حوار مع الشاعر المصري محمد ربيع جادالله


 

الشاعر محمد ربيع جادالله:
القراءة تحتاج إلى حد أدني من الاستقرار الاقتصادي
والنظم التعليمية في الوطن العربي لا تساعد الطالب على الإبداع..

* بداية، نود التعرف على الشاعر محمد ربيع جادالله…
الاسم : محمد ربيع جادالله
حاصل على ليسانس الآداب والتربية قسم اللغة العربية
عام 1995 م جامعة المنصورة
أعمل مدرسا للغة العربية
ولدت بقرية رأس الخليج إحدى قرى محافظة الدقهلية بشمال مصر

* كيف بدأ مشوارك الأدبي؟ ولماذا الشعر بالذات؟
بدأ مشواري الأدبي في مرحلة مبكرة بكتابة خواطر شعرية غير أني كنت دائما أكتبها لنفسي فقد كنت الكاتب والقارئ في آن واحد وكان الخجل يمنعني دائما من عرضها على الآخرين .
بدأت تلك الخواطر في بداية المرحلة الثانوية بكتابة خواطر عاطفية أو وطنية ولست أعرف سببا لاختيار الشعر ولا لاختياره لي ولكن يبدو لي أن المبدع يبقى باحثا عن طريقه حتى يهتدي إليه وقد يسلك أكثر من طريق ليصل لغايته لكن طريقا واحدا هو الذي يحمله لتلك الغاية .
من أعمالي في تلك مرحلة الصبا :

وأعشق فيك حنيني إليك
وخوفي عليك وموتي بدونك
وأعشق فيك خيالا وذكرى
وشدوا وشكوى وكل فنونك
بديع جمالك وحلو دلالك
وعذب مقالك وبرق ظنونك
وأعشق كل الذي تألفين
وأعشق حتى لهيب جنونك
كأني خلقت كما ترغبين
أموت وأحيا فداء عيونك

* حدثنا عن ديوانك الجديد “في غياب الجب”.. ماذا يحمل؟ وماذا يعني عنوان الديوان؟
ديوان ( في غيابة الجب ) هو باكورة أعمالي المطبوعة وهو ديوان يتناول الحب من منظور وطني وديني ، وهو محاولة للفرار من جب الضعف والهزيمة والتشرذم إلى فضاء القوة والانتصار والوحدة .
ولعل عنوان الديوان المقتبس من قصة سيدنا يوسف عليه السلام يعبر عن فكرة الحلم الذي يبذل صاحبه جهده من أجل تحقيقه ، وهو ما حاول الديوان إسقاطه على واقعنا المعاصر
من قصيدة ( في غيابة الجب )

أَوَّاهُ يَا وَطَنَ النِّبُوَّةِ وَالسَّنَا
هَلْ مَاتَ حُلْمُكَ أَمْ بِحُزْنِكَ تَأْرَقُ
مَخْضُوبَةٌ كُلُّ الْمَرَايَا وَالْمُنَى
قَدْ هِيضَ مَغْرِبُهَا وَغِيلَ الْمَشْرِقُ
قَدْ سِيمَ خَسْفًا سَيْفُهَا وَنَخِيلُهَا
وَحَصِينُهَا أمْسَى مُبَاحًا يَفْرَقُ

ثم تأتي خاتمة القصيدة إيذانا بتحقيق الحلم

صَبْرًا أَيَا وَطَنِي فَكَمْ مِنْ مُبْتَلَى
يَسْمُو لِغَـيـْبٍ شَـامِـخٍ يَـتَـأَلَّـقُ
يَـوْمًـا سَتَـرْقَى لِلْجِـنَـانِ وَلِلْعُلَا
وَالْحُلْـمُ زَهْـرٌ يَـانِـعٌ مُـتَـأنِّــقُ
اللهُ يَـرْعَى حُـلْمَـنَـا وَمَـصِيـرَنَا
وَالْحُلْمُ – إِنْ طَالَ الْعَنَاءُ – مُحَقَّقُ

* كان للشعر منزلة سامقة بين الألوان الأدبية لكنه يشهد اليوم تراجعا مع تحول كثير من الشعراء إلى الرواية.. كيف تنظرون إلى هذا التراجع؟ ولماذا الرواية بالذات؟
تراجع الشعر أمام الرواية ليس بالتراجع المخيف فقد قدر للشعر أن يبقى على قمة الألوان الأدبية لأزمان طويلة وظلت القصة تحبو في الساحة الأدبية حتى اشتد عودها وآن لها أن تتحمل مسؤولية تلك الأسرة الكبيرة
والرواية نالت مكانتها من أن القرآن كان يروي لنا أحسن القصص قال تعالى :
( نحن نقص عليك أحسن القصص ) وقد ظهرت على استحياء في شكل مقامات حتى وصلت إلى قمة نضجها الفني ولعل الأعمال القصصية أكثر انتشارا في الآونة الأخيرة لما فيها من تشويق وإثارة ومحاكاة للواقع ولبعدها عن التعقيد والغموض
وأعتقد أن تبادل الأدوار بين الألوان الأدبية هو شيء طبيعي وحتمي و لا حرج فيه ولا خوف منه ما دمت تلك الألوان تتضافر جهودها لخدمة اللغة .

* ما يلفت الانتباه هو أنك تكتب الشعر بالفصحى وبأسلوب متين.. لماذا الفصحى بدلا من اللهجة المصرية التي يميل إلى الكتابة بها كثير من الشعراء في مصر؟
في الحقيقة أنا لم أختر الشعر العمودي الفصيح وقد حاولت كتابة غيره ولم أفلح
لكنني – كما قلت – أجد نفسي سائرا في هذا الطريق

* في تصوركم، لماذا يكتب كثير من الشعراء اليوم بلهجة ما ينحصر استعمالها وفهمها في إطار جغرافي صغير بدلا من الفصحى واسعة الانتشار؟ هل هو ضعف في اللغة أم شيء آخر؟
لعل بعض الذين يكتبون باللهجة المحلية يلجؤون إليها هربا من قيود اللغة وظنا منهم أن في الكتابة باللهجة المحلية تحررا يخفي ضعفهم ، ومع ذلك فقد عرفنا شعراء مجيدين في اللهجات المحلية استطاعوا بأعمالهم أن يكتبوا أسماءهم بحروف من نور

* في سياق الحديث عن اللغة، وحضرتك أستاذ لغة عربية، هل تعتقد أنّ اللغة العربية محكوم عليها بالموت مع هيمنة اللهجات المحلية وأنّ لهجات مثل المصرية ستحل يوما محلها على منوال اللغات المنبثقة عن اللاتينية في أوربا؟
لست أخشي على اللغة الفصحى فهي الأساس الذي يقوم عليه بناء اللهجات المحلية والأم التي أنجبت وربت وحماية اللغة أمر تكفل به الخالق عز وجل حين تكفل بحماية القرآن الكريم فقد استطاعت اللغة أن تصمد وهي بعون الله قادرة على الصمود ولا يمكن مقارنة اللهجات المحلية باللغات المنبثقة عن اللاتينية .

* باعتبارك أستاذ لغة أيضاً، كيف تفسر العزوف الخطير عن القراءة في الوطن العربي مقارنة مثلا بالمجتمع البريطاني حيث يقرأ الطفل عشرات الكتب سنويا ولا ينام إلا وقد قرأ شيئا؟
أعتقد أن النظم التعليمية في الوطن العربي لا تساعد الطالب على الإبداع ولا تغرس فيه حب القراءة لأنها في أغلبها تعوده على الحفظ الذي يساعده على النجاح وعلى طلب المعلومة التي تحقق له هدفه .
كما أن الدول العربية في معظمها فقيرة اقتصاديا والقراءة تحتاج إلى حد أدني من الاستقرار الاقتصادي الذي يهيئ للطفل البيئة المناسبة والظروف الملائمة .

* كيف تقيّم المشهد الأدبي في مصر على وجه الخصوص وفي الوطن العربي بشكل عام؟
مازال المشهد الأدبي في مصر خصوصا والوطن العربي عموما يعاني من إهمال الحكومات للحركات الأدبية ونقص الموارد المخصصة للنهوض بالأدب .
لكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تمارس دورا واضحا في إثراء الساحة الأدبية وتشجيع المواهب والتقريب بين المبدعين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم .

* لماذا في اعتقادك لم يفز العالم العربي مجددا بجائزة نوبل منذ أن فاز بها نجيب محفوظ في القرن الماضي؟
حينما نال محفوظ جائزة نوبل نالها عن أعماله التي تعبر بصدق عن بيئته فهو لم يتجه شرقا ولا غربا وإنما توغل في أعماق البيئة المصرية معبرا عن كل ما فيها من إيجابيات وسلبيات ولعل أهم ما يميز محفوظ عن غيره هو تجديده للرواية فقد كانت كل الروايات التي سبقت محفوظ تنتمي لمدارس أدبية يمكن تحديده وعبقرية محفوظ أنه خط لنفسه طريقا سار فيه بعيدا عن تلك المذاهب والمدارس واستطاع أن يصبح صاحب مدرسة جديدة تعتمد في المقام الأول على الأشخاص فقد كانت براعته في بناء شخصياته تستطيع أن تجعل القارئ يستوعبها بسهولة بل ويتعايش معها .
وأعتقد أن الرواية الحديثة تحتاج لهذا التفرد وهذا الابتكار حتى تستطيع أن تعود لمنصات التتويج .

* إن كانت لك فرصة لأن تصرخ غاضبا في هذه اللحظة، ماذا تقول؟
إن كان لي أن أصرخ غاضبا ستكون صرخة في وجوه هؤلاء الكسالى والمنبطحين
الذين يطلبون تغييرا دون أن يبذلوا جهدا والذين يرجون نصرا دون أن يخوضوا معركة . * ما هي مشاريعكم في الأدب مستقبلا؟
لدي ديوان أتمنى أن يرى النور .

* وبعيدا عن الأدب، هل لديك هوايات ما؟ كيف تمضي وقت فراغك؟
هواياتي قليلة وعملي كمدرس جعل أوقات الفراغ لدي قليلة غير أني كثيرا ما أقضي وقت الفراغ بين أصدقائي أو في مشاهدة التلفاز أو في قراءة كتاب

* ممكن تتحفنا بقصيدة من قصائد حضرتك الرائعة في آخر هذا الحوار..
أكيد..

عَيْنَاكِ أَجْمَلُ مَا تَجَلَّى فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءْ
عَيْنَاكِ وَحْيُ الْعَاشِقِينْ
زَهْوُ الْحَدَائِقِ وَالْغِنَاءْ
عَيْنَاكِ سِحْرٌ قَدْ سَرَى لَمْ يَنْجُ مِنْهُ الْأَتْقِيَاءْ
عَيْنَاكِ تَرْتِيلُ الضِّيَاءْ
عَيْنَاكِ نَبْعَا رِقَّةٍ فِي كِبْرِيَاءْ
عَيْنَاكِ فَيْض مِنْ بَهَاءْ
يجري بِأَلْوَانِ الْعُذُوبَةِ وَالنَّقَاءْ
عَيْنَاكِ أَجْمَلُ قُبْلَةٍ لِلْأَرْضِ أَهْدَتْهَا السَّمَاءَ
لِمَ لَا يَغَارُ الْحُسْنُ مِنْ
عَيْنَيْكِ فِي زَمَنِ الثَّنَاءْ
لِمَ لَا يَغَارُ الْوردُ تَسْتَتِرُ الْبَلَابِلُ وَالنُّجُومْ
وَتَذُوبُ أَوْصَافُ النِّسَاءْ
إِنْ فَاحَ عِطْرُكِ فِي ثَنَايَا الرُّوحِ وَارْتَجَفَ الْفَضَاءْ
لَا تَسْأَلِينِي لَا وَ لَا
فَأَنَا بِسِفْرِ الْحُبِّ سَطْرٌ مِنْ عَنَاءْ
مَازَالَ يَعْزِفُ بِالْحُرُوفِ الْخُضْرِ لَحْنَ الْأَوْفِيَاءْ
فَيّشُدُّهُ التَّذْكَارُ قَهْرًا لِلرَّجَاءْ
لَا تَسْأَلِينِي كَيْفَ بَرَّحَ بِي هَوَاكْ
كَيْفَ اسْتَبَدَّ الشَّوْقُ وَاسْتَعَرَ اللِّقَاءْ
لَا تَسْأَلِي الْمَفْتُونَ عَنْ مَعَنَى الْقَضَاءْ
مِنْ أَيِّ بَابٍ لِامْتِحَانِ الْعِشْقِ جَاءْ
مِنْ أَيِّ بَابٍ سَوْفَ يَرْجِعُ لِلْوَرَاءْ
مِنْ أَيِّ ثَغْرٍ سَوْفَ يَلْتَمِسُ الدَّوَاءْ
لَا تَسْأَلِينِي عَنْ دُمُوعِ الْأَدْعِيَاءْ
وَكَلَامِ مَنْ طَعَنُوا الرَّبِيعَ وَأَحْرَقُوا
ثَوْبَ الشِّتَاءْ
وَدَعِي فُؤَادِي فِي دُرُوبِكِ لَا يَمَلُّ مِنَ النِّدَاءْ
فَالْحُبُّ يَبْدَأُ عَابِرًا حَتَّى إِذَا بَرَحَ الْخَفَاءْ
أَلْقَى شُجُونًا فِي الْحَنَايَا دُونَ بُرْءٍ وَانْتِهَاءْ
لَا تَسْأَلِينِي لَا وَ لَا
فَعَلَى ضِفَافِكِ أَيْنَعَتْ حَاءٌ وَبَاءْ
وَإِلَيْكِ يَرْتَحِلُ الْعَلَاءْ
وَأَنَا أُحُبِّكِ وَالْحَيَاةُ لَكِ الْفِدَاءْ
قَدَرٌ هَوَاكِ وَهَا أَنَا أُبْدِي الْوَلَاءْ
فَاللَّهُ شَاءَ لَنَا الهَوَى
اللَّهُ شَاءَ .

  • حاوره مولود بن زادي
المقال السابقالعبادي هو الحل
المقال التالىكل شىء ليس على ما يرام
مولود بن زادي، كاتب جزائري مقيم بالمملكة المتحدة وعضو عامل في إتحاد الكتاب الجزائريين والعرب. تخرج من معهد الترجمة في الجزائر في يونيو حزيران عام 1991. بعدها رحل إلى بريطانيا حيث استقر في مدينة لندن حيث: - نشر أول كتاب وهو عبارة عن قصة أطفال بعنوان (الغزالة المغرورة). القصة موضحة بصور رسمها الكاتب.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد