خطوة المقاطعين القادمة


 

حمي وطيس المعركة الإنتخابية خلال الأسابيع الماضية لا بين المرشحين و القوائم فقط و إنما بين دعاة تلويث الأصابع و دعاة المحافظة على نظافتها وهي الدورة الإنتخابية الأولى التي يبرز فيها صوت المطالبين بمقاطعة الإنتخابات بهذا ال” تينور” العالي حيث ذكرت مفوضية الإنتخابات أن نسبة الإقبال بلغت 44 بالمئة و هو رقم شككت فيه مؤسسات رقابية عدة و مع ذلك سجل انخفاضاً كبيراً عنه في عام 2005 إذ لم تنخفظ نسبة الإقبال عن 60 بالمئة آنذاك علاوة على أنها الأسوأ تنظيماً و شفافية بتاريخ العراق بشهادة العديد من المراقبين . نتائج الإنتخابات النهائية لم تظهر حتى ساعة كتابة هذه المقالة و لو ظهرت فستتبعها على الأغلب إعتراضات و طعون يستغرق البت فيها قدراً من الوقت ، حتى الآن دعا ائتلاف الوطنية الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي إلى إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية وإعادة الانتخابات بسبب التزوير والتضليل حسب تعبيره و هو موقف وجد فيه المقاطعون محاولة من جانب هذا الإئتلاف لركوب الموجة التي أحدثوها بمقاطعتهم الإنتخابات وهو إئتلاف شاركت مكوناته في السلطة و تتحمل قسطاً كبيراً مما آلت إليه الأوضاع منذ المؤتمرات التي سبقت الإحتلال و لا يجدون له مكان بينهم . و ريثما تنجلي الأمور دعونا نستعرض دوافع الفريقين و نستشرف ماذا يمكن أن تكون الخطوة القادمة للمقاطعين من جهة و المشاركين من جهة أخرى .

في الواقع لا يفترض أن يكون للمشاركين خطوة قادمة ، هم قاموا بما يتوجب عليهم و الخطوة القادمة من اختصاص الفائزين الذين انتخبوهم إلا إذا شعروا بالندم بعد ظهور النتائج و قرروا أن ينظموا لجمهور المقاطعين الذين لا يبدو أنهم سيقفون عند مجرد المقاطعة و إلا ستكون مقاطعتهم سلبية و لن يكون لها أي معنى .

المشاركون يرون أن المشاركة هي القاعدة و المقاطعة هي الإستثناء باعتبار أن الإنتخابات ممارسة ديموقراطية سلمية و هي الجو الطبيعي للتغير و القضاء على الفساد الذي اتفق على استفحاله القاصي و الداني لكن لم يسمه أو يسم رموزه لا القاصي و لا الداني و لم يعترف أحد بمسؤوليته عنه فينسحب و يقدم نفسه للقضاء و لم يكن للقضاء نفسه أي دور يذكر كما لم يقم أحد بتقديم أدلة الفساد ضد آخرين سبق و أن صرح بامتلاكها عنهم.

المشاركون يعتقدون أن النظام السائد هو نظام ديموقراطي و الإنتخابات ممارسة تدفع بمن يريدهم الشعب إلى قبة البرلمان ليتولوا دورهم في تشريع القوانين و تنصيب حكومة يتولون مراقبة عملها خلال السنين الأربع القادمة و يكتفون بهذا الفهم متجاهلين عوامل كثيرة لها تأثير مهم في سير العملية الإنتخابية يفترض أن نتوقف عندها لكي نتثبت من ذلك قبل أن نمضي قدماً و ندلي بأصواتنا و بعكسه تصبح الإنتخابات مجرد صناديق و حبر أزرق ، من هذه العوامل كيفية تشكيل الأحزاب المشاركة و شرعيتها و تمويلها و ارتباطاتها بالخارج و افتقارها لبرامج انتخابية عدا عن وعود هنا و هناك للناخبين لا علاقة لها أصلا بعمل البرلمان ، و شيوع السلاح و المنظمات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية و هي الجيش و الشرطة و تأثير هذه المنظمات على سير العملية الإنتخابية ، و نظام سانت ليكو بتعديلاته المعتمدة بل وقانون الإنتخابات إجمالاً ، و طبيعة تشكيل المفوضية المستقلة للإنتخابات وكيف يمكن أن تكون مستقلة و هي مشكلة من الأحزاب الحاكمة ، و عوامل أخرى عديدة .

أما المقاطعون فيكتفي بعضهم بالعوامل المذكورة و يعتبرونها أسباباً كافية لمقاطعة الإنتخابات فيما ذهب الفريق الأكبر لأبعد من ذلك عندما اعتبروا أن المشكلة لا تنحصر بالإنتخابات بل في نظام قائم يشكل البرلمان مجرد جزء منه ، نظام يعتمد على المحاصصة و اقتسام موارد البلد بين الأحزاب أثبتت تجارب السنين السابقة فشله و فساده و هو نظام يحتاج لتغيير بشكل كامل ، البرلمان القادم على فرض صلاحه و صعود عناصر نزيهة – و هو أمر يراه المقاطعون مستحيلاً في ظل ما تقدم ذكره – لا يغير نظاماً أي أن المرشحين الفائزين مؤمنون بهذا النظام و مؤمنون بالدستور و هذا شرط لقبول ترشيحهم و أول ما يفعله الفائزون هو قسم الولاء للنظام و الدستور الذي وعدوا ناخبيهم بتغييره و بذلك يكونوا إما قد كذبوا على ناخبيهم أو أنهم سيحنثون بالقسم ، ومن يبدأ مشواره بالكذب أو بحنث اليمين لن يكون أهلاً للثقة . من تيارات المقاطعة من راهن على نسبة المشاركة باعتبار أن هناك قياسات دولية تحدد فشل الإنتخابات لكن هذه المراهنة لا تبدو واقعية حتى على فرض وجود مثل هذه القياسات حيث أن مفوضية الإنتخابات المسؤولة عن إحصاء نسب المشاركة مشكلة من الأحزاب الكبيرة التي ضمنت فوزها مستغلة ما يقدر بأربعة مليارات دولار صرفت على شراء ذمم و وعود كاذبة و دعاية انتخابية صرفت إما من المال العام أو من مصادر يفترض أن تسأل تلك الأحزاب عنها ، لكن فريقاً آخر أهمل هذه النسب و راهن على خيارات أخرى تبدأ بعد ظهور النتائج ، منهم من طالب بمظاهرات تستثمر خيبة أمل الناخب بعد محافظة الأحزاب المخضرمة على مقاعدها ، مظاهرات تستثني أتباع الأحزاب المشاركة التي عرف دورها في مناسبات سابقة ، تطالب بحكومة إنقاذ و منهم من طالب بإلغاء الإنتخابات و اعتبار الحكومة الحالية حكومة تسيير أعمال و منهم من ذهب إلى أبعد من ذلك بالدعوة إلى عصيان مدني و حجتهم في ذلك أن المتصدين للعملية السياسية لن يتنازلوا عن مكاسب 15 عاماً مهما كان الثمن خاصة و قد ظهرت قبيل الانتخابات تهديدات مبطنة على شكل ” تحذير ” من موجة عنف ستجتاح البلاد .

المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي كان من بين أبرز الدعاة إلى مقاطعة الإنتخابات طالب بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تتولى إدارة البلد لفترة مؤقتة داعياً جميع مقاطعي الانتخابات إلى مؤتمر وطني شامل لرسم ملامح الفترة المقبلة و قد توالت دعوات مشابهة من شخصيات أكاديمية و وطنية فيما تسربت أخبار عن استعدادت أطراف عدة لتبني مشروع وطني يوحد هذه الدعوات في إطار واحد .

الآن ، حتى لو كانت نسبة المشاركة 40% كما تقول المفوضية و هو رقم شككت به منظمات رقابية عدة فإن المقاطعين ال 60% رقم كبير و هم عراقيون مارسوا حقهم في المقاطعة مثلما مارس الآخرون حقهم في المشاركة و هم أغلبية يجب الإستماع لما يقولون . أليست الديموقراطية أن يكون الرأي للأغلبية ؟

المقال السابقحداثة فنية معطوبة – ج 2
المقال التالىمقاطعون
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد