حداثة فنية معطوبة – ج 2


 

“تجربة المغرب خاصة، إلا انها ظلت قزما ولم تنم. ما السبب؟ …ليس هناك جهاز أو تجهيز…إن هذه التجربة مثل نبتة زرعت في مكان لا يتوفر فيه الماء الكافي، بحيث يصل نموها إلى نقطة وتقف، وتموت. أن تنمو، هذا ليس ممكنا”. (محمد المليحي)

“مقارنة مع الحماسة التي عرفتها السبعينات، فإن الجو الحالي كئيب إلى حد ما (…). فاليوم لا يوجد شيء مماثل لما سبق”. عبد الله زريقة *

بالفعل، “لا يوجد شيء مماثل لما سبق”. “فحقبة السبعينات على وجه الخصوص تعد نوعا من العصر الذهبي. سنوات أسطورية، تميزت ببيانات مجلة “أنفاس” اللاذعة، التي كان يصدرها الشاعر عبد اللطيف اللعبي (…). والجرأة التصويرية التي ظهرت بها ما سمي بمدرسة الدار البيضاء (فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة وآخرون). (…) إنها السنوات الخصيبة حيث كانت قاعة المعمل l’Atelier بمثابة نقطة تجمع للرسامين الساعين للبحث عن ذواتهم”. (2)

عكس ذلك تبقى التجربة التصويرية التي عرفتها الحركة التشكيلية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين معتمدة على لَوْك ما عسيرٌ هضمُه. إذ تم الوقوف عند عتبة ما شوهد من قبل، أي خلال العقدين السادس والسابع من القرن الماضي. “المشاهَدُ من قبل” الذي استمر لسنوات، وما زال حتى اليوم يخالط ويعايش ما جادت به قريحة الآخر: تجريد عقيم ومجرد من عمق ضرورته الأساسية (كاندنسكي)، اقتبس بعمى، ينحو نحو التفاهة بدل الانسياق اتجاه الإبداع. وحروفية مغلفة في سياقات ماضوية، بات الدافع إلى التشبث بأهداب عروشها حنين إلى الماضي، ومحاولات واهية لإثبات الهوية. إنها نوستالجيا يعيش عليها الفنان العربي عامة لإثبات كينونته اعتمادا على ماضيه… تشخيص يتسم أغلبه بركاكة في الأسلوب ونقص في الحذق وعدم التمكن من القواعد، وعودة إلى تجديد الرسم الساذج (الفطري).

فالعودة هذه أصبحت تكذب تنبؤات مؤسسي الحداثة الفنية. إذ سبق لمحمد المليحي أن صرح بيقين “أن التجربة التشكيلية التي حدثت في المغرب تركت على العموم سوابق بحيث أنه لم يعد بإمكان الفن التشكيلي أن يعود خطوة إلى الوراء، مثلا تجربة الفن الفطري ما يسمى بال Naïve قلنا في ملف مجلة أنفاس** 1965، إن هذه الحركة سوف تتقلص وتنكمش… (الثقافة الجديدة، ص.51). الحقيقة أنها لم تتقلص ولم تنكمش بل عُرِفت لها امتدادات في الزمان والمكان، وهنا أتمثل بقاعة عرض تخصصت بداية التسعينات في الأعمال الفطرية ثم أغلقت بعدما حقق صاحبها مبتغاه، بتحصيله مجموعة جميلة من هذا النمط الفني.

إن هذا التغلغل، الأمامي تارة والخلفي تارة أخرى، يعد ظاهرة وهمية في الآونة الأخيرة. إذ هناك “منتجات ثانوية” ناسخة، نوعا ما، ل “منتجات ثانوية” أخرى. إنه وضع إشكالي، مشبوه، مرتبك وغامض. وتبقى تلك السلوكات أمثلة حية تشهد على المسار التاريخي غير المستقر الذي أصبح يميز الرسم المغربي.

لقد كان البيان الطلائعي الذي أصدرته “مجموعة 65″، “الأكثر تقدما في الوعي والبحث عن خصوصيتنا الوطنية والعربية، (والتي) تسلحت في عملها بوعي نقدي إيديولوجي متقدم، وعادت تبحث في الموروث العربي بالمغرب”(بنيس، ص.91). لقد كان البيان المنشور في مجلة أنفاس، بمثابة ناقوس الخطر، ينبأ بحالة الخلط والارتباك التي يعيشها المشهد الثقافي عموما. ف “إذا كان الارتباك يسود مجالات السينما والمسرح والأدب والصحافة، فإن قطاع الفنون البصرية لا ينجو بذاته عن الوقوع في وضعية الخلط عينها.”(3)، هذا الوضع غير المريح في القطاع الثقافي ككل ازداد سوءًا منذ نهاية الثمانينات. أكثر من ذلك، يبقى تجربة، حياة يومية معاشة، حيث التقليد يسيء للعقول والأرواح كما يخدع الرؤى ويغشي الأبصار. وحتى الأوصاف امتطت حالات من التردد، ولا شيء أصبح يفاجئ أو يبهر المتلقي.

يصف الشاعر محمد بنيس الحالة النفسية التي أصبح المثقف المغربي يعيشها بقوله: “عندما أرفع بصري أتأمل ما حولي، أشعر بأن الدوار يشل أطرافي. لم أعد قادرا على عبور المسافات التي تفصل بين لحظات حياتنا عن الثلاثين سنة الماضية وما نعيشه اليوم “. (4)

شهادة قوية من مجموعة من المثقفين المغاربة الذين رافقوا المشروع الطوباوي الذي يهدف إلى تحديث الثقافة العربية… مشروع “الحداثة غير المكتملة” (يورغن هابرماس)!

قد يتساءل القارئ كيف توصف الحداثة الفنية بمشروع غير مكتمل، أو “حداثة معطوبة” ونحن نقف شاهدين على الزخم “الإبداعي” الذي يعرفه المشهد التشكيلي حاليا: تنامي أعداد الفنانين، وتطور في الممارسات، ومصاحبة إعلامية مستمرة، وتنوع واختلاف في الأساليب…؟

إذا عدنا إلى مجموعة 65، سنجد أجوبة عن التساؤل أو بعض من الردود:

“كانت لنا رغبة في أن نكون في مستوى الفن في العالم. أي أن نشارك بدورنا في الفن العالمي المعاصر. فنقدم بدورنا جملة إضافات. وللأسف لم ندرك ذلك”

(…) “هناك جانب آخر يجب التأكيد عليه إذ يمكن أن سبب فشل الجمعية وهي أن جميع الأفراد المنتمين إلى هذا التجمع الذي نحن منه ليسوا كلهم في نفس مستوى التفكير…وللأسف فان بعض الشباب الذين كانوا من المفروض أن يكونوا أكثر طلائعية وأن يدفعوا بنا قدما إلى الأمام معهم لا يفعلون غير ملء الوقت”. (المليحي، الثقافة الجديدة، ص.46)

وغير بعيد يقول محمد شبعة: “لقد كان من المنتظر بالنسبة لنا –كعناصر ساهمت في هذه المبادرة الأولى -أن يستفيد الشباب الذين برزوا بعدنا من معطيات تجربتنا، مع النظر إليها نظرة نقدية. كما كان من المفروض أن يكون أولئك الشباب أكثر ديناميكية وأن يدفعونا بدورنا قدما إلى الأمام، إذ كنا قد بقينا حبيسي

نوع من الأكاديمية الخاصة بنا، حبيسي نوع من الدوران في عملنا الخاص، الذي لا يتقدم بالسرعة المطلوبة مثلا. لكن المدهش هو أنه لا يوجد ولا عنصر واحد يمكن أن يدفعك إلى التحرك، ويجعلك تحس بأن هناك تغيرا وإضافات ونقدا لتجربة معينة، وبأن عناصر جديدة قد دخلت إلى هذه التجربة.” (شبعة، الثقافة الجديدة، ص.47)

أظن أن هنا يكمن بيت القصيد…ففناني المجموعة ظلوا يكررون أنفسهم. فقد نمّطوا أسلوبهم ولم ينجحوا في التحرر من تجريدهم الذي وصل إلى درجة العقم. ويبقى فريد بلكاهية استثناءً شاذا من المجموعة، الذي استطاع الانعتاق والتحرر والتعبير حقا عن ثقافة وطنية، إذ أن أعماله تعكس ما جاء به الحرف في البيانات والمداخلات.

إن الشباب الذين برزوا بعد الجماعة لم يستفيدوا من تجربتها ولم يعملوا على جعلها تستمر. بل العكس هو ما حصل، إذ قام من قام ضد أفرادها، وعارض من عارض أفكارها، وقوض بعضهم رؤاها وفلسفتها. فلا أحد كان يتقاسم همومهم، أي العمل على تأسيس وتأصيل ثقافة بصرية وطنية. ومن تم نلاحظ توقف إصدار البيانات، والتعبير الصريح والجريء عن المواقف، والبحث الدؤوب عن إثبات الذات وتشكيل هوية فنية تنافس هوية الآخر التي باتت كالمرآة يطلع فيها الفنان الشاب عن حقيقة شخصية وهمية. فعوض جعل اليد في اليد والسعي نحو توحيد الرؤى وتقاسم الأفكار، خلقت أجواء التوتر والصراعات والجدال العقيم. فتفتت كل مجهودات المجموعة “وعملت ظروف وأحداث بداية الثمانينات وطنيا وقوميا على انحراف هذه التجربة عن غاياتها، بحيث أصبحت عند الأغلبية تلبية لشروط العين البورجوازية، بدل أن تتجذر أكثر في مسار التحول الاجتماعي” (بنيس، الثقافة الجديدة، ص. 19)

حقيقة أن تجارب مماثلة (عروض الشارع)، ظهرت خلال الفترة ما بين 1968 و1972، إلا أنها لم تكن بذات الوعي وذات النقد الاجتماعي/الجمالي، كانت عبارة عن معارض جماعية نظمت بدون أهداف واضحة ولا رؤى موحدة، مما أقبر مشروعه في خلال سنوات قليلة.

هوامش:

* عبد الله زريقة كاتب وشاعر مغربي

** عكس ما جاء في كتاب طوني ماريني (Ecrits sur l’Art, p. 105)، أن فناني مجموعة 65 ومعرضهم الجماعي الذي نظموه عام 1965 شهد على إحياء اللقاء مع الشاعرين مصطفي النيسابوري وعبد اللطيف اللعبي، لكنهم لم يساهموا في ولادة مجلة أنفاس، ويؤكد ذلك ما جاء على لسان عبد اللطيف اللعبي مدير المجلة نفسه: ” أرسل إلينا ثلاثة رسامين من الدار البيضاء، هذا البيان (أنفاس ص. 36)

1-                                              Farid ZAHI – D’un regard, l’autre l’art : et ses médiations
au Maroc, Ed. Marsam, Rabat, 2006, Page 70.
2-                          Adil Hajji, Effervescence créatrice, blocages structurels. Malaise dans la culture marocaine, le Monde diplomatique, Septembre 2000.
3-  F. Belkahia, M. Chebaa, M. Melehi – Position 2, Des peintres protestent, p.36, Souffle N° 4, 4ème trimestre 1966.

4- محمد بنيس – الحداثة المعطوبة، الطبعة الثانية 2012 دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب
5- الثقافة الجديدة، السنة الثانية، العدد السابع، ربيع 77

6-                                           Toni Maraini, Ecrits sur l’Art, Ed.Le Fnnec, Casablanca 2014

لا تعليقات

اترك رد