سالمة


 

تضيق بي الدّنيا سواء كنتُ سالمة أو غير سالمة .الاسم لم يكن اختياري. وجدته أمامي. لبسني ولبسته. عرفت أبي وأمّي رويدا رويدا وإخوتي. كانوا ينادونني سالمة سالمة .فأدركت أنّه اسمي .نشأت قرب الجبل. اعتدت رؤية الطّيور والمواشي. في ليالي الشتاء آوي إلى دهليز جدّي . أشعل فتيلا خلسة وأقبع هناك أتأمّل الكُتب . نشأت بيني وبين تلك الخزانة صداقة ثمّ صارت محبّة شدّيدة . كنتُ أعود من المعهد متلهّفة. وأنزل إلى عالم جدّي المهيب. أواصل مطالعة الكتب. أتحسّس أنفاس جدّي بين المجلّدات. الدّهليز آمن . وكنتُ كلّما أنزل الدّرج . أتخلّص من التّوتّر والخوف . وتسافر روحي في عالم مختلف بلا ملل ولا تعب . وما إن أتمّ رحلتي وأصعد إلى البيت على صوت أمّي اللّجوجة . سالمة يا سالمة اصعدي . ما قصّتك مع الدّهليز ؟ حَتّىَ تعود الأوجاع وتكثر المشاغل . إعداد الدّروس. مساعدة أمّي . أختي . أخي . ها أنّني الآن زوجة وأمّ لأطفال . ماتت أمّي . وتزوّجتْ أختي في توزر.والتحق أخي بالعاصمة يعمل في إدارة الأرشيف . وأمّا أنا فقد تزوّجت مختار ولد هنيّة . لم أسلم من الإذاية . لم أكن منعزلة . كان مختار يجلب المواد الغذائية إلى دكّانه . وفجأة أفلس . لازم البيت مدّة ثمّ اختفى فجأة منذ سنوات طويلة في بداية الثمانينات . شاركتُ أهل القرية أفراحهم . وعُدتُ مرضاهم . وفي موسم جني الزّيتون كنتُ أعينهم . أوقد الكانون . وأضع البخور . وأطبخ لهم الطّعام . وأشاركهم الجني . وأونس وحشتهم . أتجاذب معهم أطراف الحديث . بلا مقابل . ولكنّهم حسدوني . ولم يهنئني الأهل بنجاح ابني . وسبق أن سرقوا زيتي . وحطّموا أشجاري . ووضعوا اُلْمُبيدَاتَ في عَلَفِ دجاجي وَ طَعَامِ كِلابِي. وكنتُ ألازم الصَّمت مكروبة حزينة . ولا أشتكي . ولكن هيهات أنْ أنْسَى. أذكر أنّهم أحرقوا محرّك البئر. وَكَانُوا يردِّدُون:{ سالمة ناجحة لازم نحطّمها }. كانت الشّمسُ مشرقة. الأشعّة تخترق الباب وتدخل إلى الغرفة. ابني في الشغل. زوجته بجانب رضيعها. وأنا بجانب جدّي أسرد له حكايات القرية وأفعال أهلها القبيحة. جدّي لم تتغيّر ملامحه. أحيانا كثيرة تضيق بي الدّنيا ولكنّني أخفي آلامي حتّى لا أنغّص حياة ابني. ابني معلّم في مدرسة القرية. تركني زوجي وذهب. لا أعلم إلى أين ؟ تعدّدتْ الرّوايات. ثمّة من يقول أنّه رآه في طرابلس .وثمّة من يقول إنّ أحد أبناء الجيران التقاه في نابولي .وآخرين منهم زعموا أنّه يعمل في سوق المنصف باي متنكّرا. المُختار ترك المِيداني في سنّ الثامنة. ونورس في سنّ السّادسة. ترك أشياء جميلة. وَكَانَ دَائِمًا يقُولُ لي:{ متنجحش البلاد من الشّر غلّي في قلوب برشا من أولادها ، تو تقعد اطّيح وتاقف حتّى آش يعمل ربّي ، أمّا أنا معدش انجّم نتحمّل هالأذى هذا الكلُّو }، وكنتُ أخشَى أن يهربَ في يوم من الأيّام ،زوجي رجل شهم قارع هموم الدّنيا وكانت الغلبة له،كان يحبّني. أنساني مرارة اليُتم و الفقر وقسوة الأيّام .كَان يحلمُ بغدٍ مٌشرقٍ بعد 14 جانفي ولكنّه اكتشف أنّ كلّ ذلك مسرحيّة. فتفاقم حزنه. كان يستمع إلى الأخبار ويشاهد التّلفاز ويقول لي:{ الكلّو تمثيل، مشات البلاد يا امرا ،لابدّ أن أرحل} .وكان يستمع إلى قصص جدّي الّتي أسردها له.لا يضجر ولا يسأم رغم أنّه كان يعود منهكا ومثقلا بالمشاغل وبحيرته على تونس. كان بيتي دافئا وسعيدا. وكان المُختار يحضّني على برّ الوالدة. ثمّ أقنعني بسكناها معنا في البيت. وجاءت والدتي .فكان يحسن إليها. والدتي كلّما تذكّرت مختار بكت. وتقول:{مختار الله يسترك يا مختار} . مضت أعوام وأعوام وكنتُ أعمل مع أمّي في أرضنا. وأربّي الخرفان والأبقار. وأجني الفلوس وأنفق على الميداني ونورس . ولكنَّ مكان المختار فارغا . وهو في قلبي يتحرّك . حيرتي عليه شيّبتني .وعند فجر يوم صيفي السّنة الفارطة كنتُ نائمة في قاعة الجلوس ، أحسستُ بيد تداعب وجهي . ورائحة سجائر ممزوجة بعطر تدخل أنفي وقلبي .فنهضت وإذا به المختار متمدّدا بجانبي وثلاث حقائب من حوله. بكيتُ.همس في أذني:{ لا تبكي دوام الحال من المحال، سنفتح الدّكان ونحفر البئر ونبني القنطرة ونشتري الشّاحنة}.

لا تعليقات

اترك رد