عنوسة الياسمين


 
عنوسة الياسمين
لوحة للفنانة رشا عكاب

ياسمين ترعْرعت في حدائق اللجوء ، و أخذت تنمو و حصتها من ثمر المساعدات الإغاثية المقدمة لمن هم في حالتها ، و أخذت تعُد طقطقات كسر الخبز المحطمة تحت أسنانها اللبنية ، و استفاقت على أصداء الحرب الأهلية التي سعّرت وطنها الحبيب ، كانت زهرة يعلو عبقُها أرجاء الوطن ، بنَت لنفسها قاعدة من الصفاء ينعم به محيطها ، و ملكت قلباً زجاجياً يشفّ عما بداخله ، العائلة تهيم بخصالها و تفخر بمواقفها الأنثوية ، و الصديقات يكدّسن أسرارهن في مستودع عقلها ، حتى شقيقها الذي ذهب لدراسة الطب في أوكرانيا يراسلها بأخبار مغامراته هناك على الفرق النوعي القائم على المجتمع عندهما ، كانت ملاكاً أهدته السماء إلى الأرض في ليلة شتوية .

كبرت ياسمين ، و اختصت بعلم الاجتماع الذي يحاول اكتشاف التفاعلات الاجتماعية بين أفراد جنسها من البشر على نفقة إحدى منظمات الإغاثة الإنسانية .

كبرت ياسمين ، و بلغت عقدها الثالث ببالغ الاشتياق لتشكيل بيت صغير ، تربّي فيه خاصتها من الأطفال ، و تغرس قيمها الإيجابية التي نمت بين جنباتها رغم انتشار الجراد في واقعها ، لكن ، لم يكتب لها أن تضع لبنة واحدة في هذا السياق ، فعكفت على تكريس جهودها للخدمات الاجتماعية في المركز الذي ضمّها مذ حلت في مقدمة الدفعة المتخصصة بعلوم الاجتماع ، فقررت في أحد أبحاثها العثور على أسباب العنوسة الرائدة في مجتمعها ، و أسباب خلود الفتيات اللواتي سرْن على طريقتها في رياضة الهروب من القصف المدفعي ، خلودهن في مستنقع العنوسة ، دأبت على البحث أعواماً عديدة على حساب وقت الفراغ ، و اتخذت من نفسها نموذجاً .

– أهو الحق التعليمي الذي تتخذه بعض الفتيات للحصول عليه كسلاح ؟

– أو الدوافع الاقتصادية التي تمر بأزمة عالمية ؟

– بل القيود الميتافيزيقية التي تفرض نفسها على شخصية الفرد ؟

– أو الوقوع في سجن الحياء الذي يهدم الحياة ؟

خلاصات أدت بياسمين إلى حمل القيمة السينية المتغيرة في بحثها ، حيث اللاجواب .

نظرت في المرآة ، فإذا بقطع الشظايا التي تآكلت وجه طفولتها تربو معها ، و تبني مقبرة للأحياء فيه .

لا تعليقات

اترك رد