العنف المدرسي ( تونس نموذجا) …


 
الصدى - العنف المدرسي

العنف في الواقع ظاهرة غريبة , سرطان أخذ طريقه الى مجتمعاتنا العربية . ويعد من أكثر الظواهر التي تستدعي اهتمام المجتمع وضرورة التصدي لها . وأمام تفشي هذه الظاهرة بصفة مهولة وخاصة بعد الثورة , تعالت الأصوات التي دقت ناقوس الخطر للانتباه لها , باعتبارها لم تعد مجرد حديث عابر نسمعه في الشارع , بل وصلت عدواها الى مؤسساتنا التربوية . وأصبحنا نرى ونسمع من خلال معايشتنا اليومية للواقع التربوي , سلوكيات غريبة لم نتعود عليها سابقا كالاعتداء من قبل تلميذ على أستاذه , أو طعن تلميذ لزميل له بسكين أثناء مشاجرة أو ادخال مسدس بحقيبة مدرسية الى الصف , وهي أمور مألوفة في وقتنا الحاضر .

ان العنف هو نقيض للتربية , فهو يهدر الكرامة الا نسانية , لأنه يقوم على تهميش الاخر وتصغيره والحط من قيمته الانسانية , في حين التربية هي بناء الانسان وتكوين ملامحه النفسية وكسب الثقة بالنفس وكيفية التعامل مع الاخر . فالمدرسة التونسيية سعت منذ الاستقلال بمختلف مستوياتها الى تقديم تعليم جيد من خلال برامج هادفة ومن أجل تحقيق نتائج طيبة منشودة , الا أن المؤسسات التعليمية ببلادنا لازالت تعيش من المشاكل المستعصية منها الظاهرة أللا أخلاقية التي أصبحت سائدة في الأوساط التربوية هذه الأيام , والتي طغت على في الاونة الأخيرة ما يطلق عليها بالعنف المدرسي , وهو مجموع السلوكيات والتصرفات الصادرة من الأفراد , التي تتنافى والقيم النبيلة , وتكون في غالبها عدوانية وشريرة .

فالعنف سلوك غير مقبول اجتماعيا لأنه يلحق الضرر بالاخرين , سواء من قبل الأساتذة تجاه التلاميذ , أو من قبل التلاميذ تجاه المربين , أو من قبل التلاميذ تجاه بعضهم البعض .
فما هي الأسباب الحقيقية وراء تفشي ظاهرة العنف المدرسي ؟ وما هي أهم الحلول للحد منها ؟

انتشر العنف اللفظي والمادي بالمدرسة التونسية واستفحل بصفة غريبة خلال السنوات العشر الأخيرة . وكشفت الدراسة التي نشرتها وزارة التربية والتكوين أن هذه الظاهرة تطال خصوصا الأساتذة , وأوضحت أن 83 بالمائة من الاعتداءات حدثت داخل قاعات الدرس وأن قرابة 60 % من حالات العنف في المحيط المدرسي صادرة عن تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 16 و 20 عاما. كما أن بعض المعاهد الثانوية شهدت في السنوات الأخيرة اعتداءات غير مسبوقة , قام بها التلاميذ ضد أساتذتهم نتيجة حصولهم على درجات دون المطلوب في الامتحانات .
كما أشارت الى عدد القضايا المرفوعة لدى السلط القضائية في اطار الفصل التاسع من قانون الوظيفة العمومية , بلغ 45 قضية في العنف الصادر عن المربي تجاه تلميذه , حيث من 9 الى 13 بالمائة من التلاميذ يتغيبون عن المدرسة خوفا من العنف الذي قد يحدث بداخلها . وقد أشارت كذلك الى أن ارتكاب العنف بصنفيه المادي واللفظي يمتد من السنة السابعة أساسي الى البكالوريا بنسب متفاوتة .

الصدى نت

فلماذا هذا العنف ؟؟ وما الذي يشحن التلاميذ على بعضهم البعض ؟ ولماذا كل هذا التوتر بينهم وبين أساتذتهم ؟

من أهم الأسباب المسؤولة عن هذا العنف داخل المحيط المدرسي , هي نتيجة تداخل عوامل عديدة يمكن حصرها كالتالي :
عوامل نفسية بسيكولوجية حيث مجموعة من المتعلمين يحسون بحالات من الاضطراب النفسي والارتباك والخوف مما يدفعهم الى ارتكاب أعمال العنف .
عوامل اجتماعية : فالمستوى المعيشي لبعض الأسر الفقيرة يجعل التلميذ يشعر بالنقص والحرمان من زملائه , وهذا يدفعه الى الاحساس بالكراهية والحقد تجاه الاخر , فيولد ذلك بعض الممارسات العنيفة .
عوامل أسرية : عدم تأطير وتربية أبنائها بطريقة مثلى وخاصة وهم في أمس الحاجة الى العناية والمراقبة .

4 عوامل متعلقة بالمحيط المدرسي : بسبب التعرض الى الاستفزاز ومحاولات الغش التي يتم التفطن اليها , اضافة الى ما يروج اليوم أمام أبواب مؤسساتنا التعليمية من مخدرات وحبوب الهلوسة وغيرها من المواد السامة الممنوعة , تليها السرقة والتحرش الجنسي , مما يولد لديهم بعض الممارسات العدائية .

الصدىوأمام هذا الداء الذي أصبح ينخر مؤسساتنا التعليمية , يجب تحديد المسؤوليات لكل الفاعلين من ادارة ومربين وأولياء , للحد من هذه الممارسسات والسلوكيات العنيفة داخل محيطنا المدرسي . كما أصبح من الضروري التفكير في حلول جريئة ومعقلنةومدروسة من كل الجوانب , بعيدا عن كل ارتجالية وعشوائية لاخراج مدرستنا من هذه المحنة . ويستوجب كذلك تكاتف الجهود من كل الأطراف , وزارة التربية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني وأحزاب والأسر حول تفعيل التربية وبث مفاهيم الديمقراطية , وتحبيب الوطن والوطنية للأجيال مع التأكيد على احترام الغير .زيادة على ذلك اقامة علاقة انسانية بين الأستاذ وتلاميذه وعدم استخدام أساليب العنف المادي واللفظي , مع نشر المرشدين التربويين في المؤسسات لتوجيه سلوك التلاميذ وفهم مستوياتهم وحل مشاكلهم بأساليب تربوية حديثة , والاستنجاد بمتخصصين في الطب النفسي للوقوف على الحالات المرضية ومعالجتها .
وأخيرا فان التصدي الخلاق لنظير هذه الظواهر اللاتربوية , تكون فقط بارساء ثقافة الحوار والتفاهم وسط مناخ مدرسي , يكرس قواعد العيش المشترك واشاعة مختلف القيم ذات العلاقة بالتسامح والتشارك .

لا تعليقات

اترك رد