على هذه الأرض آلهة تصطدم بآلهة

 

هل فكرت يوما أن تصادق إلها أو أن تسامره في ليلة مقمرة ؟
هل خطر ببالك يوما أن ترى أو تصادق أربابا متنكرين وأرواحا قدسية سماوية ظهرت في جلود بشر ؟
وهل خطر ببالك أن الزهور في حديقة منزلك وعلى شباكك هي آلهة تمد يدها إليك مصافحة ؟
هل خطر ببالك أن تحب إلها وأن تقبل خدها وأن تتحاور معها ؟

هذه الأسئلة وغيرها مشروعة في الفلسفة الهندية وليست ضربا من ضروب الخيال . في الهند الآلهة تتنازل وتتقمص في أجساد البشر وتعمل بأيديهم وترى بعيونهم وتحب بقلوبهم وتفكر بعقولهم . فإذا تجسدت أمامك صورة من صور البطولة والفداء والكرامات في البشر والحجر والنبات فإياك أن تزدريه فقد تكون عينا الإله تطلان منها وترقبك وتحميك .

في الفلسفة الهندية وآدابها هناك الكثير من الخيالات التي تفوق في غناها الفكر الاغريقي واليوناني القديم فالمهابهرتا والراماينا هما بمنزلة الإلياذة والأوديسة في الأدب الإغريقي وهناك تشابه غريب لدرجة أنك تجد التماثل بين أبطال الملاحم الهندية وأبطال الملاحم الاغريقية وتجد أن ” باندو” و “بيروبكشا ” أندادا في المرتبة والقوة والحكمة لهرقل وثيسيوس وأوديب ، وعندما تستمر في القراءة بين السطور تصادفك لفحة الحزن والتشاؤم والألم والتطهر الروحي والأخلاق ونقاء الروح وسموها .

هناك فرق واحد بين أبطال الملاحم الهندية وأبطال الفلسفة اليونانية . فالأبطال الهنود لا يصارعون القدر وإنما يؤثرون الاستسلام للقدر في حالة اتحاد نيرفاني غريب وزاهد في حالة سامية من الاندماج الروحي بالإله وأما الأبطال لدى الاغريق واليونان فيصارعون القدر إلى أخر رمق في حياتهم .

فما التقمص وكيف يُنظر إليه في الدين والفلسفة ؟

التقمص عند الحكماء هو انتقال الروح أو النفس الإنسانية عند انفصالها عن البدن من جسد إلى آخر، والتقمص يعني جعل الأجساد أقمصة للأرواح تنتقل من أحدها إلى آخر دوراً بعد دورٍ. يقال تقمص أي انتقلت روحه من جسده إلى جسد آخر، وفاعل الفعل هو الروح أو العقل الفعّال كما يقول أرسطو والتقمص عقيدة تقوم على أساس خلود الروح وأزليتها كجوهر، أما الجسد فهو قميصها الذي يبلى فتستبدل به عندئذ قميصاً آخر تنتقل إليه ومنه التناسخ.

يعتقد المصريون أن في قدرة الإنسان العودة إلى الحياة بعد موته لأن الموت هو عبارة عن رقاد في القبر إلى أن تعود روح الميت فترتدي أو تتقمص جسدها الثاني من جديد والنفس تتقمص بالتتابع صور جميع الحيوانات التي تعيش على الأرض لتعود بعد ذلك إلى جسد إنسان لكي تبتدئ ثانية بسياحتها الأبدية (الولادة الثانية) وكان بعض المصريين يعتقدون أن الإله أوزوريس يتقمص جسد عجل، ومنه جاء العجل العبراني الذي تعرف به اليهودية.

لاشك أن الكنعانيين والفينيقيين كانوا يؤمنون بالحياة الأخرى، فقد كانوا يدفنون الميت ومعه، أو بقربه، متاعه وماله وسلاحه. وقد وُجدت جرار كثيرة كانت تستعمل كتوابيت، توضع فيها الجثة مطوية على نفسها بشكل متجمع، وبجانبها إبريق وصحن وكأس للاستعمال في حياة ما بعد الموت.

وكان العرب في الجاهلية يرون أن الناس يُحشرون ركباناً على البلايا، ومشاة إذا لم تُعكس مطاياهم عند قبورهم، أي إذا لم يُشدّ رأس الناقة أو الجمل إلى الخلف بعد عقر إحدى القوائم أو كلها إلى أن تنفق، وهو ما كان يعرف عندهم بعقيدة البليّة أو العقيرة. وقد وجدت في حوران نقوش تدل على أن البهائم كانت تساق إلى الأموات للأكل منها، وهذا يشبه اعتقادات قدماء المصريين. أما بموجب النظرة الأقدم إلى الكون، في بلاد ما بين النهرين، عندما كانت الآلهة هي ظواهر الطبيعة، فكان باستطاعة الإنسان أن يصير إلهاً بتقمص شخصية القوى الكونية الكبرى باتحاده بهوية القوة وتلبسها، فيؤثر فيها بممارسة الفعل والحركة في كل المهرجانات المراسيمية والطقوس كمهرجان الموت والبعث، وقد استمر ذلك إلى قبيل الميلاد ببضعة قرون.

ترى العقيدة الهندية التي تقوم على اعتبار الوجود إثماً يجب التخلص منه، أن روح الفرد تتقمص أجساداً عدة ومختلفة، إنسانية وحيوانية ونباتية في أزمنة وأماكن متعددة، ويلاقي الفرد الثواب والعقاب في جميع مراحل تجدده، ويكمن الخلاص في انقطاع سلسلة تقمصه، وهنا يعيش في حالة يدعوها البوذي النيرفانا أي الغبطة الكاملة. وتؤمن البوذية على أساس أن كل ذي حسّ قد سبق له أن عاش في الماضي عدة حيوات، وأن أفعاله هي التي تحدد ما ستكونه حيواته المقبلة المتجددة التي تتخذ مستويات لا حصر لها، يشكل مجموعها ما يُسمى «عجلة الحياة والموت» الدائمة الدوران دون رحمة لأحد، فالكل مرتبط بها حتى الآلهة، إذ إنه ليس في البوذية فعل رباني خالق. وعلى هذا تؤمن البوذية بأن النفس تنتقل من جسد إلى جسد أرضي كي تتطهر وتصل إلى درجة النيرفانا، فتنتقل عندئذ إلى كوكب آخر، وهم حين يعتقدون بالولادة الثانية، يميزون بين انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر في هذا العالم الأرضي وبين انتقالها إلى كوكب آخر، إذ إن المتوفى يعطي الحياة أو القيامة للشخص الجديد، ويستثنى من التقمص إنسان واحد هو غوتاما بوذا لأنه تحرر من عجلة المواليد أو دائرة الوجود. وتعترف الهندوسية والجاينية والبوذية، بعقائد الكارما لأن العدالة والكمال الأخلاقي والروحي لا يتحقق في حياة واحدة، فالولادة ثانية تعطي الفرد فرصة للتقدم باتجاه الكمال.

تنص شريعة مانو على أن الإنسان يحصل على النتائج السيئة أو الحسنة للفعل العقلي في عقله ونتائج فعل الكلام في كلامه ونتائج الفعل الجسدي في جسده، وكنتيجة للأفعال الخاطئة التي اقترفها الجسد، يصير الإنسان في الولادة الثانية شيئاً “غيرما كان عليه ” ونتيجة للأخطاء التي ارتكبها بالكلام يصير طيراً أو حيواناً، ونتيجة للأخطاء العقلية يولد الإنسان في طبقة منحطة.

لكن اللوكاياتا ، التي تصنف مع البوذية والجاينية كاتجاهات لا أرثوذكسية، تقول إنه لا توجد حياة ثانية، وأن هذا العالم ” لوكا ” هو وحده الموجود، وإن الروح لا توجد منفصلة عن الجسد، وإن فرضيات الدين: الله، الحرية، الخلود، هي أوهام، وأن الطبيعة ليست خيّرة ولا شريرة لأن الخير والشر اصطلاحات اجتماعية، عندما يحرقون جثتنا لا نعود مرة أخرى للحياة .

المهابهارتا ملحمة تروي حكاية قتال الإخوة الخمسة ” الباندوا” مع الإخوة المئة ” الكوروا” حيث تنتصر الكثرة على القوة ويطل دم الإخوة الخمسة الباندوا لينطلق في أقاليم الهند للمغامرة ويبدو أن أجمل مغامراتهم قتالهم لعفاريت الغابات المفسدين الذين يظهرون بمظاهر مختلفة على أشكال نبات أو أطيار وقد يكون قتال أحد الإخوة للعفريت ذو الذراعين الطويلتين والبطل الذئبي حيث يقوم بغواية بنات العفاريت بجماله الرائع والفوز بكل جوائزهم بعد حل كل الألغاز بطريقة درامية مشابهة لحل أوديب للغز التنين وتستمر المغامرات لهؤلاء الإخوة حتى يشعرون بالشيخوخة ودنو الأجل فيعتزلون العالم في جبال الهيمالايا حيث تفيض أرواحهم على الصخور العارية .

يعتقد الناس في الهند أن الإله الأكبر ” وشنو ” قد تجسد في كل منهم كما تجسد الآلهة الآخرون في أعدائهم…..

هذا ما يفكر به أبناء حضارة الطين …..فهل الآلهة تصطدم بالآلهة على هذه الأرض؟ ربما .

لا تعليقات

اترك رد