المقهى والهواء الطلق

 

لماذا تنتابنا مشاعر التبرم والقلق والكآبة ؟ خاصة إذا امتلكنا الكثير من مسببات الراحة : دخل مادي جيد ، وأسرة ، ومنزل ، وسيارة ؟!

ربما يعود هذا لأسباب متعددة ، منها البعد عن غذاء الروح بالإيمانيات ، وفقدان الأمل والتجديد ، وتشابه الأيام والساعات ، والإحساس بلا جدوى الحياة .

إنها أحاسيس تختلف من شخص لآخر ، ويختلف علاجها أيضا حسب حالة كل فرد، ولكننا سنعالج هنا قضية السأم من روتينية الحياة ، وتشابه أوقاتها ، وكيف أن البعض يتعلق بتوافه ، يضحك لها في البداية ، ويدمنها في النهاية .

*****

” كريستين فينلي ” فتاة أمريكية من أصول إفريقية ، تحكي قصتها في الحياة، فتحكي قائلة : منذ خمسة عشر عاما ، كنت أعمل في معمل لصنع الجعة في لوس أنجلس، وكانت حياتي رائعة، وكنت أجني الكثير من النقود، وامتلكت سيارة ليكزس، ومنزلا بحديقة، وأنا لا أزال في الرابعة والعشرين من عمري . ذات مرة ، أخبرتني إحدى صديقاتي أنها تمارس التأرجح في الهواء، فقلت لها، ماذا تفعلين؟ أريد أن أذهب للمشاهدة، وانتهى بي الأمر بأن عشقت ألعاب السيرك ، وبدأت أتعلم، فأدمنتها تماما ، وتركت حياتي في لوس أنجلس وانضممت إلى السيرك، وأهله .

لقد انتقلتُ من راتب جيد إلى عدم تقاضي أي راتب ، كان علي التخلي عن كل شيء بين ليلة وضحاها، وها أنا بعد 15 عاماً. لم أنظر إلى الخلف، ومشيت على الطريق ذاته منذ ذلك الحين. هناك شعور جميل عندما أطير عالياً في الهواء، ستشعر بالقوة ، وأنك تحت سيطرة ذاتك ، وأنك مميز. هذا ما يجعل التأرجح جميلا وعالم السيرك غريبا ومشوقا ، وأنت تقفز على الحبال ، وتنتقل من مكان لمكان .

ونحن نكمل : والأهم أنك المغيّر لحياتك ، باختيار مجال جديد لك ، تختبر فيه قدراتك ، وتتعاظم مهاراتك ، وتتجدد أفكارك ، وأنك تملك ذاتك .

*****

لقد اختارت ” فينلي ” حياتها بمحض إرادتها، وهذا ديدن المجتمع الأمريكي، حيث يستطيع الإنسان تغيير حياته متى شاء وكيفما شاء ، دون أن يحمل هما لكلام الناس ولا تعليقاتهم ، ولا أنه مضطر للتعلم من جديد ، وتغيير نظام حياته .

ولعل السبب في ذلك الإحساس الكبير بالحرية وامتلاك اللحظة ، والرغبة في الاستمتاع وتحقيق ما يصبو إليه الفرد ، ما دام مقتنعا بأنه سيجلب السعادة له ، وسيكسبه آمالا جديدة ، وخبرات عديدة ، ونفسية متحمسة سعيدة .

أما عن مجتمعاتنا العربية ، فإن هذا التغيير نادر الحدوث ، بسبب نوعية الناس ، الذين لا يؤمنون كثيرا بالتغيير ، ويتمسكون بنمط حياة متكررة ، وقناعات واحدة، خاصة طبقة الموظفين ، وأصحاب الدخول الثابتة ، الذين تتحول حياتهم إلى روتين قاتل ، والغريب أنهم يألفون هذا الروتين اليومي ، والأسبوعي ، والشهري ، والسنوي. وبمرور الوقت يتعودون السأم ، ويكرهون التغيير ، ولا يملكون إلا عيونا ساهمة، وجباها مقطبة ، ونفوسا فاترة ، وأحاديث باهتة ، و نكات مكررة .

*****

كثير من هؤلاء يفرون من روتين الحياة ، باتخاذ المقاهي سلوى لهم ، بل يمكن الجزم بأن هناك كائنات المقهى ، تلك التي جعلت المقهى عالمها، تنهي أعمالها في النهار ، ثم تبدأ طقوسها المسائية على المقهى ، وهي طقوس متنوعة ، تشمل الشيشة ، ولعب النرد ، وسرد الأحداث والمواقف اليومية .

كائنات المقهى متنوعة الشخصيات، هناك البسطاء الذين يكتفون بالاستماع والمشاركة في اللعب ، وهناك الزعماء ، هؤلاء الماهرون في لعب الطاولة والدومينو والكوتشينة ، ويحرزون انتصارات لا آخر لها ، وبعضهم يلعب على المال، لتحلو الجلسة ، ويشتد التنافس ، وهم لا يدرون أنهم في حمأة القمار .

*****

لعلنا نتذكر فيلم ” زوجة رجل مهم ” ، وبطلة الفيلم ، هذه السيدة الرومانسية ، عاشقة أغاني عبد الحليم ، ولكن الفراغ قتلها ، فلم تجد بدا إلا الانجذاب إلى جلسات جارتها في الشقة المقابلة والاستمتاع بأحاديثها ونميمتها ، ثم تعلّمت منها لعب الكوتشينة ، وفنونها ، حتى قالت لها الجارة ذات مرة : ” إيه رايك ، اللعب يحلّو

بالفلوس ” فأدمنت السيدة الرومانسية المثالية القمار ، مستغلة انشغالات زوجها ضابط الشرطة ذي المنصب المهم الحساس ، الذي يقضي معظم وقته في عمله ، المتعلق بالساسة والسياسة ، حتى تفاجأت ذات مرة وهو يضحك ساخرا من مثاليتها ، ليعرّفها أنه عالم بكل شيء عنها ، فعيونه خارج المنزل ؛ في كل مكان : بالشارع والحي والمدينة ، وأيضا داخل المنزل على الجيران وحارس العمارة ، وصديقاتها ، فقال لها: ” يكفيك لعب القمار مع جارتك ، فهو أكبر تسلية لك أيتها الرومانسية ” .

*****

لقد تحولت التسلية إلى عشق للمال ، والرغبة في تحقيق المزيد من المكاسب، فتزداد النفس دناءة ، ويتعاظم فراغها الروحي ، وبدلا من انفراج تقطيبة الجبين ، تشتد لتصبح لصيقة الوجه ، ويصبح من لوازمه السلوكية ؛ النفخ في الهواء تبرما .

إن المقامر ذو نفسية عجيبة ، فهو يعشق المال نعم ، ويعشق الحصول عليه بأيسر السبل ودون أدنى جهد على مائدة اللعب الدائرية ، ومن ثم هو على استعداد للتضحية بأي شيء ، المهم ألا يحرم نفسه من هذا العالم السحري ، الذي يظن أنه سيجعله مليونيرا في لحظات ، والكارثة أنه يخسر ، وتتضاعف خسائره ، ويعيش على أمل الفوز ، فإذا خسر لا يتوب ، وإنما يفكر كيف يعوض خسارته .

لقد كان الهدف من البداية التسلية وقضاء الوقت ، فيتحول إلى عشق التسلية، وإضاعة الوقت والمال ، والتعلق بآمال الوهم ، علما بأن الأمر كان في مطلعه هروبا من الروتين والملل ، وصار في خاتمته عبدا للتسلية المأمولة .

*****

في رسالة لأحد الشباب الصغار ، يقول فيها شاكيا : ” لا تتخيلوا حالة أبي ، هذا الموظف المحترم ، الذي كان رجلا بيتيّا بامتياز ، حتى أصيب بالإملال ، وقادته قدماه مع رفاقه إلى المقهى ، حتى صار جزءا لا يتجزأ من حياته ، مع غروب الشمس ، وإلى منتصف الليل . المشكلة ، أنه يحتجز كل شهر نصف راتبه، ويلقي النصف الآخر إلى زوجته الموظفة أيضا ، وعليها تدبير نفقة البيت براتبها ،

وعندما تعترض عليه الزوجة ، يوسعها ضربا أمام الأولاد ” .

والسبب بسيط ، لقد صار الزوج المحترم ، محكّما ثابتا في لعبة الدومينو، يمسك ورقة الكرتون ، ويسجل الفائز والخاسر ، وبالطبع هو أحدهم ، ولكنه في غاية السعادة ، وهو يحتل صدارة الطاولة ، والجميع مرتهن بأمره .

*****

تلك أحد علامات المقهى ، عندما يصبح ملاذا اختياريا للنفوس الفارّة من الحياة الفاترة، ومن ثم يتعلق بها ، ولا يعرف فكاكا منها ، مما يدفعنا للتفكير فيما فعلته ” فينلي”، التي لم تفرّ إلى مقهى مغلق ، ممتلئ بدخان الشيشة ، مزدحم بالنفوس الفاترة ، والأحاديث المكررة ، وإنما طارت في الهواء الطلق.

لا تعليقات

اترك رد