كيف نقرأ واقعنا الإنساني بعين المسرح وشهادته…؟

 

نافذة 2: المسرح والحياة

كلُّ المدارسِ المسرحية بتنوعاتِها، هي انعكاساتُ أساليب ومذاهب الحياة بصورها الفكرية الاجتماعية، الأشمل في تجسيد وجودنا والتعبير عنه، وفي تقديمه بوصفة أو رؤية الإبداع المسرحي.. الحياة لا تظهر في حدود وثيقة لمسرح تسجيلي أو طبيعي أو واقعي بكل اتجاهات الواقعية حسب بل تظهر بكل تلك المدارس الدرامية التقليدية منها والحديثة؛ ولا فرق هنا بين استنطاق وآخر إلا فيما يمنحنا وجوهاً جديدة والكشف عن معاني أخرى للوجود ذاته..

الحياة لا تنتهي بمحددات زمكانية؛ وكأنّ الوجود الإنساني هو مبنى بصورة واحدة، بوجود فراغي مكاني محدد الأبعاد سمترياً بصورة جامدة؛ هذا ليس سليماً ولا يعبر عن الحقيقة.. فالحياة ليست ذاتاً مشعة ونحن مرايا سلبية التلقي لها، إنّما الحياة محصلة معادلة كيميائية من تفاعل عين فاحصة كاشفة ترى وجهاً أو أكثر من بين لا نهائي الأوجه لوجودنا الإنساني…

وما يراه زيدٌ غير ما يراه عَمرو لذات الوجود.. وكل الرؤى تلتقي وتجتمع لتتكامل الصورة.. نعم، لتتكامل ليس من تشظيات يظنها بعضهم وكأنها اجتماع سلبي لانكسارات صورة في مرايا محطمة بل لتتكامل من تفاعل مقصود بين تلك الرؤى \ الصور ومعانيها وعلامات وجودها الموضوعي؛ وهذه الصور والحقائق المكشوف عنها للوجود المعين، تتعدد بتعدد الأعين والأفئدة التي تنفعل بها وتؤثر فيها أيضا وبتنوع رؤى تلك العقول التي تتفحص لإدراك أو لتقديم الوجود للآخر..

إنّ القراءة الدرامية تتأتى من حصيلة وجود المبدع المسرحي الكاتب، الممثل، المخرج ومن جميع خالقي العمل الدرامي ورؤاهم وأداءاتهم والقراءة لا تنتهي عند تلك الحدود التي تبدع المنجز الإبداعي الجمالي بمضامينه بل ايضا من منتج التفاعل بين القراءة الدرامية وقراءة المتلقي في اللحظة المعينة إذ أن ذات المتلقي يمكن أن تتعدد قراءاته بتعدد المؤثرات المحيطة بالتفاعل بينه وبين المنجز.. كما تتعدد ثمار القراءة بتعدد القراء وقراءاتهم وبتنوع ظروف كل قراءة أي بحجم وجودنا وتنوعات هويات شخصياته فردياً جمعياً..

إنّ الكمّ يحدد جانباً من حجم التنوع في القراءة، لكن الكيف سيحدد فوق ذلك بمساهمة جدية في ثرائها وغناها.. فقراءة سطحية وأخرى عميقة بحسب مستوى الكيفية التي تعبر بها الدراما عن حقيقة.. إذ كلما تعمقت الدراما ومنجزها في بنيتها وفي اشتغالاتها كان الثراء أبعد عمقاً والعكس أيضا صحيح.. لكننا بجميع الأحوال، نستطيع عبر ذلك الكيف (الدرامي) وطابع إجابته أن نحدد مستوى الوجود البشري ومراحل تطوره أو تخلفه…

كيف نقرأ واقعنا بعين الدراما؟ لا تأتي إجابته العجلى من بوابة المعالجات المضمونية ولا حتى من نجاح ثيمة جمالية فذلك يمثل جزئية قد نختلف فيها وقد نتفق، إنما تأتي إجابة الكيف عبر تحليلنا تمظهرات الدراما نفسها.

فبدءاً تأتينا الإجابة من اختيار الدراما تحديداً عندما يلتقط المبدع عنصر تركيبتها حيث الصراع أس الدراما وإن جاء بصيغة هدوء ما قبل العاصفة عندما يتحدث عن رتابة واقع وسكونه ثم في الجنس الدرامي وبالتأكيد في المذهب أو الاتجاه والمدرسة التي تتفاعل وما تعرضه من ثيمة ومعالجتها.. ولا ينبغي الانتقال إلى مواضع المضمون والفحوى أو المحتوى إلا بعد الانتهاء من هذه الأمور التي تجيب عن إشارات توجيه الكيف وإجابته.

فنحن نقرأ عبر تساؤلات تتلمس ما بين الأسطر و\أو ما بين القيمة البصرية والأخرى عندما يتعلق الأمر بما يجري على الركح.. إننا نتساءل عما يخص العلاقة بين الدف وخيار الدراما وبين ذلك والتمظهر الصنفي وما يوحي لنا به وبين المعالجة والمدرسة المنتخبة لها وعبر ناتج معادلة كل إجابة لنا، تظهر قراءة بعينها وفي تفاعلات القراءات تظهر حالات الكيف التي تمثلها فحوص العين المسرحية…

على سبيل المثال في عالمنا المعاصر، تجد صنف البوئيم الدرامي يحمل كثافة من جهة وصيغة شعرية اللغتين المسموعة والبصرية من جهة أخرى.. ولتوضيحِ الفكرة نذكِّرُ بأنَّ عناصرَ الاتجاه المسرحي الرمزي، على سبيل المثال، تقف بتعارض مع العناصرِ الدراميةِ التقليديةِ عدا الحوارِ ما يجعل تلك المسرحية (الرمزية) بنطاق (البوئيم)؛ وتحديداً هنا تظهر القراءات متشعبة كثيرة التنوع ثرية الإيحاء لاستنباط نتائج معادلات التفاعل بين قراءة التلقي وقراءة المنجز الإبداعي.. وهذا ما يعنينا حصرا بهذه المعالجة من جهة إجابة عين المسرح عن الكيف الذي يقدم لنا به الواقع..

هنا يستطيع القارئ كشف سلبيات الواقع ووضع المتلقي في تجاريبه، من دون أن يتطلب الأمر مرورا كارثيا للمتلقي في مختبرات التجربة الإنسانية بما يعنيه من احتمالات التضحيات والآلام والمواجع.. وطبعا في تنوير ذاك المتلقي إلى الثيمة، ومفردات التعامل معها فكرياً مجتمعياً..

لكن هل يعني هذا أنّ الاتجاهات المسرحية وأصناف التعبير الأخرى باختلاف مستويات نسجها لا كيف ولا أي بعد نوعي لمنجزها؟

بالعكس تماما، الحقيقة أنّ وجود الدراما العصرانية الحديثة اليوم لها عمقها، الذي يتطلب وجود من يقرأها فلسفيا فكريا حيث نجد عبر تلك القراءات فرص الكشف عن عالمنا وهويته وما ينبغي من مسار للبشرية للخلاص من الصراعات المرضية ومن إفرازاتها التي تقع على كواهل شعوب الدول النامية، حيث يُهيَّأ لها أنظمة ومنظومة قيمية تخترق تلك الشعوب بمنطق الخرافة في عصر العبور إلى الفضاء والغوص بأعماق الوجود الطبيعي وتركيبة الذرة…

وإذا كانت الأمور تمرَّر في دول التقدم بصيغ المشاغلة وتزجية الوقت وتجنيب فرص اندلاع حركات التغيير بسجال فكري يعتمد كيفاً جمالياً بعينه؛ فإنّهُ في بلدان التخلف يعتمد التسطيح في البنيتين الجمالية والأيديولوجية التي يستبدلونها بخطاب الخرافة وقيمه التي تدعو لاستغلاق العقل وحجب التفكير ولاستسلامه لأوامر وتواهي القدسية المزيفة بمصادر إطلاقها حيث الكهنوتين الديني السياسي…

هنا يتقدم السياسي على الثقافي، ويتقدم التعطيل للعقل على الإعمال وتحرر التفكير وتنويره.. فلا نجد مما يظهر في الغالب إلا سوق نخاسة تحظر التفكير لا على المتلقي السلبي قسراً بل حتى على المنتج الدرامي المسرحي.. وبين أن يجري التسويق لمسرح يسمونه ديني أو أخلاقي وعظي أو يمنحون فسحة ضيقة لمسرح تجاري ، بينهما يجري قتل الكيف النوعي الدرامي الإبداعي الذي يدعو لإعمال العقل وتنويره الفكري…

ذاك التعطيل والحظر، يستغل لعبة عبثية (للتحريم) الديني ومن ثمّ لتنفيذ أحكام ما بعد التحريم \ التكفير أي تنفيذ جرائم تصفوية أحادية الغاية ولا تعددية فيها إلا في فضاء تعدد كهنوت الاستغلال والاتجار بالإنسان، أقصد بالضبط الكهنوت الديني منه (مزيف القدسية) والسياسي المفروض كرها ببلطجة مافيوية ميليشياوية بكل أشكال العنف الذي تستغله بجرائمها..

هل الصورة واضحة في النموذج العراقي؟ أو نماذج شبيهة في بلدان المنطقة؟ مراجعة سريعة لكل الأعمال أو لأي منها ستمنحنا فرصة كبيرة للكشف بل الفضح عما دار ويدور في فضاء السلطة السياسية والتقليدية الاجتماعية المحايثة من مشاهد المسموح والمحظور ولماذا؟

إن نظريات الدراما إبداعاً وتقويما نقديا أو دراسة فكرية جمالية \ فلسفية هي تعبير دقيق صادق عن الكيف الذي نحتاج عبره لتبين الإجابة عما يدور بعوالمنا من قوانين نريد تكريسها وأخرى نحتاج لكسرها ومحوها لنتحرر من قيودها ونيرها..

مرة أخرى ومجدداً تؤكد هذه القراءة لا على اتفاق و\أو اختلاف مع معنى أو دلالة فكرية لمنجز مسرحي كي نجيب عن أسئلة واقعنا وتشخيصه بل نحن في عصر لا يقبل الاكتفاء بالمباشر المنقطع عن بيئته في التشخيص وإنما يبقى بحاجة مستمرة لتفعيل قراءة معادلات مركبة كثيرة التعقيد قبل أن نتوصل فعليا لحسم إجابة أو أخرى..

فهلا تنبهنا اليوم إلى أشكال منجزنا الدرامي المسرحي بكل ما يملكه من فضاءات ثرة غنية التنوع ليس بالضرورة المتوقفة عند تخوم المباني المسرحي ودور العرض بل المفتوحة على كل ممارسة لأي منا فرديا جمعيا ومن ثم ما اعتمد على عين الفحص الدرامي لكل منا تجاه تجاريبنا المباشرة ملتحمة ببيئة لا نهائية التوالد…

وللمعالجة بقية بتفاعلاتكن وتفاعلاتكم وإطلالات جديدة أخرى

لا تعليقات

اترك رد