الليالي العشر … روح للمستقبل والمرح والخير

 

يقول الأديب : أنا أبدع دنياي ، جنون الأقمار ملعبي والرؤى غنائي الأبدي. أنا للجمال للحرف المزغرد أرهن ذاتي وثيابي . أنا حرية العصفور وعطر الزهور أرقص في ظلال الغابات وعلى خدود الصبايا دمعة فرح . أجمع الأقمار وألهو بما خلف النهود . شخوصي ينتمون إلى ما وراء الخيال ، أصوغها ، أجمّلها ، أحييها ، أمحوها ، ألهو بها كيف أشاء ، وأسامرها متى أشعر بالملل.

رجال الأدب و العلماء والباحثون يستفيضون في شرح مزايا وأفكار ورؤى عصر النهضة الأوروبية بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر ويروون لنا الحكايات عن تدهور السلطات الروحية ورجال الدين والكنيسة وجمود السلطة الفكرية وتصاعد القلق الديني وظهور الروايات والقصائد والقصص التي تنتقد الوضع القائم كما تروي لنا القصص عن الحروب والجمال والدوقات وعمليات الإصلاح في الكنيسة والمعتقدات وانتشار الطباعة وشيوع الاكتشافات الجغرافية .

ومن بين دنيا واسعة من الأسماء يذكر الباحثون عددا من الأسماء اللامعة في الفلسفة والعلوم والأدب والفن وعلى رأسهم بيكون وغاليلو وكوبرنيكوس ومايكل أنجلو ودافنتشي وسرفانتس وبوكاشيو الايطالي . يمثل كل علم من هؤلاء الأعلام جانبا من روح عصر النهضة الأوروبية لكن ربما كان أقلهم شهرة ولمعانا على مسرح الأدب العالمي الأديب الرائع بوكاشيو فأنت إذا راجعت هذا الاسم وما يحيط به من معلومات وحكايات ستجد نفسك وسط حديقة جميلة غناء فيها ألف نوع من الزهور والرياحين وستجد نفسك وسط حديقة ايطالية لفحت زهورها أشعة الشمس فأضفت عليه جمالا ورونقا خالية من التكلف والصنعة الأدبية والبهرجة الفنية . وربما كانت أجمل القصص التي كتبها مجموعة ” الليالي العشر ” حيث يعبر فيها عن الروح الإنسانية بأجمل صورها وحالاتها

تبدأ قصص ” الليالي العشر ” بحكاية وباء الطاعون الذي انتشر في فلورنسا وعموم المدن الايطالية عام 1348 م حيث انتشر الموت في الشوارع وشاعت الأنانية والتحلل من كل فضيلة وبدأ الناس يسيئون لبعضهم البعض ويهربون من المدينة إلى الريف وقد صور بوكاشيو المشهد من خلال سبع سيدات وثلاثة فرسان يهربون مثل كل الناس إلى الريف الايطالي تجنبا للموت فيقيمون حفلة تنكرية يتسلون بها لتمضية الوقت الثقيل . لم يفكر هؤلاء الفتية في مساعدة الناس . كان شعارهم الساخر ليكن ما يكون المهم أنا ومن بعدي الطوفان . لقد كان الطاعون رمزا للأوضاع السياسية والاقتصادية المسيطرة على فلورنسا وعموم ايطاليا في ذلك الوقت . رأت أكثرهن جمالا أن يروي كل واحد من الفتية حكايته كل ليلة وكان عدد الحكايات مئة حكاية في ليال عشر . كان شعار الشخصيات العامة في هذه الحكايات :عش ودع غيرك يعيش .

لقد أراد بوكاشيو من خلال هذه الحكايات إماطة اللثام عن عيوب المجتمع المادي وإزاحة الأقنعة وأن يعري حقيقة الناس أمام أنفسهم . أراد أن ينتقد القلوب السوداء والتعصب الأعمى الذي كان سائدا في عموم ايطاليا . أراد بوكاشيو أن يخلص الناس من هاجس الخوف من الخطيئة الأولى والسقطة الأولى التي امتدت تبعاتها لتغطي الأديان والمعتقدات وتصادر حرية الناس وطوحاتهم في العيش بسلام جسدي وروحي . يريد أيضا أن يخلص الناس من الماضي الذي يحتل مستقبلهم وأن يتسلوا فقط بذكريات الأمس . حكايات يمكن روايتها للناس وتسليتهم بها .

تروي إحدى الحكايات أنه في يوم من الأيام أراد الاسكندر المقدوني أن يحتل العالم وفي أحد الأيام التقى الفيلسوف ديوجين فسأله عن رأيه في حكم العالم . هز ديوجين رأسه ولامه على طموحه الأحمق ثم سأله :

ماذا ستفعل بعد أن تحتل أثينا ؟

قال : سأحتل فارس .

سأله : وماذا بعد فارس ؟

قال : مصر .

سأله : وماذا بعد مصر؟

قال : قال باقي العالم ؟

سأله : وماذا بعد أن تحتل العالم ؟

قال : أجلس وأستريح

هز الفيلسوف رأسه وقال ساخرا : ولم لا تجلس وتستريح مستمتعا بالحياة الجميلة الآن ؟

سأله الاسكندر قائلا : هل من خدمة أقدمها لك يا صديقي ؟

أجاب الفيلسوف : نعم . أريد أن تبتعد عن طريقي لأنك تحجب نور الشمس عني .

كتاب ” الليالي العشر ” لا يُنسى لأنه سلسلة من الابتسامات الجميلة التي لا تنتهي وأنت تقرأ حكاياته الضاحكة والحزينة على حد سواء .

يقولون في كتب الأدب : يكتب فولتير ليضحك الناس ويخفي دموعه .

أما بيكاشيو : فيكتب ليذرف الدموع ويمتعك بالابتسامات وأنت تقرأ سطوره الجميلة .

يريد بوكاشيو في كتابه أن يقدم فكرة الحب والتسامح بحلة جديدة التسامح الواسع الذي يشمل كل مناحي الحياة من خلال حكاية لها رمزيتها فقد أتاه دوق مونت كارلو الجشع وقال له اقترح لي نقشا لمنزلي الجديد ….فأجابه بدون تردد انقش على منزلك رسم التسامح لأنه أثمن ما في الوجود .

اليوم سورية وطني الجميل الذي تعرض لكل صنوف الاهانات من أبناء شعبه ذاتهم ما أحوجه للنسيان والتسامح والمحبة. وعلينا جميعا أن نقف أمام أنفسنا بخشوع أن نسأل أنفسنا السؤال الأوحد : ألا يكفي كل هذا النزيف من الدماء ألا يجب أن يعود الوعي للسوريين ويدركوا أن سورية هي أغنى بلد في العالم وأجمل بقعة في هذه الدنيا وعلينا أن نحافظ عليها وعلى تعدديتها الثقافية والدينية ؟

لا تعليقات

اترك رد