حوار مع الشاعر المصري د. جمال الجزيري


 

الأكاديمي والناشر المصري د.جمال الجزيري
النشر الإلكتروني هو مستقبل النشر في العالم أجمع

المشهد الأكاديمي العام بالونيّ لأن الأزمات الاقتصادية والأخلاقية جعلت كل شيء يُباع ويشترى معظم الكتّاب يعيشون في عصرنا الحالي بوجدان عصور سابقة

كان ومايزال الأدب بكافة أجناسه المعبر الأكثر دهشة عن الجمال وألم الإنسان وذاكرته الخالدة، ويتسم هذا العصر بمتغيرات سريعة ومربكة ورغم كل هذا التطور فنحن بحاجة لفهم بعضنا البعض ومراجعة موقعنا ضمن الخارطة الإنسانية الإبداعية، من خلال هذا المنبر نحلق مع كتاب ومبدعين لنتأمل همومنا الثقافية ونتعرف على بعض الوجوه الأدبية والفنية.

في هذا اللقاء نستضيف الشاعر والناقد المصري د.جمال الجزيري الذي يتحمل مع شريكه الشاعر الأردني محمود الرجبي مسؤولية إدارة النشر بدار كتابات جديدة منذ تأسيسها ونحاول هنا أن نذكي النقاش حول قضية النشر الإليكتروني كحاجة وضرورة ثقافية عصرية مهمة، كما نقف مع ضيفنا لمناقشة عدة قضايا أدبية ونتعرف قليلاً على تجربته الأدبية الثرية فهو صاحب أكثر من خمسين كتاباً أدبياً وكذلك تجربته بمجال الترجمة..نرحب بضيفنا وإليكم الحوار.

* ما الذي يمكن أن يقدمه الأدب في زمن الكوارث المحبطة وواقعنا البائس؟
على المستوى النظري، يمكنه أن يقدم الكثير، مثل تعزيز إنسانية الإنسان وتقوية التقمص الوجداني والحفاظ على القيم الإنسانية وتقديم متعة جمالية تواجه مظاهر البشاعة والتلوث والعنف والتعادي المتفشية في كل المجالات وبكل المعاني. أما على المستوى العملي، فكل هذا شبه معطَّل بالنسبة لمعظم الناس، لأن هناك وسائل ووسائط أخرى سحبت جمهور الأدب بعيدا عنه، ولأن غالبية الناس في عالمنا العربي الآن لا يقرؤون بسبب ظروف اقتصادية وظروف اجتماعية وثقافية وتعليمية عامة.

* تستمر دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني بالنشاط ولكن تغيرت سياسة النشر.. ما هي خطواتكم التصحيحية لمسيرة الدار؟
كانت دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني تنشر من قبل كل الكتب التي تصل إليها، لأنها كانت تؤمن بتشجيع كل الكتّاب، وكنا نقوم بتصحيح كل الكتب لغويا. ولكن اتضح لنا أن هذه السياسة سياسة فاشلة، فالكاتب الذي تصحح له كتابا يرسل كتابه التالي بنفس الأخطاء. وهناك كتّاب نشرنا لهم وهم لا ينظرون نظرة إيجابية للنشر الإلكتروني ولا يهتمون حتى بمشاركة روابط كتبهم على صفحاتهم وعلى المجموعات المختلفة. كما أن النشر في الدار بشكل شهري كان مرهِقًا جدا لي وللأستاذ محمود الرجبي. ولذلك توجهنا نحو تقليل عدد دورات النشر بحيث يتم نشر الكتب ثلاث مرات فقط في السنة، وقبل كل شهر من شهور النشر الثلاث نترك ثلاثة أشهر لتلقي الكتب ويتم النظر في الكتب جيدا ونشر الجيد منها فقط.

النشر الإلكتروني هو مستقبل النشر في العالم أجمع

* كيف تنظر وتشعر بالتفاعل مع الكتاب الإليكتروني؟
شئنا أم أبينا، النشر الإلكتروني هو مستقبل النشر في العالم أجمع لأسباب اقتصادية وبيئية في الغالب. وهناك تفاعل متزايد مع الكتاب الإلكتروني، ومعظم القراء الآن تقتصر قراءاتهم في الغالب على الكتاب الإلكتروني، سواء أكان منشورا إلكترونيا منذ البداية، أم أنه كان منشورا ورقيا وتم تحويله إلى صيغة PDF قابلة للقراءة على الأجهزة الإلكترونية المختلفة. ويتفاعل الكثيرون مع الكتاب الإلكتروني بقوة، ولكن على الكاتب أن يسعى للوصول إلى هؤلاء الكثيرين من خلال مشاركة روابط كتبه في أكبر عدد ممكن من المواقع والمجموعات والصفحات.

* تجمدت واندثرت عشرات وربما مئات الصفحات والمجموعات الفايس بوكية الأدبية.. ما أسباب هذا برأيك؟
بصراحة، لم أعد أتابع الكثير من صفحات ومجموعات الفيسبوك الأدبية، لأنني كدت أدخل في اكتئاب مزمن بسببها، إذ أدركتُ أننا نحرث في البحر وأن الكثير من المجموعات لا تبتغي وجه الله ولا وجه الأدب. ومن وجهة نظري، لن يتحقق شيء يمكن الاعتداد به ما لم تكن لكل صفحة أو مجموعة رؤية متميزة وتسعى من خلالها إلى الإسهام الجاد في إحداث نقلة نوعية في خريطة الأدب العربي. ولكنك تجد في الكثير من الأحيان أن المسؤولين عن بعض الصفحات الأدبية لا يلمون حتى بمبادئ القراءة والكتابة ولا يقرؤون تاريخهم وتاريخ غيرهم الأدبي..

عالم الفيسبوك وغيره عوالم بالونية تعتمد على الاستهلاك السريع

* تنشر فتاة مراهقة صورتها فتجد الاف من المعجبين والمتابعين بينما أدباء كبار قد تجد صفحاتهم مهملة.. ما قراءتك لهذه الظواهر؟
رحم الله شاعرنا نجيب سرور. هي ظاهرة منتشرة منذ عقود، ولكنها انفضحت بشكل واسع مع ظهور الفيسبوك ووسائل الاتصال الاجتماعي الأخرى. في عالمنا العربي بوجه عام، نسبة كبيرة ممن يشتغلون في أي مجال لا علاقة لهم بهذا المجال، كما في الدين والأكاديمية والأدب والصحافة، الخ. وللأسف، حاول البعض إدخال دار كتابات جديدة في هذا المجال من خلال تجميع مختارات يفترض أنها لأدباء وأديبات في منطقة ما أو على مستوى العالم العربي ككل، ولكن اتضح أنها تركز على النساء بشكل متواصل، كما حدث ذلك أيضا في الكتب المترجمة المنشورة في الدار. وبوجه عام، عالم الفيسبوك وغيره عوالم بالونية تعتمد على الاستهلاك السريع وعلى الادعاء وعلى محاولة تعويض شعور ما بالنقص في الغالب، ولا ينفي ذلك وجود شريحة جادة ومتميزة.

* أنت شاعر وقاص ومترجم وناقد ومتعدد الإبداعات.. هل تشعر أنك نلت التكريم؟
ما معنى التكريم في عالمنا العربي؟ أكتب بشكل متواصل ومتفرّغ وكثيف منذ عام 1991 ونشرتُ أكثر من 50 كتابا ورقيا في مجال القصة والشعر والنقد والرواية والهايكو والهايبون والترجمة. ولولا وجود إيمان داخلي بقيمة ما أكتبه وبضرورة مواصلة البحث عن رؤية فنية وأدبية خاصة بي، لكنتُ توقفتُ منذ زمن بسبب الإحباط أو الاكتئاب أو عدم التقدير. ولكنني لا يهمني التكريم بوجه عام، ويهمني أن تصل أعمالي إلى أكبر شريحة من القراء.

الأسلوب ليس شيئا جامدا أو محايدا وإنما هو ينمو مع نمو رؤية صاحبه

* هل من انقلابات في تجربتك الأدبية؟
بوجه عام، إذا لم أختلفْ اليوم عن أمس وأختلف غدا عن اليوم، أنظر لنفسي على أنني ميِّت. أي أديب يحاول أن يتميّز لا بد أن يسعى لأن يجرّب في أساليب الكتابة على الدوام ولأن يبلور رؤيته من خلال القراءة والمشاهدة والاستماع والتأمل والتفاعل مع المستجدات في بيئته وفي العالم الأكبر من حوله. ولذلك قد تجد طفرات كبيرة في أساليبي في كل الأنواع الأدبية التي أكتب فيها، لأن ذلك يرتبط بالرؤية المتطورة، فالأسلوب ليس شيئا جامدا أو محايدا وإنما هو ينمو مع نمو رؤية صاحبه.

* كيف تقيم المشهد الأدبي المصري؟ ما مدى تفاعله مع محيطه العربي؟
أظن أن المشهد الأدبي المصري أو المشهد الأدبي في أي مكان أكبر من أن يقيّمه شخص لأن هناك مئات وآلاف الكتّاب في كل بلد ولا يمكن لشخص مثلي أن يلم به. ولكن أظن أن قرصنة الكتب المصرية وغيرها وانتشار النشر الإلكتروني غير المرتبط بمكان معين يساهمان في خلق تفاعل كبير بين المشاهد الأدبية العربية.

* غابت الأفكار الكبيرة التي كانت تدعو للتحرر والتجديد.. ما دلالات هذا الغياب.. ألا يبدو هذا مقلقاً؟
قد يغضب منّي البعض، ولكنني أرى أننا صرنا الآن أصوليين في كل مجالات حياتنا. وفي الأدب على سبيل المثال تجد الكثير من المسابقات والحكّام والنقّاد متخلّفون بعشرات السنين عن جديد التجارب الأدبية العربية. ولذلك لا غرابة في انتشار الإرهاب والأصولية الدينية والمجتمعية في شتى المجالات حتى لو ادعى الأشخاص أو الجماعات في هذه المجالات غير ذلك. هناك محاربة للتجديد وللتميز في معظم المجالات.

قام المركز القومي للترجمة في مصر بترجمة آلاف الكتب للعربية

* كيف تنظر لحركة الترجمة العربية ولماذا لا تلتفت الهيئات العربية ولا نجد أي مشروع عربي جاد مدعوم بالإمكانيات؟
لو كان السؤال يخص الترجمة إلى العربية، فهناك نشاط كبير في عالمنا العربي. فعلى سبيل المثال، قام المركز القومي للترجمة في مصر بترجمة آلاف الكتب للعربية. أما إذا كان السؤال يخص الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، فهناك جهود قليلة، ولكنها لها حسابات مغايرة، لأن الهيئات أو الأفراد الذين يقومون بالترجمة أو يدعمونها، تكون لهم في الغالب حساباتهم الخاصة المتعلقة بالصورة التي يريدون أن يرسموها عن العالم العربي في أذهان القارئ الأجنبي، وأظن أن ما يهمهم أن يظل العالم العربي في صورة التابع ثقافيا..

الأزمات الاقتصادية والأخلاقية جعلت كل شيء يُباع ويشترى

* أصبحت شهادات الماجستير والدكتوراه تمنح بسهولة ونادراً ما نسمع عن بحث جاد.. إلى أين سيقودنا هذا الوضع؟
مبدئيا، هناك الكثير من الأبحاث الجادة، ولكنها بلا قيمة فعلية لأنها توضع على الرف بمجرد كتابتها ونشرها. أما بالنسبة للمشهد الأكاديمي العام، فهو مشهد بالونيّ أيضا، لأن الأزمات الاقتصادية والأخلاقية جعلت كل شيء يُباع ويشترى، بما في ذلك شرف الباحث أو الباحثة ذاته. ومن يرفض أن يبيع نفسه، يظل مغضوبا عليه، سواء أكان ذلك على مستوى الماجستير والدكتوراه أم على مستوى ما بعد الدكتوراه ولجان الترقيات العلمية.

* كيف ترى المهرجانات الشعرية ولماذا خفت بريقها؟
بصراحة، لم أعد أتابع المهرجانات الشعرية، لأنها كانت موجة لا تهدف إلى نقل الساحة الشعرية خطوة إلى الأمام، كما أنها أصولية في معظمها ولا يمثل لها الجديد شيئا يُذكَر.

لا أعرف متى أكتب ولا المسار الذي سيتخذه النص

* من أين تستقي شخصياتك الروائية وما المسار الأدبي الذي تنتهجه؟
لا يوجد مسار أدبي معيّن، لأنني أنا شخصيًّا لا أعرف متى أكتب ولا المسار الذي سيتخذه النص المفرد أو ستتخذه التجربة الأدبية التي تتفرع عنها عدة نصوص. في الرواية، ومؤخرا في القصة القصيرة، شخصياتي السردية تنبع مما أُطلِق عليه البرزخ أو ما وراء الوقت أو القناة الواصلة بين الوعي واللاوعي عندي، فلا يمكنك أن تقول عنها إنها شخصيات واقعية بالمعنى الحرفي، وفي الوقت ذلك لا يمكنك أن تنكرها لأنها تدل على الإنسان المركَّب، الإنسان الموجود في ذلك البرزخ الذي يلتقي فيه كل شيء وكل الأشخاص وكل الأزمنة.

* ما الذي يجب أن نعرفه عنك كقراء؟
أنا كاتب على باب الله، ولا يمكنني إلا أن أَكُونَ نفسي وأكون صادقا مع نفسي، أسعى لأن أقدم رؤية أدبية صادقة متجددة، ولن أصل إلى مرحلة الإحباط والتوقف مهما كان ومهما حدث إن شاء الله.

* ﻇﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻲ ﻭﺍﻟﺘﺤﺮﺵ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣﺨﻴﻔﺔ.. ﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺘﺎﺟﻪ ﻣﺠﺘﻤﻌﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﺩﺑﺎﺋﻪ؟
دعنا لا نضحك على أنفسنا. لا الأدب ولا أي شيء يمكن أن يفعل شيئا إلا على مستوى قلة قلية جدا في عالمنا العربي. وأظن أن الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها عالمنا العربي الآن ومن الواضح أنها ستتواصل، ستقوم بالقضاء على ما تبقى لدينا من قيم، وسيتزايد معدل العنف والقتل والخطف والتحرش الجنسي وبيع الأطفال والكبار وتقطيع أعضائهم وبيعها كقطع غيار…

*ﻧﻌﻴﺶ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﻔﻴﺪﻳﻮ، ﻣﺎ ﻣﺪى ﺍﺩﺭﺍﻙ ﺃﺩﺑﺎئنا ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ؟
للأسف، معظم الكتّاب يعيشون في عصرنا الحالي بوجدان عصور سابقة، تجسيدا للأصولية التي ذكرتُها من قبل، ويتعاملون مع الكتابة على أنها فكرة لا علاقة لها بالعصر ولا بالمستجدات التي تفرضها الأزمنة المختلفة والعصور المتعاقبة. عصرنا الحالي يحتكم إلى إطار تصوُّري مختلف عما كان حتى منذ 15 سنة، ولكن الكتابة الأدبية في معظم الأحوال في عالمنا العربية تسير على نفس المنوال القديم، لدرجة أن الكثير من الكتابات التي يُفترض أنها معاصرة رجعت إلى الوعظ الأخلاقي الموجود في عصر ما قبل الأدب. وعلى الجانب الآخر، هناك كتابات تظن أنها تخترق التابوهات، ولكن بشكل فج، فلكي أخالف أي شيء لا بد أن أستوعبه جيدا وأقدم رؤية بديلة وصادقة…

* ما جديدك؟
بالإضافة إلى المشاريع الروائية والنقدية القصصية شبه المتوقفة بسبب كثرتها وضيق الوقت في آن، أقوم الآن بدور الجزّار مع كتاباتي القصصية والشعرية غير المنشورة ورقيا مما كتبته في الفترة من 2006 حتى الآن بحيث لا أنشر نصا إلا إذا كان متميزا وأحذف نصوصا بأكملها وأراجع كل النصوص بالحذف والإضافة، وفي الغالب الحذف أكبر، وذلك تمهيدا لنشر الكتب ورقيا في أوقات لاحقة.

المقال السابقسالمة
المقال التالىمساء ريتا ونبال شمس
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد