يافا الجميلة

 

ذات صيف من عام 1995 حط الشاعر الراحل الكبير محمد مهدي الجواهري في مدينة جدة ومعه ابنه نجاح وابنته السيدة خيال والفنان صباح المندلاوي ، وقد استضافه ببيته في ليلة لاتنسى الشاعر المعروف الراحل زاهد زهدي صاحب قصيدة ( هربجي كردي وعرب ) الشهيرة واغاني زهور حسين ومؤلفات في الشعر الشعبي والفصيح . لكن الاستضافة الثانية كانت في مؤسسة احد الشيوخ اسمه ابراهيم خوجه الذي يقيم مايعرف بالاثنينية ، حيث يكرم كل يوم اثنين شاعرا عربيا كبيرا ، وقد كرم من العراقيين ، الشاعرين الكبيرين الجواهري و يحيى السماوي في امسيتين منفصلتين، حضرها عراقيون فنانون وكتاب ومبدعون مثل الراحل فؤاد سالم والراحل زهير الدجيلي وعودة وهيب وخالد العامري وهادي ماهود وخيون وحيدر الشلال وكاظم الحصيني والاستاذ الشاعر والدبلوماسي العراقي ارشد توفيق وجمهور غفير جدا من الحضور ، ابهرهم الجواهري كالعادة بما تحدث نثرا ونطق شعرا .
لكن الحدث في تلك الليلة حين قرأ الجواهري قصيدة – يافا الجميلة – وذكر مقدم الامسية انها كتبت لدى زيارة الشاعر الى فلسطين .. مباشرة حدث لغط داخل القاعة انتهى الى همس متصاعد بين الحضور وشجب لزيارة الشاعر الى الارض المحتلة واسئلة هامسة اخرى ، انتبه الذين يجلسون عند منصة الجواهري الى ذلك ، ومع اول سؤال من الجمهور ، انهوا الالتباس بالقول : اخوان لاتفهموا الموضوع غلط ..الجواهري كتب القصيدة في يافا عام 1925 أي قبل احتلالها بثلاثة وعشرين عاما ، وكان كل ماتحدث معه أحد عن تلك الزيارة قال : احسد اي شخص لم ير يافا وفلسطين ، لانه سيتألم كيف ان هذا الجمال الفريد انتهك وسرق بهذه الطريقة المأساوية . رحمك الله ابا فرات ، كنت صوتا للعصر وشاهدا عليه بكل تناقضاته وازدواجية معاييره وظلمه الاسطوري.

يافا الجميلة
شعر : محمد مهدي الجواهري
كتبت عام 1925 في فلسطين (غير المحتلة)

بـ ” يافا ” يومَ حُطَّ بها الرِكابُ​          تَمَطَّرَ عارِضٌ ودجا سَحابُ
ولفَّ الغادةَ الحسناءَ ليلٌ​                 مُريبُ الخطوِ ليسَ به شِهابُ
وأوسعَها الرَذاذُ السَحُّ لَثْماً​               فَفيها مِنْ تحرُّشِهِ اضطِرابُ
و ” يافا ” والغُيومُ تَطوفُ فـيـ ها       كحالِمةٍ يُجلِّلُها اكتئابُ
وعاريةُ المحاسن مُغرياتٍ​               بكفِّ الغَيمِ خِيطَ لها ثيابُ
كأنَّ الجوَّ بين الشمسِ تُزْهَى​و            بينَ الشمسِ غطَّاها نِقابُ
فؤادٌ عامِرُ الإيمانِ هاجَتْ​               وسوِسُه فخامَرَهُ ارتياب
وقفتُ مُوزَّعَ النَّظَراتِ فيها              لِطَرفي في مغَانيها انْسيابُ
وموجُ البحرِ يَغسِلُ أخْمَصَيْها           ​وبالأنواءِ تغتسلُ القِبابُ
وبيّاراتُها ضَربَتْ نِطاقاً​                 يُخطِّطُها . كما رُسمَ الكتابُ
فقلتُ وقد أُخذتُ بسِحر ” يافا “​       واترابٍ ليافا تُستطابُ
” فلسطينٌ ” ونعمَ الأمُ ، هذي​         بَناتُكِ كلُها خوْدٌ كَعابُ
أقَّلتني من الزوراءِ رِيحٌ​                إلى ” يافا ” وحلَّقَ بي عُقابُ
فيالَكَ ” طائراً مَرِحاً عليه              ​طيورُ الجوِّ من حَنَقٍ غِضابُ
كأنَّ الشوقَ يَدفَعُهُ فيذكي​               جوانِحَهِ من النجم اقترابُ
ركبِناهُ لِيُبلِغَنا سحاباً​                    فجاوزَه ، لِيبلُغَنا السّحابُ
أرانا كيف يَهفو النجمُ حُبَّاً             ​وكيفَ يُغازِلُ الشمسَ الَّضَبابُ
وكيفَ الجوُّ يُرقِصُهُ سَناها            ​إذا خَطرتْ ويُسكِره اللُعابُ
فما هيَ غيرُ خاطرةٍ وأُخرى​         وإلاّ وَثْبةٌ ثُمَّ انصِباب
وإلاّ غفوةٌ مسَّتْ جُفوناً               ​بأجوازِ السماءِ لها انجِذاب
وإلاّ صحوةٌ حتّى تمطَّتْ              ​قوادِمُها ، كما انتفَضَ الغُراب
ولمّا طبَّقَ الأرَجُ الثنايا​               وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُلدِ باب
ولاحَ ” اللُّدُّ ” مُنبسِطاً عليهِ          مِن الزَهَراتِ يانِعةً خِضاب
نظْرتُ بمُقلةٍ غطَّى عليها​            مِن الدمعِ الضليلِ بها حِجاب
وقلتُ وما أُحيرُ سوى عِتابٍ         ولستُ بعارفٍ لِمَنِ العتاب
أحقَّاً بينَنا اختلَفَتْ حُدودٌ​              وما اختَلفَ الطريقُ ولا التراب
ولا افترقَتْ وجوهٌ عن وجوهٍ        ولا الضّادُ الفصيحُ ولا الكِتاب
فيا داري إذا ضاقَت ديارٌ​            ويا صَحبيْ إذا قلَّ الصِحاب
ويا مُتسابقِينَ إلى احتِضاني​         شَفيعي عِندَهم أدبٌ لُباب
ويا غُرَّ السجايا لم يَمُنُوا​             بما لَطُفوا عليَّ ولم يُحابوا
ثِقوا أنّا تُوَحَّدُنا همومٌ​                 مُشارِكةٌ ويجمعُنا مُصاب
تَشِعُّ كريمةً في كل طَرفٍ           عراقيٍّ طيوفُكُم العِذاب
وسائلةٌ دَماً في كلِّ قلبٍ​             عراقيٍّ جُروحُكم الرِغاب
يُزَكينا من الماضي تُراثٌ           ​وفي مُستَقْبَلٍ جَذِلٍ نِصاب
قَوافِيَّ التي ذوَّبتُ قامَتْ             ​بِعُذري . إنّها قلبٌ مُذاب
وما ضاقَ القريضُ به ستمحو​      عواثِرَهُ صُدورُكم الرّحابُ
لئنْ حُمَّ الوَداعُ فضِقتُ ذَرعاً​        به ، واشتفَّ مُهجتيَ الذَّهابُ
فمِنْ أهلي إلى أهلي رجوعٌ​         وعنْ وطَني إلى وطني إيابُ

المقال السابقالمغالطات المنطقية في الإعلام المعاصر ” سورية أنموذجا “
المقال التالىلغز البغدادي
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد