الشرق الأوسط : تأملات في بعض يومياته !!


 

يُذبح الفلسطينيون اليوم ونقول لهم اقبلوا بما يعرضه عليكم قاتلكم او اصمتوا ، ثم نقول للصهيوني القاتل لك الحق فأنت في ارضك وتدافع عنها ونشاركه احتفالاته بهزيمتنا ونكبة الفلسطينيين .. كيف وصلنا الى هذا الدرك ؟! اليس حري بِنَا ان نعود قليلاً لنراجع يومياتنا لنرى ماذا قدمنا لتحل علينا هذه الأيام السوداء .. هذه تأملات في بعض هذه اليوميات … وستكون مراجعة متأنية موثقة وعلى عدة حلقات !!

في الفترة ٥٥ – ١٩٥٨ جرت في الشرق الاوسط جملة من الاحداث قادت الى تبني الامريكان للملك سعود بن عبدالعزيز ليكون قائداً للعالم الاسلامي ووصفوه بأنه ” پاپا المسلمين ” لمواجهة موجة المد القومي العربي بقيادة عبالناصر بعد ان خرج عن الطوق الذي أرادوه وأعلن عدائه المطلق لاسرائيل ، رغم ان الملك كان يحالف ويحرض الرئيس من اجل مواجهة هاشميي العراق وإخراج العراق ذاته من نظام توازنات المنطقة ، وهو الامر الذي مكن اسرائيل من اعادة كسر طوَّق العزلة الذي فرضته عليها مناورات ماهرة قام بها نوري السعيد مستثمراً ستراتيجية الغرب الامنية ، وثغرات أدركها وفهمها في جدار التحالف الغربي كما سنعرض . جموح الرئيس ورغبته العارمة في التفرد بزعامة المد القومي الصاعد ، ورغبة الملك بالتخلص من قوة ناهضة الى شماله مباشرة على رأسها أسرة مالكة كانت على عرش الحجاز حتى إزاحتهم من قبل السعوديين بنيران بنادق بريطانية جعلهما يقفان في خندق واحد .

انتهت الحرب العالمية الاولى باندحار الدولة العثمانية وتقلصها الى تركيا الحالية وانتهاء الخلافة الاسلامية بعد اربعة عشر قرناً من عمرها . تم تأسيس نظام إقليمي في المنطقة التي نسميها الان بالشرق الاوسط وفق صيغة تحاكي نظام وستڤاليا لعام ١٦٤٨ في اوروپا : مجموعة دول وطنية متعددة الاثنيات والأطياف مع أغلبيات عربية كبيرة .

لم يأخذ النظام الاقليمي شكله وتوازناته النهائية الا بعد الحرب العالمية الثانية بعد ان استقلت اغلب دوله بانتهاء الانتداب البريطاني و الانتداب الفرنسي ، واصبح الاقليم برمته واقعاً في محاور التجاذب الدولي التي أنتجتها معطيات الحرب الباردة بين المعسكرين الراسمالي والشيوعي ، وانيطت ببريطانيا قيادة ترتيبات آمن المنطقة نيابة عن المعسكر الراسمالي .

تطوران رئيسيان حصلا في المنطقة نهاية الاربعينيات واوائل الخمسينيات هما : قيام دولة اسرائيل على جزء من ارض فلسطين ، وقيام مصر الجمهورية ببرامج ثورية مبهمة كانت تمثل في جوهرها العام رداً على قيام اسرائيل وهزيمة عام ١٩٤٨ ، ثم تحولت فيما بعد لتتبنى برامج اجتماعية وسياسية ذات توجه قومي – يساري باعتبارها ايديولوجيا ثالثة الى جانب الشيوعية والرأسمالية . حظيت الجمهورية المصرية في بداية قيامها بترحيب امريكي رغم الالتزام الامريكي بإسرائيل املاً في ان يسهم التقارب الامريكي – المصري في انهاء النزاع العربي – الصهيوني على خلفية دعم منتظر تقدمه الولايات المتحدة لتحقيق اهداف الجمهورية الوليدة في النهوض والتنمية .

في جهة مقابلة اعتبرت بريطانيا العراق ركن الزاوية في خطط الامن الغربي في المنطقة مع شروع البلاد بتنفيذ برامج تنمية واسعة النطاق بشرت بمستقبل مزدهر للبلاد بما يجعلها عصية على التغلغل الشيوعي عبر الحركات الشيوعية التي وجدت منذ الثلاثينات ارضية وبيئة مناسبة للانتشار تحت ضغط عوامل عديدة خارجية وداخلية .

شكل الامريكيون والبريطانيون محورين متنافسين حول الدور القيادي الاول في المنطقة . اعتبرت الولايات المتحدة ان انهاء النزاع العربي الصهيوني اولوية مطلقة لانهاء آية فرص للتدخل السوفيتي في المنطقة الى جانب المساعدة في رفع مستويات المعيشة بين شعوبها ، فيما اعتبر البريطانيون ان الازدهار والتنمية مع بشائر الثروات النفطية التي تدفقت في المنطقة هو ضمانة الوقوف بوجه الشيوعية ، اضافة لبناء قوات عسكرية حديثة من جيوش البلدان الحليفة في المنطقة وتوظيف الدعم الغربي لاسرائيل من اجل امكانية الضغط عليها للقبول بتسوية مع العرب تتضمن الاعتراف بها على وفق ما أقره قرار التقسيم بعد تعديلات متبادلة في خرائط التقسيم تتيح لاسرائيل الاحتفاظ ببعض مكاسبها التي غنمتها في الفترة الواقعة بين الهدن التي انهيت حرب عام ١٩٤٨ بموجبها . على غير ما قد يتوقعه الكثيرون فأن المتوفر حالياً من وثائق ودراسات يشير الى ان تباين موقع اسرائيل في رؤية الولايات المتحدة وبريطانيا للمنطقة وامنها تجاه الخطر الشيوعي كان قضية خلاف واحتكاك بين البلدين الى جانب المصالح النفطية . كان نوري السعيد يدرك من خلال علاقاته الوثيقة مع البريطانيين انهم على خلاف مع الامريكان بشأن اسرائيل والمصالح النفطية واراد الاستثمار في هذا الامر ، وهذا واضح فيما يرويه السفير الامريكي في بغداد انذاك ( ٥٤ – ١٩٥٨ ) والديمار غولمان في مذكراته .

في ظل هذا الموقف الاقليمي طرحت مشاريع عديدة لتأطير التحالف الغربي الاقليمي وكان مشروع اقامة تحالف بين دول المنطقة تشارك فيه كل من بريطانيا والولايات المتحدة في مقدمة الاولويات ، وكانت الثمرة الاولى مشروع امريكي ُسمّيَ بالطوق الشمالي ، وهو يعني مجموعة دول الشرق الاوسط التي تقع شمالي الاقليم والى الجنوب من الاتحاد السوڤيتي وتشمل أفغانستان وپاكستان وايران وتركيا ، ولم يكن العراق او سوريامن ضمنها بسبب الصراع العربي – الصهيوني . لم يكن المشروع مؤطراً بأية مواثيق جماعية مكتوبة ، وعملت الولايات المتحدة على اقامة علاقات ثنائية مع جميع أطرافه وهو الامر الذي اثار حفيظة بريطانيا فعادت الى احياء مشروع تحالفي كان صاحب فكرته اواخر الحرب العالمية الثانية هو نوري السعيد الذي فكر في تحويل ميثاق سعد أباد لعام ١٩٣٧ ، وكان يضم عدداً من دول الطوق الشمالي وفي مقدمتها ايران وتركيا ، الى تحالف مدعوم من الغرب يكون العراق ركناً فيه . كانت دوافع نوري پاشا تقوم على عدد من الاعتبارات : تأمين حماية دولة او دول عظمى للعراق ؛ التقدم خطوة باتجاه إنجاز مشروع الاتحاد الفدرالي مع سوريا والاْردن ؛ الحد او انهاء المطامع الاقليمية لكل من ايران وتركيا في العراق من خلال علاقات حسن جوار وتحالف وإقامة مشاريع مشتركة مع ضمان تدفق المياه بشكل يلبي احتياجات العراق في نهري دجلة والفرات ؛ الحصول على تسليح مناسب وحديث للجيش العراقي دون دفع تكاليف ، والعمل على تأسيس تكتل إقليمي يعيق محاولات التوسع الاسرائيلي بضمنها محاولاتها تطوير علاقات مع دول الاقليم وخاصة ايران وتركيا ، وهما يقعان في قلب ستراتيجية الطوق ( Periphery ) التي اعتمدتها حكومة بن غوريون منذ قيام اسرائيل ونجحت في مراحلها الاولى حتى تم إحباطها بعد قيام حلف بغداد وذلك بقيام حكومة مندريس التركية وشاه ايران بتجميد علاقات بلديهما بإسرائيل ، وكان يأمل في انضمام مصر لان ذلك سيساعد على تعزيز مكانة المنطقة لدى الغرب ويقلص من عوامل الخلاف البريطاني – الامريكي .

عارضت هذا الاتفاق مصر الناصرية بشكل غير متوقع ، ويبدو انها وجدت في التحالف تحدياً لنزوع قيادتها للتفرد بقيادة العالم العربي ودوغما القومية العربية الصاعدة منذ اواخر الثلاثينات في المشرق العربي ، وعارضته المملكة العربية السعودية التي دأبت على مناكفة الهاشميين في العراق والاْردن منذ قيامها اوائل الثلاثينات واعتبرتهم ، وفقاً لما يروى عن المرحوم الملك عبدالعزيز المؤسس ، الخطر الأكبر الذي يهدد آمنها نظراً لما يعتبرونه حقهم في عرش الحجاز الذي تم انتزاعه بالقوة من قبل الملك عبدالعزيز ال سعود ، وكان ذلك يتوافق ايضاً مع سياستها العامة في اعتبار اي تكتل في المشرق العربي تهديداً لها وقد بذلت الكثير من الجهود الدبلوماسية والاموال لعرقلة جهود العراق وسياسته المعلنة في كتاب الحكومة العراقية الأزرق الذي صدر اواخر الحرب العالمية الثانية لجمع العراق وسوريا والاْردن في اتحاد عربي ، ولم يحظَ الحلف كذلك بتأييد امريكي كامل كما كان متوقعاً ، واكتفت الولايات المتحدة بالانضمام الى لجنته الاقتصادية ، وهذا لم يضف شيئاً لموقفها وستراتيجياتها لمواجهة الشيوعية في الاقليم حيث كانت قد اعلنت قبل ذلك ببضع سنوات مشروع النقطة الرابعة لدعم اقتصاديات المنطقة ، وهو مشروع مماثل لخطة مارشال لانعاش اقتصاديات اوروپا الغربية ، وهو يقع في اطار ماذكرناه بالطوق الشمالي .

كان الموقف المصري متردداً في بداية الامر . كانت القيادة المصرية الجديدة قد أبلغت الولايات المتحدة بشكل سري استعدادها لان تكون جزءاً من ” ناتو في الشرق الأدنى ” ، وقد قام عبدالناصر ، الذي لم يكن عوده قد اشتد تماماً كزعيم عربي بعد وكان قد ارتبط بعلاقة خاصة مع الامير عبدالإله ، بإيفاد الصاغ صلاح سالم الى العراق حيث اجتمع مع نوري السعيد بحضور الملك فيصل الثاني وولي العهد الامير عبدالإله في مصيف سرسنك عام ١٩٥٥ وكان الانطباع لدى الجانب العراقي في نهاية الاجتماع ان المصريين قد اقتنعوا بجدوى هذا التحالف ، لكنهم فوجئوا بعد أعلان الاتفاق مع تركيا ، وهو الخطوة الاولى في اقامة حلف بغداد ، بهجوم شرس تشنه إذاعة صوت العرب متهمة نوري السعيد بانه يجعل من العراق ممراً للقوات الأجنبية التي يسمح لها بموجب الاتفاق العبور من العراق لنجدة تركيا عند تعرضها لعدوان اجنبي ؛ وكان مصدر استغرابهم هو ان ذات النص بشأن تركيا موجود في اتفاقية الجلاء الموقعة بين بريطانيا ومصر . اتضح فيما بعد ان مصر كانت واقعة تحت ضغط وإغراء مزدوجين مصدرهما الولايات المتحدة والسعودية . بذلت الولايات المتحدة جهوداً كثيرة لاضعاف النفوذ البريطاني في المنطقة بدأت ، وبوضوح ، منذ الإطاحة بمصدق في انقلاب عسكري نظمته المخابرات الامريكية لتنتهي الاحداث بانتزاع احتكار النفط الايراني من أيدي شركة النفط الايرانية البريطانية لصالح الكارتل الدولي الذي تحتل الشركات الامريكية الحصة الأكبر فيه . كانت مصر ساحة اخرى لتنازع النفوذ مع البريطانيين وقد عملت الولايات المتحدة على اقامة جسور تواصل متينة مع قيادة الرئيس عبدالناصر وهي تحت تأثير من كانوا يسمون انذاك بالمستعربين في وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية ، وقد أقاموا محطة استخبارية قوية لهم في القاهرة برئاسة كيم روزفلت وكان يترأس مجموعة من المتعاطفين مع الطموحات التي اعلنتها القيادة المصرية الجديدة . كانت هذه المجموعة تَكُنّ احتقاراً كبيراً لما اعتبرته عقليات كولونيالية في لندن وپاريس ، وتشبعت المجموعة بقناعة مفادها انه لو تم ترتيب صفقة تسوية بين قادة القومية العربية الجدد من أمثال عبدالناصر في مصر والبعث في سوريا مع الاسرائيليين فان ذلك سيكون بمثابة الضربة القاضية لاية امكانية للنفوذ السوڤيتي في الشرق الاوسط . كان ذلك يقع موقع القبول لدى الرئيس ايزنهاور ووزير خارجيته دالاس ؛ لقد اعتبرت ادارة ايزنهاور اسرائيل قاعدة مستقرة وموثوقة للنفوذ الامريكي ، ولكن حدود التعامل معها محدودة بسبب حالة الحرب القائمة بينها وبين العرب ، لذلك عملت على عدم اثارة مشاعر العداء في اوساط القيادات الجديدة في كل من مصر وسوريا وامتنعت عن تجهيز اسرائيل بأية صفقات سلاح مهمة ، كما وعدت القيادة المصرية بتمويل برامج التنمية فيها بما في ذلك مشروع السد العالي العملاق والذي اكتسب رمزية كبيرة في العقل الشعبي المصري انذاك .

اعتبرت الولايات المتحدة النفوذ البريطاني عائقاً يحول دون إنجاز برامجها الثورية في المنطقة واعتبرت حلف بغداد جزءاً من تلك المعوقات خاصة وان البريطانيين كانوا واقعين تحت سحر نوري السعيد وعقليته القومية التقليدية . لم يكن ممكناً بالنسبة لهم اعلان اعتراضهم على حلف بغداد لاسباب ستراتيجية ولم يكن ممكناً لهم الانضمام له بسبب موقف العداء الذي يتبناه نوري السعيد تجاه اسرائيل ، ولذلك قاموا بالانضمام الى لجنته الاقتصادية فقط وأحالوا بقية آفاق التعاون الى العلاقات الثنائية .

من وجهة نظر نوري السعيد فقد اعتبر الحلف حجراً يرمي به اكثر من عصفور ذكرتها آنفاً واهم مافيها تحشيد المنطقة ضد الشيوعية والصهيونية على حد سواء ، وكان يؤكد في جميع اتصالاته ومحادثاته ان هذين الخطرين وجهان لحقيقة واحدة ؛ ان قضية مساواة الشيوعية بالصهيونية لم تكن حديث دعاية سياسية ، بل كان نوري السعيد على دراية تامة بالدور الذي لعبه الاتحاد السوڤيتي وضغوطه في تسهيل تمرير قرار التقسيم في الامم المتحدة وحشد الشارع العربي من خلال الحركات الشيوعية لتأييد القرار ، وقد تمكن من توجيه اعمال الحلف بما يؤمن موقفاً جماعياً مضاداً تجاه الخطرين .

في كلماتهم الافتتاحية أعرب رؤساء وزراء تركيا وايران عن دعمهم لحقوق الشعب الفلسطيني بقدر ماتحدثوا عن الخطر الشيوعي الامر الذي اعتبره المعلقون الاسرائيليون حلفاً معادياً لاسرائيل اكثر من كونه حلفاً معادياً للشيوعية وكانت النشرة اليومية لوكالة الأنباء اليهودية JTA تكيل الهجوم تلو الهجوم ضد الحلف ، وعلى ذات السياق كانت تعزف وسائل الاعلام المصرية ، وقد كان هو ذات الاتجاه الذي تبناه الأعضاء الصهاينة في مجلس العموم البريطاني اثناء عرض الامر للمناقشة مما دفع رئيس الوزراء البريطاني للإعراب خلال جلسة المناقشة عن دهشته من وقوف اطراف متناقضة في موقف موحد ضد المشروع . لقد اعتبر نوري السعيد ان موقف مصر المعادي للحلف لم يكن المشكلة الرئيسية بل الموقف السعودي الاقل ظهوراً والذي كان يأتي في سياق سياسة تعادي آي مشاريع اقليمية تتم بقيادة او مبادرة عراقية حتى لو كانت تسير باتجاه تعزيز مواقف العرب . لقد بذلت السعودية جهوداً واموالاً لقلب نظام الحكم الديمقراطي في سوريا الذي أقيم بعد الاستقلال بسبب تقاربه مع العراق ، وتم نشر شائعات عن طموحات هاشمية في اعادة اقامة عرش هاشمي في سوريا يشغله الامير عبدالإله . كما قاوموا آية محاولات للتقارب المصري العراقي خاصة بعد قيام نوع من العلاقة الخاصة بين عبدالناصر والأمير عبدالإله ( الذي كان متزوجاً من فتاة مصرية ) رغم ان الشعارات التي كان يطرحها عبدالناصر كانت بالضد من كل ماقامت على اساسه السعودية ، وتكللت جهودهم بعقد اتفاق دفاع مشترك الى جانب اتفاق الدفاع المشترك الذي عقد بين مصر وسوريا وأنشأوا ما أطلق عليه محور الرياض – القاهرة – دمشق ، وكان المبرر المعلن هو التصدي للخطر الصهيوني فيما لانعرف عن السعودية انها كانت يوماً طرفاً في اي صراع عسكري مع العدو الصهيوني باستثناء مشاركة عسكرية رمزية في حرب عام ١٩٧٣ حيث تولت طائرات إيرانية مهمة نقل كتيبة سعودية الى سوريا للمشاركة في معارك الجولان ، اضافة للمبادرة الاستثنائية التي قام بها الملك فيصل بن عبدالعزيز باستخدام النفط كسلاح في المعركة ليعود بعد ذلك المرحوم سعود الفيصل بإعلان سحب النفط كسلاح في المعركة ضد الصهيونية معتبراً إياه ثروة فحسب ، وكأنه بذلك يعلن براءة المملكة من جرأة الملك فيصل رحمه الله { وهذا هو الموقف السعودي التقليدي حيث رفضت من قبل على لسان وفدها في قمة بلودان العربية عام ١٩٤٦ مقترحاً عراقياً بإبلاغ كل من بريطانيا والولايات المتحدة التهديد بقطع النفط اذا استمرا في دعم المشروع الصهيوني في فلسطين ، وتهرب الامير فيصل بن عبدالعزيز من الالتزام بتعهد مماثل اقترحه نوري السعيد عام ١٩٤٧ اثر صدور قرار تقسيم فلسطين . ووفقاً لما هو متوافر اليوم من معلومات فان اعلاناً كهذا كان سيؤدي الى نتائج لان شركات النفط الغربية العاملة في المنطقة حذرت حكومات كل من بريطانيا والولايات المتحدة من تداعيات تقسيم فلسطين على المصالح النفطية وكانت بريطانيا في ظرف اقتصادي لايسمح لها بمجازفة كهذه ولذلك عملت على عقد معاهدة ” پورتسموث ” مع العراق خلال الفترة بين صدور قرار التقسيم منتصف عام ١٩٤٧ وإعلان قيام اسرائيل اواسط عام ١٩٤٨ وبموجبها يسمح للقوات العراقية بإشغال القواعد البريطانية في فلسطين وبقية المستعمرات كما تعهدت بتجهيز العراق بما يكفي لتسليح عشرين الف مقاتل فلسطيني تحت ستار تسليح الشرطة العراقية ، لكن الشيوعيين ومناصريهم في العراق احبطوا عقد المعاهدة ويقال ان الفئات الكبيرة من العملة العراقية في اسواق لندن المالية قد فقدت لانها تسربت بواسطة بعض الممولين اليهود لتمويل الحملة ضد المعاهدة التي عرفت باسم ” الانتفاضة ” . اما الولايات المتحدة فقد ارادت حل مشكلة مئة الف لاجئ يهودي في اوروپا طلبوا توطينهم في فلسطين وماعدا ذلك فقد عارضت كل من وزارة الخارجية والمخابرات والبنتاغون موضوع التقسيم وأيدوا اعلان فلسطين تحت الوصاية الدولية المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة وهو موقف أعلنه ممثل الولايات الموحدة في مجلس الامن ، وكان المتحمس الرئيسي للتقسيم هو الاتحاد السوڤيتي والاحزاب الشيوعية . لقد قامت شركات النفط الامريكية والبريطانية بدورها لصياغة وعي رسمي مناسب ضد التقسيم ولكن عدم صدور موقف عربي رسمي بشان النفط ابطل من قيمته كعامل مؤثر في صياغة المواقف النهائية ، بينما استثمر اللوبي الصهيوني كل شيء من اجل الضغط على الرئيس ترومان بما في ذلك والدته وشقيقته مما اضطره لمنع افراد هذا اللوبي من دخول البيت الأبيض } .

لقد كان الدور السعودي اكبر بكثير مما كان يبدو عليه في حينه ، وقد أوجزه ماكميلان وزير خارجية بريطانيا في حينه في مذكراته بقوله في مذكرة وجهها لرئيس الوزراء أيدن ” لقد تم تقويض وإفساد الوضع في الشرق الاوسط بواسطة الاموال السعودية . ان وكلاء الملك سعود الذين تنتفخ جيوبهم بالذهب يتعاونون مع الشيوعيين في كل مكان بالضد من المصالح الغربية ” ويشير الى تغاضي الامريكان عن ذلك ، ثم يستأنف ” انه ليس من المبالغة القول ان أموال أرامكو الامريكية تنفق على نطاق واسع ( حوالى ١٠٠ مليون پاون سنوياً ) لدعم الشيوعية في الشرق الاوسط ” ويشير الى طلب تقدم به نوري السعيد للامريكان لايقاف دفع ايرادات أرامكو الى السعوديين لمدة ستة اشهر من اجل إنجاح مساعيه لاتمام اقامة الحلف . الا ان الامريكان وبالرغم من النصائح المتكررة التي تقدم بها سفراءهم في بغداد ولندن للانضمام الى الحلف فانهم ظلوا على تحفظاتهم واكتفوا بالانضمام الى لجنته الاقتصادية كما رفضوا تجهيز العراق بالاسلحة الثقيلة مثل الدبابات والمدفعية من عيارات ثقيلة أسوة بالپاكستان ، ورفضوا ايضاً تجهيز العراق بمحطة إذاعية قوية الإرسال لتبقي إذاعة صوت العرب وخطابها الشعبوي هو السائد . واذا ماراجعنا وثائق مجلس الامن القومي الامريكي لعام ١٩٥٩ نجد السبب الذي يفسر الموقف الامريكي ، ومن ضمنه دعم الجهد السعودي لإحباط مساعي نوري السعيد ، في عرض قدمه دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة امام المجلس يقول فيه ” لقد كانت عضوية العراق في حلف بغداد غير مناسبة وانه كان يتجه لزج الحلف في القضايا العربية – الاسرائيلية . لقد اصر نوري السعيد دائماً على انه يتعين على الحلف ان يكون ضد اسرائيل ” كما اعتبر ان التقارب العراقي مع كل من ايران وتركيا وپاكستان لم يكن مناسباً ايضاً ؛ تلك كانت سياسة الولايات المتحدة . وقد يكون من المناسب ان نتعرف ايضاً على الموقف الاسرائيلي : لقد جاء حلف بغداد ضربة قاصمة لستراتيجية إسرائيلية كان يتم العمل عليها منذ مطلع الخمسينات . وفقاً لدراسة نشرها مايكل بار-زوهار عن حياة بن غوريون عام ١٩٧٧ فان موشيه دايان كان قد اقترح على بن غوريون تشكيل نوع من التحالف السري تقوده اسرائيل ويضم تركيا وايران وإثيوبيا لمواجهة التمدد الشيوعي في منطقة الشرق الاوسط ، حيث تضم هذه الدول كتلة بشرية تفوق نظيرتها العربية في المنطقة ، كما تعارض حكوماتها التمدد الشيوعي ، وبذلك تقدم اسرائيل نفسها للولايات المتحدة كقائد للكتلة المعادية للشيوعية رغم انها قامت بفضل الجهد الدبلوماسي والدعم البشري والعسكري السوڤيتي وتتولى الحكم فيها حركة سياسية يسارية اشتراكية وهي حزب العمل بزعامة بن غوريون ، واقترح عليه ان تتولى الولايات المتحدة دعم هذه الدول بالمال والسلاح لتكون بمثابة حلف غير معلن واقترح عليه ان يتم عرضها على الامريكان بواسطة الفيلد مارشال مونتغمري الذي يرتبط بصداقة عميقة مع الرئيس ايزنهاور وقد سافر دايان للقاء مونتغمري ، غير ان جميع هذه الجهود ذهبت ادراج الرياح بعد قيام حلف بغداد حيث شهدت الفترة التي تلت قيامه تراجعاً بلغ حد الجمود في علاقات اسرائيل بكل من تركيا وايران وكان النواب أعضاء مجلس العموم البريطاني من مؤيدي اسرائيل قد بذلوا جهوداً مستميتة من اجل الحيلولة دون مصادقة الپرلمان على انضمام بريطانيا الى الحلف . في مساء اليوم الذي تلا قيام الانقلاب العسكري في العراق عام ١٩٥٨ عقدت غولدا مائير اجتماعاً تشاورياً للحكومة حيث تقرر إرسال الوفود الى كل من تركيا وايران لاستئناف العلاقات الي كانت مجمدة .

كان يمكن لحلف بغداد ان يشكل الضمانة والإطار المؤسسي الاقليمي الذي يكبح جماح الاطماع التركية والايرانية في الاراضي العربية والعراقية بشكل خاص ، وأن يؤسس لعلاقات حسن جوار وتحالف في مختلف المحالات بفعل شمول نطاق عمله مما يعزز من قوة المنطقة واستقرارها ككل ، كما كان سيضمن فرض عزلة اقليمية شاملة على اسرائيل ويضمن مقعداً مؤثراً للعرب في اطار التحالفات الغربية في لحظة حرجة من تاريخ الحرب الباردة ، وكان سيحول دون تنامي نفوذها ودورها في النظام الاقليمي بألشكل الذي نراه اليوم ، لكن ذلك لم يرق لمصر ومن ورائها السعودية ، ثم لنكتشف اليوم ان الامر لم يكن يروق للامريكان ايضاً الذين صاغت رؤاهم للمنطقة الضغوط ، والاوهام أحياناً ، التي كانت تمارسها وتروج لها اللوبيات اليهودية الصهيونية ولكنها ماكانت تمتلك خيارات كثيرة واضطرت لدوافع پراغماتية للقبول ولوجزئياً بالواقع .

لقد كانت السياسات التي اريد لها ان تكون البديلة مثل حركة عدم الانحياز التي نجمت عن مؤتمر باندونغ لعام ١٩٥٥ نوعاً من اضاعة الوقت والجهود عندما افترض بعض اطرافها انها يمكن ان تعدل من نظام القطبية الثنائية ، ولكنها لم تفلح في ذلك ؛ لقد تباينت اهداف مؤسسيها ، ولعل أكثرهم حماساً لاعتبارها تعديلاً في نظام القطبية الثنائية كان هو المرحوم جمال عبدالناصر الذي لم يدرك حينها ان ذلك سيكلفه صداقة ثمينة مع الغرب الذي اعتبر الحركة مؤامرة شيوعية لانها كانت قد تمت بناءاً على نصيحة سوڤيتية وكان الأخير يرى في اي تخريب في صفوف التحالفات وحتى الصداقات الغربية كسباً له ، وقد كان السوڤيت مصيبون في تقديرهم للموقف .

ان تأثير سوء التقدير والمبالغة في امكانات الحركة كانت مدمرة على الأنظمة الاقليمية الهشة مثل النظام الذي كان سائداً في الشرق الاوسط حيث تعيش مجتمعاته عمليات تحول اجتماعية – اقتصادية وسياسية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية ، فضلاً عن تصاعد موجة ” الأيديولوجيا القومية ” بفعل إعلانات الامم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار وظهور نظام القطبية الثنائية وبداية الحرب الباردة ؛ سيعود الغرب بعد ذلك الى المنطقة من باب الهزيمة المرة التي لحقت بالمشروع القومي – الاشتراكي وحياده الإيجابي عام ١٩٦٧ ( كما سيعود من باب الانقلابات العسكرية والشركات متعددة الجنسيات ) لمعظم مواقع نفوذه السابقة ، وسيكتشف العرب انه في الوقت الذي كانوا يهدرون فيه الاموال للكيد ببعضهم فان الولايات المتحدة وبريطانيا لم تكونا مصدر السلاح الذي هزمهم في تلك الحرب بقدر ما هزمهم الفساد وتسييس الدولة على حساب الكفاءة وتراكم الخبرات ، وان بريطانيا كانت في خصام دائم مع الإدارات الامريكية المتعاقبة على خلفية الموقف من اسرائيل ، وان هذه الاخيرة بدورها لم توافق على بيع السلاح الامريكي لاسرائيل او عقد اتفاقيات امنية معها الا في الستينات بعد ان ايقنت انه لا امِل في تفاهم معقول مع العرب ؛ بينما كانت اسرائيل تزحف داخل مفاصل الإدارات والپيروقراطيا في اجهزة الدول الغربية الحكومية وفي الاعلام وان تأييد ودعم اسرائيل في الحق وفي الباطل لم يكن تحصيل حاصل بل ثمرة جهد تراكمي لعقود طويلة . كان الدبلوماسيون الاسرائيليون يقضون معظم ساعات ايام عملهم في الكونغرس وغيره من الهيئات التشريعية في العواصم الغربية لشرح قضيتهم وحشد التأييد لها بينما كان دبلوماسيوا الدول العربية الثرية يقضون معظم ذلك الوقت في المطاعم الفاخرة وصالات الترفيه ظناً منهم ومن دولهم ان سيول اموالهم جديرة بتغيير المواقف الغربية باي اتجاه يريدون … لنصل الى مانحن فيه اليوم من تمويل نشاطات عدونا الأكبر باموالنا ندفعها عن يد ونحن صاغرون . كما فشل العرب الثوريون في قراءة الموقف ثم اكتشفوا متأخرين ايضاً انهم كانوا يتحالفون مع اكثر الأنظمة العربية رجعية ، وان من دفعوا حياتهم من الحكام ثمناً للفترة القومية الشعبوية كانوا اكثر حكمة وأنهم كانوا ثوريين في الجوهر وفي الانجاز حيث تحققت على أيديهم عمليات بناء بنيوية لدول حديثة ؛ لقد بدات ثروات النفط بالتدفق في المنطقة وكان ذلك يشكل عامل اختلال في توازنات القوى ضد اسرائيل وكان ينقص المنطقة لتفعيل قوة هذه الثروات سياسات قومية – اقليمية تقوم على المصالح المشتركة للشعوب ومواقف موحدة على اساس وحدة التهديد الذي تتعرض له مصالح هذه الشعوب . لقد تخلت الأنظمة الانقلابية العسكرية عن هذه المعادلة في الوقت الذي استثمرتها بعض الأنظمة الرجعية من اجل تقويض استقرار المنطقة بناءاً على رؤى انانية ضيقة . لقد شهدت هذه الفترة ولأول مرة في تاريخ المنطقة عمليات تمويل وتوظيف للثروات النفطية من اجل تغيير الأنظمة في دول شقيقة بناءاً على تهديدات مفترضة للامن والاستقرار كانت في واقع الحال مبنية على اوهام مصدرها الخوف من النموذج الناجح لبناء دولة عربية حديثة تسعى باتجاه الوحدة على أسس واقعية واعدة ومطابقة لمعطيات التاريخ والجغرافية كما كان يمكن ان يتم في المشرق العربي .

تشير الوثائق البريطانية والأمريكية التي توفرت بعد رفع السرية عنها الى ان التحالف المصري السعودي لم يكن سوى تحالف سينيكالي يستهدف العراق وماكان يحققه من تنمية ومكانة دولية كانت تغيظهم وتغيظ اسرائيل في ذات الوقت ، وعندما اسقط النظام في العراق انتهى التحالف ، وسوف تستدير السعودية مائة وثمانين درجة لتضع عبالناصر في بؤرة الاستهداف بعد سقوط النظام الهاشمي في العراق . هذا التغير لم يكن جزءاً من ستراتيجية قومية او وطنية بل جاء بتكليف امريكي وساندته بريطانيا بعد تراجع دورها في المنطقة لصالح الامريكان اثر أزمة السويس التي عمل الامريكيون كل ماوسعم ، وفقاً لهنري كيسنجر ، من اجل دفع مجرياتها وتطوراتها باتجاه حرب حتمية تتدخل الولايات المتحدة بعدها لإيقافها ، وتسجل نقطة لصالحها في سجل حسابات الرئيس عبالناصر الذي كان مايزال يشكل مصدر امِل لدى بعض الاوساط الامريكية بأنه يمكن ان يقدم الحل الذي يأملوه للصراع العربي الصهيوني . كانت معركة السويس وما انتهت اليه قد جعلت من عبالناصر زعامة عربية كاسحة وخارج الحسابات الامريكية ذاتها ولذلك تم اتخاذ القرار بكسر سلسلة انتصاراته التي كان للامريكان الفضل الاول فيها وفقاً لتوصيفهم كما يرد في أرشيفهم .

كانت قد مضت فترة كافية كي يستوعب الامريكيون والبريطانيون دروس حرب السويس ومن بينها بشكل خاص ان موقف بريطانيا كان دقيقاً الى حد لايحتمل حماقات رئيس الوزراء أيدن وخروجه على الموقف الستراتيجي العام الذي تبنته بريطانيا في ادارة التحالف الغربي في الشرق الاوسط ، ولعل من اهم مظاهر حماقته هو سوء تقديره لنوايا الحلفاء الامريكان الذين عملوا على تعطيل آية امكانية لحل سلمي وجعلوا من الصدام المسلح امراً محتماً اضافة الى قبوله شراكة إسرائيلية في الصراع .

تسلم ماكميلان رئاسة الحكومة في أعقاب حرب السويس وكان لابد من اعادة ترتيب الاوراق مع الامريكان فالتقى الرئيس ايزنهاور في شهر اذار / مارس عام ١٩٥٧ في برمودا ، وهما يعرفان بعضهما منذ ايام الحرب العالمية الثانية في شمال افريقيا . أعرب الامريكيون عن امتناعهم عن المشاركة في آية محاولات لإزاحة الرئيس عبالناصر نظراً لشعبيته الكبيرة ، لكنهم اتفقوا على اعتبار الملك سعود بن عبدالعزيز قائداً بديلاً وقد اكد ايزنهاور ” انه من الضروري إيجاد وبناء قائد جديد في الشرق الاوسط ” . كان الملك سعود قد زار واشنطن قبل حوالى شهر من عقد اجتماع برمودا حيث عقد عدداً من صفقات التسلّح ، وجرى عقد اتفاق جديد حول القاعدة الامريكية في الظهران . لقد قدموا له ماهو اكثر من ذلك لتكريس قوته في المنطقة حيث وعدوه اثناء الزيارة وبشكل معلن تعهد الولايات المتحدة بإجبار الاسرائيليين على الانسحاب من سيناء رغم ان ذلك كان امراً قد تم ألَّبت به من قبل . كما قاموا بالعمل على تسوية الخلاف حول واحة البريمي والضغط على البريطانيين ، الذين كانوا مايزالون يسيطرون على ابوظبي ومسقط ، بشدة لتسوية الموضوع لصالح السعودية ؛ لقد شكلت السعودية الذخيرة الامريكية لمواجهة نفوذ عبالناصر المتزايد في الاقليم ، خاصة بعد الانقلاب العسكري في العراق عام ١٩٥٨ وتدخل عبدالناصر في احداث لبنان وسوريا والاْردن في تلك السنة ، والتي اطلق عليها المراقبون الغربيون بالسنة الثورية .

ناصبت السعودية العداء الشديد لعبدالناصر رغم تحالفها السابق معه ضد الهاشميين والعراق ولم يكن الرجل قد تغير ولم تتبدل مشاريعه وشعاراته . من الواضح ان من تبدل هم السعوديون ، وبات من المألوف ان تمتلئ أشرعتهم دائماً ومنذ الحرب العالمية الثانية بالرياح الامريكية وتسير وفق اتجاهها ؛ ان سياسات المملكة لم تكن يوماً من اجل تحقيق مصلحة قومية واضحة ، ووفقاً لما نعرفه اليوم فقد كانت تحركها هواجس آمن عرشها ونظامها وتفردها بالنفوذ في المنطقة ، وفي جميع الأحوال تتم موائمة ذلك مع توجهات السياسة الامريكية منذ الحرب العالمية الثانية والتي لم تكن يوماً الا على حساب مصالح العرب ؛ وعندما تتخذ السعودية موقفاً يبدو منسجماً مع المصالح العربية فانه اما ان يكون مؤقتاً لتمرير موجة عاتية لايمكن مواجهتها ، او انه تكتيك خارج اطار الستراتيجية العامة وتتم العودة عنه عندما تلوح الفرصة لذلك .

لقد كان نوري السعيد موضع اتهام دائم بانه عميل بريطاني او انه كان يتلقى تعليماته من بريطانيا ؛ لكن الامر غير ذلك . حلف بغداد كان وسيلة لتحقيق توازن بين نفوذين كانا يتصارعان على المنطقة وكان موقف اهل المنطقة عامل حاسم لو تم الاجماع عليه لتحقيق توازن بين الطرفين المتصارعين وهما بريطانيا والولايات المتحدة ؛ وان الاخيرة لم تستطع التموضع بشكل الهيمنة الكاملة في النفوذ اليها الا عندما وهنت قوة بريطانيا فيها بسبب تعرضها لمعارضة شديدة من بعض حكومات المنطقة التي عرفت بولائها او علاقاتها الطيبة مع الولايات المتحدة مثل السعودية ومصر حتى مقتل الرئيس جون كندي وحلول جونسون مع النفوذ الكبير الذي فرض عليه من قبل المجمع الصناعي العسكري ولوبي اسرائيل كقوة مهيمنة . هذا هو مضمون سياساتها لما تبقى من الفترة بين سقوط النظام الهاشمي في العراق وحتى اليوم كما سنرى في استعراض اهم مفاصل الاحداث وسياسات السعودية خلالها في حلقات لاحقة . هذا يفترض طبعاً استبعاد الصراع السوفيتي الغربي واحتمالات الانحياز فيه لان السوڤيت انفسهم كانوا يلعبون لعبة المناورة على الخلافات البريطانية الامريكية ، وكان هدفهم هو تأجيج هذه الخلافات لإرباك الموقف الغربي في الاقليم والذي كان يتسم بالارتباك حتى اعلان بريطانيا سياسة الانسحاب من شرق السويس وتفرد الولايات المتحدة بالنفوذ الغربي فيها . لم تراود السوڤيت يوماً فكرة العمل على اقامة أنظمة شيوعية ولم يدفعوا باتجاه الصدام مع الغرب فيها ، وعندما حصل ذلك في حرب عام ١٩٧٣ وكانت النتيجة تسوية الموقف لينتهي بصلح كامب ديڤيد الذي شكل بداية تصفية القضية الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني ، وسيحظى بدعم السعودية رغم اضطرارها لمسايرة موجة مقاطعة مصر في البداية بعد معارضة مستميتة داخل قمة بغداد للحيلولة دون صدور قرار المقاطعة .

لم يعتقد نوري السعيد بجدوى سياسة الحياد الإيجابي كعنوان ومضمون لسياسة خارجية تتناسب مع متطلبات آمن البلاد التي تجاور دولتين كبيرتين لم تخفيا يوماً اطماعهما الاقليمية في العراق ، كما لاتلبي الحركة حاجاتها الامنية والاقتصادية في عالم يرتبط فيه الأمني والاقتصادي بالسياسة . لو ارادت الحركة هذه ان تأخذ مداها الكامل وتشكل اداة تنفيذية فعالة في خدمة المصالح العليا ومتطلبات الامن القومي مع تأمين الموارد اللازمة لذلك فهذا يعني انها تقدم نفسها قطباً عالمياً ثالثاً ويفترض بها تقديم مزايا التحالفات التي كانت تصنف على انها اما شرقية او غربية ، وهذا كان ضرب من الخيال ، لان الحركة كانت بدون اليات تنفيذية وبدون موارد حقيقية ، كما لم تكن قد حددت معايير الحد الأدنى لمفهوم الحياد ؛ لقد كانت تضم دولاً تستضيف قواعد عسكرية غربية او شرقية بما ينفي صفة الحياد عنها ، ولم تثبت فيما بعد انها عوضت اي من الذين أعلنوا التزامهم بها عن مزايا التحالفات وخاصة في منطقة تشكل بؤرة من بؤر التنافس الدولي ومن أقدارها ان تنحاز وفق ماتتطلبه المصالح الوطنية . ان أقصى ما انجزته الحركة على المستوى الدولي هو تأمين كتلة تصويتية كبيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بما ساعد على تأمين فعالية اللجنة الرابعة المكلفة بتصفية الاستعمار ومنح اغلب شعوب افريقيا واسيا الواقعة تحت الاستعمار استقلالها ، ولكن ذلك لم يتم انجازه ألا بمباركة الدول الكبرى ذاتها بما فيها الدول الاستعمارية القديمة كل لأسبابها . رغم ذلك فقد حاول نوري السعيد ان يستفيد من إمكانيات التقارب العراقي مع الغرب والتقارب المصري مع الشرق فعرض على المصريين من خلال وزير الخارجية فاضل الجمالي تبادل الأدوار ، وان يعمل كل طرف على الحصول على مافيه فائدة للعرب من الطرف الذي ينحاز اليه ولديه فيه كلمة مسموعة وتم هذا العرض بشكل رسمي ، لكن النزوع المصري للتفرد بقيادة موجة دوغما القومية الصاعدة وضمان اكبر حشد من المصفقين في الشارع حال دون الموافقة على ذلك .. لنصل بعد ذلك الى هزيمة عام ١٩٦٧ التي لم تكن أيادي السعودية بعيدة عنها .

تظل المنطقة عرضة للاخطار ويتقدم فيها النفوذ الايراني ويصطدم مع النفوذ الصهيوني في هذه المرحلة ، ومازلنا لاتجرؤ على الوقوف بوجه ايران فنساوم على حقوق من اجل حقوق اخرى مثلنا مثل من يقترض للوفاء بدين .. ان التصدي للتوسع الايراني واجب من موقع القوة إن عجزنا عن احتوائه بالحكمة كما فعل الپاشا نوري السعيد ، ولكن هذا التصدي ان تم في سياق المشروع الصهيوني تحت ذريعة ” عدو عدوي صديقي ” فسيكون كارثة .. عدو ايران صديقي ماعدا اسرائيل ولست بحاجة لذكر الولايات المتحدة لانها ليست في منطقتنا ليست سوى اسرائيل بمسمى اخر .

لا تعليقات

اترك رد