البعد الفلسفي وكسر أفق الانتظار في الومضة القصصية


 
البعد الفلسفي وكسر أفق الانتظار في الومضة القصصية
لوحة للفنان ماضي حسن

العنوان: تباين
المتن: (استقام على الأرض الملتوية؛ اتهموا ظله بالاعوجاج).
صاحب الومضة: خالد العجيري / مصر.

إن المتلقي للخطاب السردي للومضة القصصية… لا بد أن ينظر إلى النص في شموليته البنيوية، باعتباره نسقا كليا مترابطا بسلسلة من العلاقات المنتظمة والمرصوصة فيما بينها…

ومن خلال مقاربة لهذا النص (تباين) يتضح لنا أن هذه الومضة تقوم على بنيتين أساسيتين تتمحوران حول إشكالية فلسفية معقدة بطلها الإشكالي هو (الإنسان) الذي عبر عنه الكاتب بضمير الغائب (هو) كناية أيضا عن ضمير المتكلم، وذلك حينما يتعلق الأمر بشيء مهم وجب الالتفات إليه يحيل عليه ويزيل إبهامه، وهنا يظهر البعد الفلسفي لهذا الخطاب الومضي…

فالبنية الأولى كما يتضح من التركيب اللغوي والدلالي لها، أنها تكشف عن الاستقامة والثبات من خلال الجملة الفعلية التي يتقدمها فعل (استقام) وفاعله ضمير مستتر تقديره (هو) الغائر/ المخفي لفظا وكتابة في المتن، وطبيعي أن يقتضي هذا الفعل/ استقام… ما يحيل على الاستقامة فعلا، لذلك جاء النسق البنيوي مستعينا بحرف الجر وتابعه / المجرور (على الأرض) للدلالة على الاستعلاء والمصاحبة

ولأن الاستقامة تستدعي من الناحية المنطقية في ذهن المتلقي حضور معاني: الاعتدال، والتوازن والثبات على أرض مستوية… ليأتي السارد بكلمة (الملتوية) غير المتوقعة، التي نعت بها الأرض ووصفها بها وصفا يحيل القارئ على رفع الإبهام أو اللبس الذي قد يجعله فلسفيا يشك في حقيقة أمر موجود في تصور المرسل/ الباث / القاص، ومن ثم خرق المألوف لديه، وبالتالي تكسير أفق انتظاره، وكذا إعطاء البنية التركيبية بعدا فلسفيا يحرك في المتلقي استعمال آليات الفكر والنظر في تفكيك شفرات الخطاب الومضي…

كما يلاحظ أن العلاقة بين مكونات الجملة في النص (الفعل وفاعله، (هو)) باعتباره ضميرا مخفيا، هي علاقة تقارب، وخلق انسجام بين عنصرين متباعدين وهذا ما يسمى بلحظة التوتر التي يولّدها عنصر (الانزياح) الذي يجعل المتلقي في حالة التوتر، باحثا عن الانسجام في الخطاب وقد أفلح القاص في خلق فجوة أو مسافة التوتر عند متلقيه…

هذه الجملة الفعلية (استقام على الأرض الملتوية) التي طرح من خلالها القاص إن شئنا (فرضية) رغم ما تحمله من احتمالات التضاد
(الصدق =/= واللاصدق)
( صفة الاستقامة =/= وصفة الالتواء)

وبما أن الاحتمال وارد بين شيئين متناقضين في الجملة الأولى ( التصديق =/= التشكيك) سيحاول القاص بذكاء ممتطيا تقنية الانزياح مرة أخرى في الشطر الثاني من ومضته محاولا إقناع المتلقي بأن الثبات والاستقامة على أرض ملتوية ممكنا، إذا ما تعامل معها معنويا لا ماديا… وذلك في الجملة الفعلية (اتهموا ظله بالاعوجاج) إذ كيف يمكن لشريحة معينة من المخاطبين في نظر القاص أن يتهموا (الفاعل وهو الغائب/ المستقيم) بطل الومضة… بشيء لا يقبله العقل والمنطق وهو (الاعوجاج) في ذات المستقيم (المحمول) بدلا من الأرض (الحامل)؟ وأمام هذا المأزق الذي أوقعهم في التناقض الفكري والنظري… جعلهم ينزاحون بأفكارهم مرة ثانية إلى خرق المألوف، وخلق مسافة توتر جديدة للخروج من سفسطتهم الكلامية والفكرية والنظرية بالتوسل إلى فعل (الاتهام) وإن كان الاتهام باستعمالهم فعل (اتهموا) الدال على جماعة الغائبين (هم) في حد ذاته لم يوجه إلى الفاعل للفعل استقام، لأنه أيضا في نظرهم، لا يجوز منطقا ولا عقلا، وهنا كما سبقت الإشارة يتدخل الانزياح لإنقاذ الموقف والتماس جانب من التأويل، يعدّل من سفسطتهم إلى أن المتهم ليس المستقيم في ذاته المادية على الأرض الملتوية، وإنما (ظلّه) الذي يخيّل إليهم من جراء التواء الأرض أنه ملتو ومعوج غير مستقيم…

وقد دلّت بل أنارت عتبة الومضة بضوئها بعض مضامين ما ذهبنا إليه في هذه المقاربة (للبعد الفلسفي وكسر أفق الانتظار) في الومضة القصصية (تباين) لما تحمله هذه المفردة من معان دالة على تمايز الأشياء بضدها… أو الاشتمال على حالات متعارضة، بين جزئين سالبين أو كليتين سالبتين…
إن التفحص في البناء التركيبي والدلالي اللساني لهذا النص يرى ملامح البعد الفلسفي والفكري، واحتمالات التأويل الكائنة بالفعل، والممكنة بالقوة داخل هذا النص الومضي (الميكروـــ سردي) وما تميّز به من تكثيف واختزال ومباغتة قوية واندهاش وإيحاء ومفارقة لغوية ودلالية..

المقال السابقالعنف المدرسي ( تونس نموذجا) …
المقال التالىقليلٌ مِنَ الحُبِّ يَكفِي
ذ.عبد المجيد بطالي.. شاعر وقاص وفنان تشكيلي وناقد مغربي من مواليد 1958 بمدينة الدار البيضاء. حاصل على الباكالوريا سنة 1982. حاصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها / كلية الآداب والعلوم الإنسانية / جامعة الحسن الثاني / عين الشق / الدار البيضاء 1986. حظيت مجموعة من قصائده بالنشر الرقمي في مواقع إل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد