ذرائعية القصص القرآني


 

يطرح بعض المشتغلين بالشأن الديني افتراضا مفاده، أن القصص الديني الذي قدمه القرآن لا يشترط الدقة التاريخية، لأنه يقتصر على المغزى والفكرة المراد تقديمها عبر القصة، ولو اتفقنا مع وجهة النظر هذه سنجد أنفسنا أمام إشكاليات أخرى تحتاج إلى أن يُعمِل هؤلاء المشتغلون جهودهم وفكرهم لتقديم تفسيرات منطقية مقنعة.. وعليهم أولاً أن يضعوا جانباً افتراضهم بأننا لابد أن نُسلِمَ بصحة ما جاء، اعتماداً على ما يمتلكه القرآن من قداسة… إننا نتعامل في الواقع مع أفكار يتم طرحها عبر كتاب يُفتَرَضُ منّا فهمه والقبول بمحتواه… وهذا يعني أننا سنخوض معه حواراً ذهنيا قد يوصلنا إلى هذه النتيجة وقد لا يفعل…. وسنحاول أن نعيد قراءة بعض القصص التي وردت في القرآن… ولتكن قصة سليمان بادئتها، لابد من الإشارة أولا إلى أن القرآن يقدم سليمان باعتباره نبياً من أنبياء اليهود الذين لا تراه توراتهم إلا ملكاً لم يرقَ إلى مرتبة النبوة.. وهذه اشكالية أولى فمصدر القيمة الاعتبارية هو واحد، الله، يهوه، فهو الذي أنزل التوراة والقرآن، وقد يتمسك البعض بافتراض تَعَرّض التوراة للتحريف، ومثل هذا الأمر غير قابل للتجزئة.. أي لا نستطيع اعتبار بعض التوراة محرف وبعضها غير محرف إلا إن حصلنا على وثيقة موثوقة تسجل ما تم تحريفه، وليست هناك وثيقة كهذه في الواقع، فالتوراة كلها إذن تقع تحت طائلة تهمة التحريف.. لكننا نرى الكثير من التفاصيل التوراتية موجودة في القرآن بشكل يكاد أن يكون مطابقا لما نقرأه في التوراة، فكيف اعتبر القرآن التوراة المحرفة مصدراً لبعض نصوصه؟.. إننا إذن أمام احتمالان: أما أن تكون التوراة محرفة وبالتالي ما تم أخذه منها في القرآن يعتبر محرفاً كذلك… وأما أن لا تكون محرفة وما جاء في القرآن صحيح بنفس مقدار صحة التوراة.. اعترف رجال الدين اليهود والمختصون بالدراسات الدينية اليهودية والتوراتية خاصة، ممن ينتمون إلى اليهودية المحافظة، بأن التقاطعات التاريخية والدلالية بين محتوى التوراة وما أثبتته البحوث الاركيولوجية والدراسات التاريخية والفكرية، يدل على أن الكتاب المقدس يجب أن يخضع لإعادة تفسير نصوصه في ضوء المعارف العلمية الحديثة والثقافة المعاصرة.. هناك بالطبع اليهود الآرثوذوكس، الذين يرون أن التوراة والتلمود وحي مباشر من الله إلى موسى، واليهود الإصلاحيون الذين يؤمنون بالتوراة فقط، ويرون أن الأخلاق والسلوك أهم من الطقوس الدينية… ما يهمنا من الأمر أن القرآن لا يختلف كثيرا عن مصدره الأول (التوراة) في ضرورة خضوعه لإعادة التفسير متماشياً مع مستحدثات العصر والعصور القادمة.. وأنه في الحقيقة مجموعة من المفاهيم العقائدية لكنه ليس كتاب فيزياء أو كيمياء أو أحياء أو أي من العلوم الأخرى، ولو أصر المهتمون بالشأن القرآني على اعتباره حاوياً للعلوم والتواريخ، فسيضعونه في مأزق يضر بالقرآن أولا وبالمؤمنين به ثانياً… ولنعد إلى حكاية سليمان، وما هو المغزى الأساس منها؟… سنرى إنها في النتيجة النهائية تُشَرْعِن شَنّ الحروب على الأقوام الأخرى تحت ذرائع دينية جهادية.. يتضح هذا منذ أن قَدّمَ الهدهد لسليمان تبريره عن غيابه

باكتشافه ملكة سبأ (بلقيس) التي تعبد الشمس.. والإشارة الأولى التي علينا القبول بها هي ما أخذه القرآن عن الأساطير التوراتية في تشكيله شخصية سليمان، فهو رجل يمتلك قدرات خارقة منها معرفته بلغات الحيوانات والتكلم معها، وسيطرته على عالم الجن.. وسليمان ذاته يعتبر شخصية مجهولة بالنسبة للمشتغلين في الأركيولوجيا والتاريخ.. إذ لا توجد أية قرينة من شأنها أن تثبت وجوده في الفترة التي حددتها التوراة وبالتالي القرآن… لقد قام النص القرآني بأنسنة الهدهد فنراه هنا يتحدث ويفكر ويطلق الأحكام كالبشر تماماً، لقد اخبر سليمان عن الملكة التي تعبد الشمس من دون الله، هي وقومها الذين زَيّنَ لهم الشيطان أعمالهم فصدّهُم عن السبيل فهم لا يهتدون.. ومما نقرأه في تفسير الطبري لهذه الآيات أن سليمان كان لا يرى أن في الأرض أحداً له مملكة معه، وكان مع ذلك رجلاً حبب إليه الجهاد والغزو فلما دلّه الهدهد على مُلكِ بموضع من الأرض هو لغيره، وقوم كفرة يعبدون غير الله، له في جهادهم وغزوهم الأجر الجزيل والثواب العظيم في الآجل، وضم مملكة غيره إلى ملكه، حَقّت للهدهد المعذرة….(انتهى)… فالطبري يدفعنا إلى قراءة ما بين السطور في هذه الآيات وهو تبرير الجهاد اعتماداً على أن نبياً (!!) أسبق (أعني سليمان)، اعتمده شرعةً في نشر فكرة الإيمان بالله… ولا تخبرنا القرائن التاريخية شيئاً عن مملكة سليمان التي سيطرت على ممالك الأرض كلها ناهيك عما يثبت قصته مع بلقيس… حمل الهدهد رسالة سليمان المختصرة: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلو عليّ وأتوني مسلمين).. والقصة هنا تخرج عن النص التوراتي، إلا إنها بصيغتها هذه تقدم الذرائع المنطقية لغزو الآخرين، وهذا ما كان النبي محمد قد اعتمده كاستراتيجية يتمكن عبرها من نشر الإسلام.. لم تفعل بلقيس ما يسبب الأذى لسليمان الذي لم يكن بحاجة إلى خوض حرب ضدها.. وما دام سليمان في المنظار الإسلامي نبياً فإن ما فعله مع بلقيس هو أمر الله، وبالتالي فأي غزو يقوم به النبي محمد هو استنساخ لما فعله سليمان من قبل.. فالجهاد لم يكن للدفاع عن النفس فحسب كما يحاول البعض أن يؤكد.. ما أجده غريباً هو أن الله يأمر بالدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، إلا إن النبي سليمان حسب تفسير الطبري قال: (أن لا تتمنعوا من الذي دعوتكم إليه إن امتنعتم جاهدتكم)، أين الحكمة والموعظة الحسنة والأسلوب السليم في الدعوة للإسلام وها نحن نرى أن أولى الكلمات كانت تهديداً بالحرب والجهاد إن لم يعلنوا اسلامهم.. ولعل أغلب الفتوحات الإسلامية اعتمدت المنطق ذاته في نشر الدعوة الإسلامية.. نرى في الجانب الآخر الملكة بلقيس تحكم وفق ديمقراطية لا تختلف عما نعرفه اليوم، فهي تقول: (يا أيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون.).. انها تخوض معهم حواراً تطرح فيه وجهات نظر مختلفة تتراوح بين التلويح بالمواجهة العسكرية والدبلوماسية التي اختارتها بلقيس آخر الأمر سبيلا لفهم نوايا سليمان.. فعرضت عليه المال والهدايا لكنه رفضها، ملوحا باقتحامه بلادهم بجنود لا قبل لهم بها فيجعل أعزة أهلهم أذلة.. ورغم ذاك قررت زيارته في مملكته، لكنه خطط لإثارة انتباهها فبعث الجن ليجلبوا عرشها ويضعوه في قصره بعد اجراء بعض التغييرات ليرى إن

كانت ستكتشف أنه عرشها.. ووفق المنطق البسيط فما فعله هو سرقة لا مسوغ لها.. فكيف يمارسها نبي تعد السرقة من أوائل ما ينهى عنه… والأكثر اثارة للاستغراب أن سليمان قال حين شاهد عرش بلقيس في قصره: هذا من فضل ربي… ثم تعرضت بلقيس إلى اختبارين هما عرشها الذي تم تمويهه ثم سؤالها ان كانت تعرفه، فأظهرت جهلا، ثم رفعها لثوبها خشية أن تبتل قدماها بعد أن ظنّت أنها ستسير وسط لجة الماء وهو في الحقيقة سطح زجاجي تحته ماء.. وكان هذا السببان كافيان لإيمان بلقيس بالله، ولا أعرف ما هي العلاقة بين جهلها بالعرش المموه وعدم معرفتها السطح الزجاجي والإيمان بالله..

خلاصة القول أن قصة سليمان حسبما جاءت في القرآن مفتقدة للمنطقية معتمدة اعتمادا كبيرا على المخيال المثيولوجي، ولا هدف واضح لها إلا تقديم ذريعة لجهاد الطلب بافتراض أن نبيا سابقا قام بهذا الأمر، وهذا تكتيك يقصد من وراءه تجاوز ما سبق أن تم اقراره في أن الجهاد هو جهاد دفاع عن النفس فحسب.. ومن طرف خفي تعرض القصة شكل سياسة الدولة التي يقترحها القرآن فقد أظهر ضعف الديمقراطية التي كانت تمارسها بلقيس في مواجهة الدكتاتورية والشوفينية التي مارسها سليمان… ولنعرف فقط أن اسم بلقيس ذاته حمل دلالة تؤكد هذا الافتراض، فهو اسم لم يرد في التوراة، ولا وجود له في أية مراجع تاريخية، إلا إنه موجود في القرآن فحسب، ولا معنى في اللغة العربية لهذا الاسم لكنه يحمل في العبرية معنى السبية أو الجارية أو العبدة… وهذا هو الموضع الذي قرره سليمان، أو النص القرآني لهذه الملكة…

لا تعليقات

اترك رد