بلاسم محمد جسام بين الكرافيك والخط العربي والتنظير

 

ألفنان التشكيلي – د. بلاسم محمد جسام – ألذي نشأ في الكوفة، أكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة بغداد عام 1975 فرع الكرافيك والخط العربي، ثم أكمل نفس الإختصاص فرع الكرافيك في كلية الفنون الجميلة – بغداد، وما تلاها من مراحل الدراسات العليا، ومن خلال ما تخصصت به أنا شخصيا فرع الكرافيك عام 1980 كلية الفنون الجميلة – ألذي تم إفتتاحه أول مرة على يد ألفنان الراحل – غالب ناهي – غادرت فرع الرسم على يد ألفنان الرائد – فائق حسن – كي أكتسب خبرة المهارة الحرفية من لدن هؤلاء الرواد. كون تنوعات التطبيق المهاري لفن الكرافيك يحتاج إلى خبرة حرفية خاصة، أشبه بالصناعة اليدوية ألتي تتضمن محتويات الأسرار. ومنها مواد الكاوجك والبرونز واليثوغراف والنحاس ألذي يستخدم الحفر به بأدوات اليد المباشر.

وكل هذه التنوعات تحتاج إلى مراحل من التطبيق بإستخدام الحفر على سطوحها، ثم تغطيه المساحات بمواد، كي تبقى بارزة، ثم يليها الحفر بأبعاد متجاورة، تلك الحرفة ألتي ألم بها الفنان – بلاسم محمد – تضيف إلى تطبيقاته الأدائية الأخرى من مواد الزيت والاكريليك وحتى المائية، مداخل فرعية مبتكرة للألوان على سطوح اللوحة، والتي تمنح العمل أبعادها الثلاثية، وذلك عن طريق تلصيق مواد الكاوجك والورق والخشب وحتى التراب والطين وأجزاء من الزجاج، هذه من الناحية العامة للإستخدام، لكن حسب إطلاعي على أعماله ألفنية، استخدم بعض تلك المواد ولم يستخدم بعضها من الأجزاء المتروكة والمقطعة في لوحاته الزيتية، وإنما بطريقة الخبرة التكنيكية الديناميكية بالمواد العامة الرئيسة ألتي تم ذكرها.

أما تطبيق وإضافة تلك المواد فهي بلاشك في أعماله الكرافيكية الخاصة، سواء في مرحلته الدراسية أو ما بعدها. وكما هو معروف إن الليثوغراف هي خامة رائعة في إنتاج الرسوم، حيث تعطى نتيجة مماثلة تقريباً للرسوم المنفذة مباشرة على الورق لدرجة صعوبة التفريق بينهما. ويتم عمل الرسم على قطعة الليثوجراف التي يتم تحضيرها بدقة للحصول على سطح ناعم ويستخدم طباشير ذو خاصية دهنية (زيتية) ومتدرج النعومة، ويتم معاملة هذه الخامة بحذر، لكي لا تعطى آثار للأصابع على الرسم، ويقوم الفنان بمعالجة قطعة الليثوجراف بمحلول الصمغ العربي وبعض حمض النتريك،

ومع أن الحجر هو الخامة المثالية للأداء الليثوجرافى، فإنه يمكن إستعمال ألواح معدنية كذلك محضرة كيميائيا، ومن الممكن أيضاً تحضير رسم بالقلم الليثوجراف فوق ورق خاص ثم نقله بعد ذلك إلى الحجر بالضغط، بدلاً من تنفيذ الرسم المباشر على الحجر. وفى رسم للفنان (بابلو بيكاسو) لصورة شخصية لـ (جاكلين) يتصف هذا العمل بالتلقائية والسرعة والمهارة في الخطوط والدرجات اللونية الرمادية بأسلوب رسوم الليثوجراف. وهذه العمليه هي جزء من تنوعات فن الكرافيك، وددت اختصارها لأهمية ما تضيف لمنتوجاته على اللوحات التشكيلية، من تجارب عملية منوعة، إنعكس ذلك كما يبدوا لنا على أعماله التجريدية التعبيرية المعاصرة، وألتي تأخذ مساحات من الفضاء التأملي، بألوانها الإنطباعية. وتتضمن أعماله أجزاء لمفردات مستقلة ضمن إطار الأيقونات المتجاورة، وتختلف في صياغة ترتيبها الشكلي، ولكنها متكاملة الأهداف لدلالاتها العامة، وضمن أرضية وفضاء متناغم، أشبه بالفضاء المفتوح. كما ان هنالك خطوط ناعمة أشبه بحبر الروترنك أو قلم الفحم تتحرك بموجات متدفقة ضمن حافات التكوينات المتجاورة كي تمنح العمل حيوية الحركة والأبعاد التأملية.

– التنظير الفكري –
من خلال خوضه الدراسي في البحث ألذي إرتبط بإختيار المنهجية السيميائية، نجد أن أعماله ألفنية التعبيرية يتم تحليل أستنتاجها بمضمون ودلالات فكرية متمثلة، (بالسيميائية). أي أن لوحاته أكملت خارطة التعدد الدلالي في الرسم العراقي المعاصر. علماً بأن المنهجية (السيميائية) هي إحدى مناهج النقد الفني الحديث، وهي في الأصل ضمن مناهج النقد الأدبي. ومن خلال إطلاعي الواسع على مناهج النقد الفني، فإن السيميائية تعني (العلامات) وألتي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء :

الدلالات: وهي العلاقة بين العلامات والادلات والمعنى.

التركيبية: وألتي تتم من خلال العلاقة بين العلامات والتكوين.

التداولية: وألتي تعني العلاقة بين العلامات ومستخدميها (الناس).

وذكر البعض بأن الدلالات هي مجاورة لمنهجيات البحث النقدي المعاصر، بينما هي الجزء الثالث من السيميائية ألتي تم ذكرها آنفا، كما إن المناهج النقدية القديمة والمعاصرة هي جزء من عناصر معيار النقد الفني المعاصر، لتحليل العمل ألفني التشكيلي، وألتي تتكون من أجزاء يتعدى ال 20 كما تم ذلك من خلال إستخدام آلية النقد المعاصر المتمثلة بعناصر المعيار في بحث أطروحتي للدكتوراه ألتي تم طبعها . لذلك أجد أن ألفنان – بلاسم محمد جسام – قد أستخدم جزء محدد لتحليل الأعمال المعاصرة، كي تختصر منهجية البحث ضمن نطاق حدود البحث ألتي يتم التركيز عليها. ولقد تم تطبيقها عملياً فيما بعد، على طريقة الأداء والتكنيك والخطاب النصي في أعماله الفنيّة المعاصرة. حيث نجد إن لوحاته في خطابها النصي منفتح وتمنح المشاهد عملية التبادل والمشاركة،

ويبدوا إن إختياره إلى المنهجية السيميائية كونها تعتمد على الفقرات الثلاث ألتي تم ذكرها بطريقة مفتوحة ومرتبطة بدلالات المعنى وايحاءاتها الضمنية بخلاف البنيوية ألتي تتم خطوات تحليلها من الأجزاء إلى المحصلة الكلية للتكوين. فضلاً عن اقتصار بعض المناهج الأخرى ضمن نطاق التاريخية، أو التفكيكية، أو الإنطباعية، أو السايكلوجية، وحتى التكاملية، برغم جمع تنوعاتها المنهجية، إلا إنها قد تولد جانب من التضادات المتصارعة والمتناقضة في سلوك التفسير والتحليل والحكم النهائي للأعمال ألفنية. أما فيما يخص رأيه عن مستوى النقد وموقعه المتسلسل ضمن الإنتاج ألفني، فإنني أختلف معه إختلاف كامل، طبقا لما ورد في منشوراته بأن النقد يأتي في المرحلة الثاني بعد ألفنان – مما فسح المجال أمام المتكالبين من الأشخاص ألذين لا يعرفون أصلا معنى النقد لغوياً وإصطلاحياً.

لدرجة التنكيل بكلمات سوقية من جهلة لايمكن ذكرها هنا، ولا يعلمو بأن مرحلة النقد هي أعلى مرحلة يصل إليها المتذوق مع العلم إن التذوق يمر بمراحل عديدة كونها يمتلكها عامة الناس، وألتي تستند على مراحل الإدراك الحسي ألذي يمر بمراحل التنبيه والإنتباه والإدراك والإختيار والتنظيم والتفسير ثم الإستجابة. ولكن حينما تقترن بالدراسة والتمعن العلمي والجمال ألفني، أي من ألوسط ذاته وبمعلومات وإطلاع متنوع، سيكون حينئذ مهيء إلى مرحلة الناقد بشرط أن يكون متخصص في ألفن التشكيلي، ويسير على آلية تنفيذية لعناصر معيار النقد الفني المتنوعة، ومنها عناصر ألفن وأسسه التشكيلية، وكذلك معرفة وتطبيق مناهج النقد الفني، وليس بطريقة التعبير الإنشائي والوصف الخيالي الفنتازي، أو التطبيق الإنطباعي أو الوصفي أو إحدى فقرات التفسير ومنها الذاتي.

لذلك عندما يكون ألفنان المبدع بإنتاجه ألفني، صاحب قدرة في إتباع منهجية النقد الفني المعاصر، سيكون عند ذاك في المرتب الأولى وبمستوى قدير لترك بصمات ومنتوج إيجابي لتفعيل تطوير الحركة التشكيلية، ضمن الوسط ألفني من جهة، وجمهوره المتلقي من جهة أخرى. لكن ما يحصل الآن هو حكم النتائج من قبل الأغلبية على المستويات غير المتخصصة وألتي تمارس من قبل لقاءات إعلامية، أو كتابات أدبية. واتفق معه في الكثير من التشخيصات التي تخص أهمية المنتوجات ألفنية ألتي تم إهمالها وعدم اقتنائها من قبل المؤسسات الحكومية، وبسبب إستبدال إقتناء أعمال تجارية مبسطة صينية مطبوعة ومتكررة. كذلك سوء المنتوجات النحتية الحالية وخاصة مابعد 2003 وألتي تخص أجواء وخدمات البلدية للمحافظات وأمانة بغداد، ألتي تعكس الرؤية التذوقية ألتي تريح النفس للجمهور المحلي والزائرين من البلدان الأخرى.

لا تعليقات

اترك رد