مقاطعون


 

أعدكم، لن أتكلم كثيرا عن ما يسمونها بأل ” إنتخابات ” العراقية، و لن أخمن و لن أتكهن و لن أتوقع و لن أحلل و لن أضرب أخماسا بأسداد، الحمد لله هناك كثيرون جدا اليوم ممن يقومون بذلك على الفيسبوك و الواتس أب و محطات التلفزيون و الصحف المتعددة ..

أحاول دائما أن أتجنب الحديث عن الفوضى الحاصلة في العراق منذ الإحتلال، بقدر الإمكان و كلما كان ذلك ممكنا، لأن هذا الأمر بات كالعاهة المستديمة في قلبي و جسدي و عقلي، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بتوقعات و تكهنات و تجليات مستقبلية، هذه الأمور نتركها لآخرين تعودوا نشر توقعاتهم و تجلياتهم تلك عن ما سيحدث في العراق و هناك أسماء باتت معروفة جدا في هذا المجال، و التي نادرا ما تطابقت أو تقاربت من الواقع الأليم ..

سأتكلم عن ” المقاطعون “، هذا التاغ أو التعبير أو المصطلح أو العنوان الذي ظهر و إنتشر كالنار في الهشيم خلال الأيام القليلات الماضيات ..

و هؤلاء المقاطعون، هم كما يبدو الأغلبية في هذه الإنتخابات المزعومة، أقل التقديرات لهم أنهم حوالي ٥٥ ٪ ، و أفضل التقديرات تتقرب من ٨٠ ٪ من عدد الناخبين في هذه الإنتخابات ..

إذا هم فعلا أغلبية، لكن ذلك لا يعني أنهم متفقين على رأي و موقف و قلب واحد، فلكل فئة رأيها و توجهها و سببها المعقول في ممانعتها المشاركة في هذه المهزلة، لكن على الأقل نجد عدد كبير من شعبنا و أهلنا هم ممن يؤمن و يتبع الحديث النبوي الشريف ” لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين ” ..

ما يهمني في الأمر ليس تحليل هذه النسبة، و من يكون هؤلاء، فربما نعود قريبا لتحليل و دراسة أوسع لهؤلاء المقاطعون و غير المقاطعون، و الفارق بين الفئتين، و الأسباب و الدوافع، لكنني سأهتم و أركز على درجة إنفلات الإعصات و الهستريا التي عبر عنها البعض ممن يعادون المقاطعون و يكرهون أي قاطع ” للرحم ” و أي صوت يضيع من ” سلة الفاسدين و المفسدين “، بصراحة متناهية ، و بمختلف الوسائل و الطرق، و التهديد و الوعيد أحيانا بأن هؤلاء المقاطعون سيندمون و لات ساعة مندم، على فعلهم هذا، فالبعض يتهمهم بأنهم منعوا التغيير، و آخرون أنهم أوقفوا عجلة التطور و التنمية في البلد، و آخرون يتهمونهم بأنهم لم يدعموا الشرفاء، و لم يقاوموا الفاسدين بشكل كافي، و كأن من شارك في مهزلة الإنتخابات، و للمرة الثالثة على

التوالي و بفشل ساحق ماحق، كإنهم سيحققون النصر المبين، و يعيدون أمجاد العراق العظيم و أمواله و مدنه التي دمرت و سكانه الذين هجروا و شردوا ..

لو إستعرضنا بعض الأسماء منذ يوم الإحتلال حتي يومنا هذا، أين كانوا، ماذوا فعلوا، و أين هم الآن، لتوضحت لنا الأمور أكثر، إبتداءا من الياور و الباجه جي و الجلبي و الكبيسي و الدليمي و السامرائي و البرزاني و الطالباني ، وصولا إلى علاوي و غيرهم ..

و في حين ركز المقاطعون على لغة المنطق و العقلانية و لغة الأرقام و أدب الحوار، لم يقصر هؤلاء المعارضون للمقاطعون، و بعبارة أدق أغلبهم، في إستخدام مصطلحات و تعابير و مفاهيم ، تعودنا سماعها من الفئات الفاسدة و المستفيدة من الفساد، و هؤلاء ممن يتشاركون المصالح مع الميليشيات العسكرية و الأمنية المختلفة في البلد، من هذه التسميات و المفاهيم و التي كما يبدو أقرتها و عممتها و فرضتها جهات حكومية معينة في العراق أو خارجه، في أميركا أو إيران أو إسرائيل أو مصر أو السعودية أو الإمارات أو غيرها، مثل إرهابيين، سنة طائفيين، وهابيين، بعثيين، داعشيين، تكفيريين، أردوغانيين، أخوانيين، ظلاميين و إسلاميين و غير ذلك من المفاهيم و المصطلحات البائسة، و أغلب من يستخدم هذه اللهجة و التعابير ربما لا يفهم كنهها و معانيها الصحيحة للأسف ..

كذلك عقدة الخارج لدى البعض، فكان الهجوم على من هم في خارج العراق من المقاطعين و كونهم بعيدين و لا يفهمون ما يجري هناك إلى غير ذلك ..

ما يحز في النفس و يؤلم أكثر، أن هذه اللغة المتشنجة، و اللهجة الغريبة أتت من أناس يمكن أن نعتبرهم في خانة المثقفين و المتعلمين، و معظمهم في مواقع و مناصب مرموقة، و لا ندري إن كانت مواقفهم هذه ضد المقاطعة مدفوعة الثمن، أو جراء خوف أو تهديد، أم مجاملة لأصدقاء و أقرباء ممن إنغمسوا في العملية السياسية و الفساد و الجرائم و أعمال الميليشيات العسكرية في العراق، طبعا هذا لا يمنع أن يكون هناك نسبة مهمة و كما أشرت من أناس حسني النية و الطوية، ممن لم يستوعبوا بعد ما يجري في العراق، و ممن يعتقدون أنهم يمكنهم التغيير من داخل النظام الدستور الفاسد ..

فات هؤلاء أن المقاطعة موقف كما المشاركة موقف، و لكل إنسان حرية إتخاذ الموقف و القرار و حرية الرأي، و هذه من مبادئ ما يسمونه بالديموقراطية التي يشاع أنا زرعت عند الإحتلال في العراق، و لكنها و كما يبدو لم تخضر و لم تزهر، و إن كان البعض يرضى أن يلوث أصابعه باللون البنفسجي ، فهناك البعض ممن يأنف أن يفعل ذلك و أن يشارك في هذه المسرحية التافهة، خاصة و أن البعض ممن خبر الحبر البنفسجي قبل سنوات و إكتشف خطأ توجهاته، عاد لهم الوعي و إصطفوا ليكون مع فئة المقاطعين بعد أن ثبت لهم عدم إمكانية تغيير أنظمة و قوانين و دستور جائر خاطئ مفروض علينا من قوى الإحتلال ، و إستحالة مشاركتهم في هذا الإثم العظيم، و فضلوا أن يكونوا ضمن فئة المظلومين على أن يحسبوا و لو من بعيد مع الفاسدين و المفسدين و الظالمين ..

و إن كان البعض من المشاركين ربما قد يؤمل النفس بمنصب أو دعم مادي أو معنوي أو أي إستفادة ممكنة، و نحن هنا نؤكد على قولنا البعض، و نحن نؤمن أن هناك البعض منهم من أصحاب النيات السليمة و الأنفس الصالحة، لكن فهمهم و إستيعابهم للأمور و قرارهم جاء بهذا الشكل .. فأن المقاطعين لا ينتظرون شيئا من هذا، بل يريدون لهذه العملية السياسية العرجاء أن تنتهي، و أن يلغى كل ما يتعلق بنظام الإنتخابات و الدستور و المحاصصة، و كل ما جاء به الإحتلال و أصبح أساسا لنظام الحكم الجديد فيما تبقى من العراق، و أن تعود هذه البلاد لوعيها و تسترد صحتها و عافيتها ..

و كما أشرت، فأنه في الوقت الذي أحترم المقاطعون مواقفهم و مواقف الآخرين، نجد أن البعض من فئة المشاركين يتمادون في نقدهم الجارح و إتهاماتهم و تصريحاتهم الهستيرية لمن قاطع، و كنا نتمنى أن يستوعبوا موضوع الرأي و الرأي الآخر، و حرية الرأي و التفكير، و إن أمكن أن يوضحوا لنا ما وعدوا به أو ما يتوقعونه من مكاسب من خلال مشاركتهم في هذه العملية الفاشلة الخربة ..

موقفنا و ما نؤمن به هو ، و نكررها، الإنتخابات تبقى موضوع إختيار و قرار شخصي، قد يخطئ و قد يصيب، و نحن لن نخوِّن أحد و لا ننزّه أحد، فالله وحده أعلم بما تخفيه الصدور، و نحن نفترض الإخلاص و نقاء السريرة و صفاء النية و حب الوطن لدى الجميع، أي كانت مواقفهم ..

سيبقى المقاطعون هم الأغلبية، و سيبقى ذلك علامة بارزة مميزة متميزة، و سننتظر كيف تسير الأمور، خاصة و إننا بدأنا نسمع أصوات كثيرة غير متوقعة تدعم المقاطعة و تدعو لإلغاء نتيجة هذه الإنتخابات، و تسليم الحكم لحكومة مؤقتة أو حكومة تسيير أمور، لحين معالجة الخلل، و الخلل كبير و عميق و بيّن و واضح للجميع بالتأكيد ..

المقال السابقخطوة المقاطعين القادمة
المقال التالىالنفـــــط، تحليل للسو ق ج1
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد