لا لرفع شعارات العنف في ساحات التحرير


 
الصدى - العراق مظاهرات

في ثورات العالم قاطبة حدثت مآسي ومصائب أقل ما يقال عنها أنها كانت غير إنسانية حيث واكبتها القسوة المفرطة إلى أبعد الحدود ، فها هي الثورة الفرنسية الرائدة عام ١٧٨٩ والتي تعتبر أول ثورة شعبية ضد النظام الملكي الإقطاعي صاحبها العنف بأشكاله المختلفة ، من قطع للرؤوس ونصب للمقاصل والمشانق في طول البلاد وعرضها ، ولم يستطع أحد الوقوف بوجه الملايين من الفلاحين والفقراء الذين عاشوا حياة البؤس والذل والحرمان . ولم يستطع أحد السيطرة عليهم وهم يحملون رؤوس حراس سجن الباستيل في باريس الذي كان سقوطه إعلاناً عن سقوط السلطة الملكية المطلقة وقطعوا فيها أيضاً رأس الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري إنطوانيت

حدثت أعمال مشابهة في ثورات أخرى عبر التأريخ
فالملايين من الجماهير حين تنتفض على جلاديها يدفعها الحقد الدفين على ما عانته من ظلم وجور وحياة بائسة إلى إستعمال العنف الشديد المفرط الذي لا كوابح له حيث تتعدى بها حدود القانون والأمن العام وتُزهق الأرواح دون حساب .
حدث بعض التشابه في ثورة ١٤ تموز الخالدة عام ١٩٥٨ ، ورغم أن ما حدث من قتل للملك فيصل الثاني والوصي وبعض أفراد العائلة المالكة ونوري السعيد لم يكن مخططاً له من قيادة ثورة تموز ، لكن الذي حصل كان خارج نطاق السيطرة الذي يحدث نتيجة للإنفلات الجماهيري غير المنضبط .

ولو عدنا إلى واقعنا العراقي المؤلم الآن نجد أن هناك تشابه مع الأسباب العامة للثورة الفرنسية كأوضاع الناس المعاشية من فقر وعوز ومرض وتخلف ، أضف إلى هذا أكثر من ثلاثة عقود من الإذلال منذ أيام الدكتاتورية الصدامية البغيضة حيث جرى إذلال الشعب وإفقاره وإدخاله في دوامة من الحروب التي لا طائل لها والتي أكلت الحرث والنسل وأعادت العراق إلى الوراء . والآن يمر أكثر من عقد آخر وتزداد معاناة الناس ويزداد إفقارها وتجويعها وتُنهب خزائنها وإفلاسها ، ويُشرد الملايين منها في داخل وخارج الحدود وتُحتل مساحات واسعة من أراضيه من عصابات داعش .

ماذا يحصل بعد أكثر من هذا ليكون عليه الوضع قابلاً لإشعال فتيل الثورة ، نعم الثورة ، لكنها الثورة السلمية التي رفعت شعاراتها الجماهير منذ عام ٢٠١١ مطالبة بالكهرباء والماء والحياة الإجتماعية العادلة وقدمت من أجلها الشهداء وفي مقدمتهم ( هادي المهدي ومنتظر الحلفي ) وآخرون إلى جانب العديد من المختطفين من المتظاهرين والذين لا يُعرف مصيرهم لحد الآن .

لقد توسعت رقعة المظاهرات وشملت العديد من المدن بما فيها بغداد ، وإزدادت عددياً يوماً بعد يوم بعد أن إنضمت إليها الجماهير الفقيرة والمهمشة من بعض أنصار الأحزاب الإسلامية التي تساهم في العملية السياسية وفي مقدمتهم أنصار السيد مقتدى الصدر وغيرهم .

ونتيجة للضغط الحاصل من قِبل المتظاهرين ، إنقسم الماسكون بالسلطة على أنفسهم ، وراح البعض منهم ينأى بنفسه عن الفشل الحاصل في كل مفاصل الدولة ويقف إلى جانب المتظاهرين ومطالبهم العادلة في الإصلاح ومحاربة الفساد وتقديم السراق إلى العدالة . ولم يعُد بالإمكان فصل هذا الإنحياز وتجاهله طالما يصب في صالح الحركة الإحتجاجية ، لكن الحذر من شخوصه التي تريد أن تركب الموجة وتجيِّر المد الشعبي لصالحها بغية تصفية الحساب فيما بينها .

كما لا نريد لمعتصمي البرلمان أن يكونوا بديلاً عن متظاهري ساحات التحرير في أرجاء الوطن ، ولا أن يتحولوا إلى قادة لتظاهرات شباط ٢٠١١ .

التيار المدني الذي قاد هذه الإحتجاجات وقدم التضحيات يجب أن يعي اللعبة الخبيثة وأن يقف بكل قوة للتصدي إلى من تسول له نفسه من حرف الأهداف الإصلاحية السلمية التي رفعوها منذ البداية وعدم الإنجرار وراء الشعارات الحماسية المتشنجة التى أخذت تظهر هنا وهناك بين خيام المعتصمين ونصب ( المشانق ) في وسطها ، إنها شعارات غوغائية متطرفة علينا الحذر منها لأنها ستوقد نيران الفتنة والحرب الأهلية التي من الصعب السيطرة عليها وإخمادها ، وهذا ما يطمح أعداء الوطن الوصول إليه .
وكما جاء في الكلمة التي ألقاها منسق التيار المناوب الأستاذ رائد فهمي أمام المؤتمر الثاني للتيار الديمقراطي العراقي الذي إنعقد في بغداد بتأريخ ١٦ / ٤ / ٢٠١٦ والذي أكد فيها ( إلى توحيد عمل أحزاب وقوى وشخصيات حريصة على بناء دولة مدنية ديمقراطية تصون الحريات المدنية العامة والشخصية ، وتحترم التنوع الثقافي والإجتماعي لأبناء شعبنا ، وتسعى من أجل توفير حياة إنسانية لائقة للجميع على أساس العدالة الإجتماعية ) .

شعارات واضحة وخطوط عامة أوضح لمسار التيار المدني الديمقراطي في علاج الأزمة الخانقة التي تعصف بالبلاد الآن .

الشعارات المتطرفة أيها المخلصون في ساحات التحرير لا تخدمكم ولا تخدم مسيرتكم الظافرة في بناء الدولة المدنية الديمقراطية وإصلاح النظام السياسي ، وإنهاء نظام المحاصصة الطائفية ، وإصلاح القضاء ، وفتح ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين وتحقيق العدالة الإجتماعية .

شعاراتكم المستمرة من أجل المواطنة والخبز والحرية والدولة المدنية هي مفاتيح الحل لأزماتنا المتلاحقة .. مستمرون كما عهدناكم سابقاً .

لا تعليقات

اترك رد