هل هي مواجهة لإيران في سوريا تسبق الحل السياسي ؟

 

يبدو أن قواعد اللعبة السياسية في سوريا تغيرت، فبعد أن ضربت إسرائيل خمسين موقعا يديره الحرس الثوري الإيراني في سوريا في 10/5/2018 ردا على عشرة صواريخ أطلقها باتجاه إسرائيل، هناك جدل كبير بين المحللين السياسيين العرب بل هو سؤال محرج ينقض كل المفاهيم، هل نقف مع إسرائيل أم مع إيران، وأيهما العدو إسرائيل أم إيران، وإذا كانت الإجابة بأنهما لا يمكن التفريق بين عداوتهما للأمة العربية، لكن من العدو الرئيسي، تلك أسئلة بحاجة إلى إجابات وبشكل خاص نحن في مواجهة نحو إخراج النفوذ الإيراني من المنطقة العربية، فلم تلك الأسئلة في هذا الوقت بالذات، هل لوقف مواجهة إيران وتركها في المنطقة العربية تهدد أمنها عبر زرع الطائفية، وإذا تضررت إسرائيل هي الأخرى من النفوذ الإيراني هذا شأنها ولا يمكن أن يرتبط بالضرورة بمواجهة إيران التي تقودها السعودية، وهذا لا يعني التخلي عن المواجهة مع إيران التي ضربت المنطقة العربية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وترفض الانسحاب، فيما تصر على دعم مليشياتها خصوصا الحوثيين الذين يخوضون حربا مدمرة مع دول التحالف بقيادة السعودية من أجل هدف رئيسي وهو عودة الشرعية إلى اليمن.

فرضت السعودية ودول الخليج في 16/5/2018 عقوبات على ستة من قادة حزب الله اللبناني وعلى رأسهم حسن نصر الله ونائبه نعيم قاسم رافضة التمييز بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب وتتهمه بالمشاركة مع إيران في زعزعة استقرار المنطقة حيث يطيلون أمد المعاناة الإنسانية في سوريا، ويؤججون العنف في العراق واليمن، ويعرضون لبنان واللبنانيين للخطر ويقومون بزعزعة كامل منطقة الشرق الأوسط.

لم تنزعج إسرائيل في السابق من وجود الحرس الثوري في سوريا وكانت تعتقد أن دول الخليج وأمريكا ستقوم بدعم المعارضة السورية وتقضي على الحرس الثوري، لكن أوقفت أمريكا دول الخليج عن دعم المعارضة، خصوصا بعد دخول روسيا إلى سوريا، وبدأت روسيا تحييد الحرس الثوري، رغم ذلك فإن روسيا كانت تستخدمه في تحقيق أجنداتها، وهي تكتفي في تقديم الغطاء الجوي، لكن الحرس الثوري استغل هذه الحاجة، وبدأ في تعزيز تواجده في سوريا وفي بناء قواعد عسكرية لم يرق لإسرائيل، فلم تجد إسرائيل سوى الدخول في مواجهة مباشرة مع الحرس الثوري، فلم تكن تنزعج إسرائيل في الماضي من قيام الحرس الثوري الذي استقدم مليشيات من باكستان

وأفغانستان ومن العراق ولبنان ما دامت المهمة اقتلاع الشعب السوري وشن حرب إبادة وهذه المهمة نجحت على أكمل وجه.

يبدو أن الحرس الثوري من أجل استعادة الزخم الشعبي الذي بدأ يفقده اتجه إلى اللجوء إلى سياسة الاستفزاز بعدما نجح في رد صاروخي مباشر نفذه الحرس الثوري عبر الجولان مستخدما صواريخ متوسطة المدى، وصفته إسرائيل بأنه الأوسع الذي تقوم به منذ عام 1974 وشمل 50 موقعا تحت الإدارة المباشرة لطهران وحرسها الثوري ما جعل لافروف وزير خارجية روسيا يدعو إسرائيل وإيران إلى الحوار المباشر مما اضطر إيران إلى نفي أنها هي التي أطلقت الصواريخ واتهمت السوريين بإطلاق تلك الصواريخ لوقف تلك المواجهة في المقابل إسرائيل ادعت انها قضت على البنية التحتية للحرس الثوري في سوريا.

أصبحت إيران تعاني أزمة شديدة جدا بسبب أخطاء استراتيجية ارتكبتها، وخشيتها من خسارة كل مكتسباتها التي تحققت في الفترة الماضية بعد توقيع الاتفاق النووي في عهد أوباما في اليمن على يد السعودية وفي سوريا على يد إسرائيل وفي العراق بعدما أفرزت الانتخابات فوز الصدر المعادي لها والمدعوم سعوديا بعد زيارته للسعودية ولدولة الإمارات، والتي تعتبرها إيران تلك الانتخابات مفاجأة سيئة لها، في المقابل يرفض الصدر الانضمام لأي تكتل يتبع إيران، وبدأت تسير مظاهرات في بغداد تهتف إيران بره بره بغداد صارت حرة، وفي لبنان هناك عقوبات اقتصادية خليجية سعودية أمريكية على حزب الله بعد الفوز الذي حققه في الانتخابات الأخيرة.

بعدما كانت إيران تطالب أمريكا بمغادرة المنطقة، لكنها اليوم تتعاون مع روسيا في سوريا، وكانت تعتقد إيران أن نفوذها الذي حققته سيأتي لها بمنافع اقتصادية، لكن بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي الإيراني يعتبر بمثابة ضربة للنفوذ الإيراني.

بشار الأسد في حالة من الحذر بعدما تحولت سوريا إلى ساحة قتال بين إيران وإسرائيل خصوصا بعدما بدأت إسرائيل بضرب أنظمة وقواعد الدفاع الجوي السورية، مما جعل الأسد في حالة من المواجهة مع الإيرانيين، وبدأ يعتمد على روسيا عند قيام إيران بأي عملية عسكرية، كذلك روسيا لديها مصالح ولن ترضى أن تورطها إيران في مواجهة غير محسوبة لا مع أمريكا ولا مع إسرائيل.

بعد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل ستمنع روسيا إيران من بناء قواعد عسكرية أو أي تواجد في سوريا بعدما كانت تطالب السعودية روسيا بذلك، لكن روسيا لم تحقق ذلك، وسيخسر قاسم سليماني زعيم القدس كافة البنى التحتية التي بناها بعد عام 2011 وكانت هناك 10 رحلات أسبوعيا من طهران إلى دمشق عبر شركة ميهان إير التي يملك الحرس الثوري جزءا منها وكل تلك الرحلات كانت محملة بالأسلحة، بينما في الأشهر الأخيرة اختلف الوضع وأصبح تهريب الأسلحة صعبا بسبب أن الرحلات الجوية بحاجة إلى استمارات تملأ وروسيا تسيطر على الأجواء السورية.

لكن إيران منذ فترة طويلة لجأت إلى الممر البري الذي يخرج من إيران ويعبر الصحراء العراقية والسورية، وهناك منظمة جهاد البناء الإيرانية التي افتتحت مكتبا لها في البوكمال في شرق سوريا قرب الحدود العراقية بهدف شراء العقارات المدمرة وإعادة إعمارها وأظهرات إيران اهتماما بالبوكمال بعد السيطرة عليها صيف عام 2017 في العمل على فتح خط بري بين طهران ودمشق عبر العراق، بعدما سيطرت القوات الأمريكية على منطقة التنف وعرقلت الطريق الإيراني إلى بيروت.

رغم ذلك بدأت المشكلات تتراكم على إيران داخليا الوضع الاقتصادي سئ وخارجيا الرئيس ترمب انسحب من الاتفاق النووي وأعاد فرض العقوبات على إيران، ودخلت إيران في مواجهة مع إسرائيل بعدما كانت ترفض التدخل في أي مواجهة مع إيران، واليوم بدأت روسيا تمنع إيران من بناء قواعد عسكرية في سوريا، أي أن إيران بدأت تدفع الثمن غاليا نتيجة تدخلها في سوريا وكذلك في اليمن.

ويأتي لقاء الأسد لبوتين في سوتشي في 17/5/2018 لبحث الأزمة في سوريا أجرى فيها مباحثات مفصلة حول التطورات الأخيرة التي جرت بين إسرائيل وإيران، وأتى هذا اللقاء بعد الجولة التاسعة لمحادثات أستانة التي جرت تحت رعاية الدول الضامنة وهي تركيا وروسيا وإيران وغياب ممثلين عن الولايات المتحدة على خلاف الجولات السابقة وبحضور الوسيط الأممي ستيفان دي مستورا، وأبلغ بوتين الأسد أن الوضع في سوريا ملائم لتفعيل الحل في المقابل أبلغ الأسد بوتين عن استعداده لبدء العملية السياسية، وإرسال وفد إلى الأمم المتحدة لمناقشة تعديل الدستور مع يعني بدء العملية السياسية في سوريا سيساعد في انسحاب القوات المسلحة الأجنبية من الأراضي السورية.

في المقابل أتت هذه الزيارة بعد إعلان بوتين نشر سفن حربية مزودة بصواريخ مالبير الروسية بشكل دائم في البحر المتوسط، بينما تخطط موسكو لبلوغ هذه السفن الحربية نحو 102 سفينة لحماية سوريا، وهو ما يعني تعزيز الوجود الروسي في الشرق الأوسط من بوابة سوريا.

قبل الغزو الروسي كان القرار العسكري والسياسي بيد إيران وكان قاسم سليماني بمثابة الحاكم العسكري لدمشق، والأسد مجرد منفذ للأوامر، واستطاع الحرس الثوري الإيراني اقتلاع المدن والقيام بالتهجير الجماعي ومنع عودة الأهالي وتشجيع التشيع من أجل تبلور مشروع إيراني مستدام السيطرة على سوريا معتمدة في ذلك على سياسة النفس الطويل الذي يعرقل الحل السياسي، وتطبق إيران مشروع مستنسخ من تجربة العدو الصهيوني في فلسطين شكل أداة هذه المليشيات التابعة لها للتملك خصوصا تملك مساكن الأهالي المهجرين والذين منعوا من العودة.

ارتبط الوجود الروسي بالدفاع عن الأسد وليس عن النفوذ الإيراني، لكن روسيا وقفت على الحياد ولم تمنع من دخول الأسلحة وتهريبها، لكن إيران حتى الآن لن تخرج من سوريا إلا إذا لاحت صفقة مع الولايات المتحدة التي تضغط عليها السعودية خصوصا بعدما خرج ترمب من الاتفاق النووي الإيراني الذي وضع طهران أمام خيارات صعبة، ولكن مع التغيير الكبير في قواعد اللعبة حيث بات الاستهداف مباشرا للأيدي الإيرانية لوقف حرائق إيران التي تضرب المنطقة.

لا تعليقات

اترك رد