومنقوصة بل ربما غير موجودة أصلاً لدى العديد من تلك الدول والكيانات السياسية التي تزخر بتلك الهويات المتنوعة.. هنا تكمن المشكلة الحقيقية على هذا الصعيد.. إنها في تحول تلك الهويات العقائدية إلى هويات قاتلة عنيفة رافضة للآخر، وذلك كنتيجة طبيعية لقمعها وتسكينها بمخدرات وطقوس الهوية الثابتة.

ويفترض بهذه الهوية المرتكزة على قيم المواطنة السياسية والتنمية الإنسانية المتجسدة في القانون العام الناظم لحركة الدولة والمجتمع، ألا تتناقض أو تتعارض –منذ بدء لحظة تشكلها الدستوري- مع هوية الفرد الذاتية الخاصة التي يمارس من خلالها انتماؤه لفضاء ثقافي تاريخي خاص به وبالمجتمع أو بالتكوين الثقافي والحضاري الذي ينتمي إليه، كأنساق وعادات وتقاليد وأعراف خاصة معبرة عن مصالح الجماعة، وتطلعاتها في البناء والتطور.. خاصة مع وجود نظام سياسي تعددي ديمقراطي (مقبول طوعياً من الناس المتدينة أصلاً) يحفظ التنوع ويحافظ قانونياً على التعدد الثقافي والتاريخي لمختلف المكونات الموجودة لديه، والتي يسمح لها بالظهور العام، والتعبير عن خصوصيات أصحابها ومريديها ومعتنقيها في الحضور و”إثبات الذات” ضمن المجال العمومي بلا أية تعقيدات أو إكراهات، بما يساعدها على التفتح الطبيعي في الهواء الطلق جنباً إلى جنب بقية الهويات الخاصة بهذه الجماعة الحضارية أو تلك.

إن تشكُّل هذه الهوية الذاتية الخاصة في زمن مضى وانقضى، وكانت له حساباته وظروفه ومكتسباته، لا يعني بالضرورة أن تكون تلك الهوية مصمتة ومغلقة على ذاتها وقيمها وأفكارها، أو عاجزة عن الانفتاح على أسئلة الحاضر وتحدي المستقبل.. بل إن القيمة الحقيقية العملية لمعنى تلك الهويات تكمن هنا، في قراءاتها بوعي وعقلانية بحسب تطورات العصر، لتحقيق مزيد من التواصل والتعارف والبقاء، ومزيد من الإنتاج الرمزي والمادي، والفاعلية والحضور المؤثر في الواقع الخارجي.
بهذا المعنى يمكن القول بأن الهوية المنفتحة على الحياة والعصر، هي هوية الحضور والإنتاج الرمزي، بينما الهوية الثابتة هي هوية الانغلاق والانقطاع والموت الحضاري..

من هنا يمكن التأكيد على أن تقدّم مجتمعاتنا العربية الإسلامية مرهون أساساً بتطور وتقدم الفكر المؤسس لإنساننا المسلم على طريق تقبّله وقناعته الكاملة بضرورة العيش زماناً ومكاناً (عقلاً ووعياً) في عصره الراهن، لا أن يكون حاضر الجسد مغيَّب العقل، ومهمش الحضور.. وهذه القناعة الذاتية لن تتولد أو تنبثق عنده إلا بنقد الفكر المؤسس وتجديد الهوية والمعرفة ليكون إنساننا قادراً على ممارسة معيشته إنتاجاً وعملاً في زمانه من خلال تجديد الفكر الزمني التاريخي نفسه.

وما نعيشه اليوم لا يعبّر عن كوننا لا نزال خارج نطاق التفكير والعقل والحداثة عموماً، كما يقول أكثر من مستشرق ومستغرب، وإنما يجسّد بالعكس عمق أزمة هذه الحداثة العربية الرثة الكسيحة (كما عبر عنها برهان غليون)، أو النسخة المشوهة منها التي وصلتنا من نخبنا الفكرية والعسكرية السياسية.. وهنا مكمن العطل وجذر الخلل، إنه في نمط الحداثة الرثة الذي اخترناه وأنتجناه مناخ ثقافي-ديني متعصب للنص على حساب الواقع.

وبناءً عليه نعتقد أن المرحلة المقبلة من تاريخنا في عالمنا العربي الإسلامي تقتضي –من دون شك- إدراك ووعي الحجم الحقيقي للمخاطر والمتغيرات الدولية المتسارعة، وضرورة الوقوف ملياً أمامها بعقول واقعية مفتوحة بعيدة عن أسلوب التشنج ولغة الأيديولوجيا المليئة بحمولات وشحنات عقائدية عاطفية غير عقلانية، وشحذ الوعي الاستراتيجي بمفاهيم وقيم وأساليب وآليات عمل جديدة للتعامل مع مستجدات وأزمات متجددة، وتحولات نوعية متسارعة باستمرار، وتحديات غير مألوفة وغير مسبوقة في تاريخ العالم والحضارة الكونية، وذلك أن الأمر لا يتعلق بترميم نظم قائمة تريد أن تتطور، وإنما يتعداه إلى ضرورة الاستعداد الحقيقي (على المستوى النظري والعملي) للانتقال المتأخر من مناخ المعادلة الدولية المندثرة والبائدة إلى آفاق معادلة دولية أخرى قيد التكوين والإنجاز التراكمي، فهل سيتمكن العرب والمسلمون من بناء جيل معافى وسليم بدنياً وعقلياً يمتلك الإرادة والقدرة والإمكانات على تحقيق ذلك الهدف الكبير؟!! وهل سنقضي أو على الأقل نخفف من أجواء ومناخات الفساد والإفساد والرشوة والمحسوبية المستشرية في مختلف مواقع العمل السياسي والاقتصادي في عالمنا العربي؟!.. وهل يمكن أن يتشكل لدينا يوماً ما رأي عام عربي فاعل وقادر على تحمل مسؤولياته وتبني خيارات عملية مفتوحة جديدة غير تلك التي ورثها وآمن بها، ودفع أثماناً باهظة في سبيلها دونما نتائج تذكر، في عالم السرعة الفائق، وتدفق المعلومات المذهل، والتواصل الميديائي “السوبراني” الهائل والواسع؟!.. وهل سننعم بانتخابات حرة وعادلة تقرر فيها “خيارات الشعوب وليس ضرورات الأنظمة”؟! وهل ستقوم عندنا –تبعاً لذلك- حكومات دستورية عادلة خادمة لشعوبها ومعبّرة عن طموحاتها وآمالها في التحرر والبناء والتطور والازدهار والرفاه؟!. وهل سنترك للإعلام الحرية المطلوبة واللازمة، ونسمح له بممارسة النقد البناء والهادف حتى ولو تعارض مع المصلحة الشخصية لهذا أو ذاك؟!. وهل سنضع قوانين عصرية تعطي المرأة كامل حقوقها المدنية التي شرعتها الأديان وطورها الإنسان؟!!.. وهل سنجهر ونعترف بانهيار حقبة عربية وإسلامية بأزمنتها ورموزها لكي يكون بإمكاننا أن نرمم أو نعيد بناء واقع عربي جديد، بحيث لا نترك الفرد والمواطن العربي محبطاً ويائساً وقابلاً للوقوع رهينة للصدمات التي يمكن أن تواجهه نتيجة التغيرات والمناخات السلبية؟!!..

هذه كلها أسئلة مركزية، تتركز الإجابات العملية عليها على طريق أو من خلال معطى واحد أساسي هو “ضرورة التجديد الديني”، وضرورة إعطاء التدين السلوكي عندنا معاني وتمثّلات واقعية جديدة، للنهوض بواقع مجتمعاتنا التي هي في العمق وبالأساس الذاتي مجتمعات متدينة، ولا يمكن قطعها مطلقاً عن جذورها التاريخية والحضارية الدينية منها بالذات، ونؤكد أيضاً على أهمية تهيئتها ذاتاً وموضوعاً للدخول العملي الفعلي في عصر الحداثة.

المقال السابقعنوسة الياسمين
المقال التالىمقامُ التحية والسلام
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد