الفنان الشعبي ابو فارس .. خليل الرفاعي


 

ظننته عازف عود فأحببته وطربت لعزفه .وظننته مطرب فأستمعت له وطربت لصوته الاجش وهو يغني لام كلثوم والمقام العراقي والاغاني الطربية عموما ..ثم شاهدته ممثلا مسرحيا في مسرحية اطفال مع مطربة الاطفال (الهام احمد) في مسرحية (أهلا بالاطفال ) وكان يعزف ويغني معها وكأنه بعمرها يضاحكها ويضاحك الاطفال ,ويضحك الجمهور في مواقف وطرائف ومداعبات تبتعد عن الابتذال وتقترب من الطرح الذكي القريب من البيئة الشعبية المحببة لدى الجمهور العراقي, صغار وكبار. وشهدته يقدّم البرامج الشعبيّة عن التراث والحكايات وجلسات المقام .وقلت هو مقدّم برامج من الدرجة الاولى لانه يشعر المتلقي بأنه يجلس معه يبادله الحديث بمفرداته واسلوبه ولغته وو..

وكان عربيّا فصيحا يجعلك تعشق العربية لانهاالاجمل والاروع حينما تخرج من بين شفاه الرفاعي كأنها الموسيقى التي يجيدها ويعشقها هو ومن يسمعه .وكانت المشاهد التي يظهر فيها مع الانسة قواعد (فوزية الشندي ) ومع (جعفر السعدي ) من اجمل المشاهد وأحبّها للمتلقي الذي استساغ العربية واقترب منها كثيرا .كنت اراه بعمري وأراني بعمره في اي عمل اراه فيه ,عشت معه جميع مراحل عمره وكأني اراه طفلا شكله شبيها بكرة القدم التي يعشقها, يدور حول والده الحدّاد متطفّلا ليعرف ماذا سينتج والده من لعب أو دمى كما كان يظن خلاوي ,ودخل الابتدائية وعدت معه في رحلة استذكار (فلاش باك ) وكأنني عاصرته وكان مرحا منذ صغره ,يعشق ملابس والده الشعبية ويثره منظر عمامة والده الخضراء .

وتدرج خلاوي في مدرسته وكتب تمثيلية قصيرة وهو في الصف الرابع الابتدائي (الطبيب المزيّف) التي احتوت على مواقف كوميدية كشفت عن روح خليل المرحة وذكائه الحاد في اقتناص بعض تفاصيل بغداد المميزة .وكبر خلاوي وكبرت كرة القدم التي كانت تتدحرج دون ضجيج لكنها تسجّل الاهداف اينما تتجه ولا تحتاج الى شباك, لان الشباك ستتمزّق حتما أما من الضحك ,أو من الطرب والاستمتاع ,أو من صفاء الابتسامة وصدقها .لا اتصوّر انه بكى يوما ,ولا اصابه الحزن فقد شاهدته على فراش الموت وكان يتألم لكنه كان يبتسم أو يحاول ,ويكفيه شرف المحاولة .كما لم اتخيّل ولو لمرّة واحدة انه قد اغاض شخصا كبيرا كان أم صغيرا ,أو ازعج جار ,أو صديق ,أو عدو ولو اني لا أتخيل ان عنده عدو واحد .

كنت طالبا في أكاديمية الفنون حينما دخلها ابو فارس مبتسما يتقلى التحايا من الجميع ومنهم أنا برفقة زميلي ناصر وحيدر وحاولنا ان نسخر منه فصرخنا امامه: اهلا بسامي قفطان ,ضحك ابو فارس ضحكته الشعبية الجميلة بصوته الاجش المميز وقال بكل طيبة وعفوية :اهلا اولادي الحلويين لا اني عمكم ابو فارس خليل الرفاعي وأكمل مسيره الى حيث لا نعلم لانناخجلنا من طيبته وكرم اخلاقه فأنسحبنا احدنا يحمّل الاخر سبب هذه السخافة التي لاتليق بكنز من كنوز الفن الشعبي العراقي ..بعد هذه الحادثة بدأت اشاهده على الشاشة بخوف وأحترام وفقدت الضحكة والابتسامة التي كانت تزيح عني كل الهموم ,أجلس امام الشاشة متسمّرا لارى وجهه الذي يقضي جلّ وقته ينظر بأتجاهي وكأني أنا المقصود بكل لقطة أو مشهد يؤديه ,لا أزيح نظري عنه ابدا رغم خجلي الكبير منه, كي لا أفارق خطابه ولا لحظة ايّا كان مضمون المشهد,رغم بساطة المواضيع التي كان يؤديها ممثلا أو كاتبا وممثلا, لانه لايعني بالمشاكل العصيّة على المجتمع ,أو عقد التأريخ وخلافاته مع سابقيه أو لاحقيه الا جحا وبعض الحكايات الطريفة, لان وجهه وابتسامته وتعابيره وصوته وعزفه وهمومه لا تريد ان تغوص في تأريخ يهتم بالتعقيد والكذب والاختلاف والخلاف على حساب الصدق والجمال والحاضر والفرح والحكاية البغدادية الذكية المرحة, التي تعتمد على الموقف المرح كما في مسرحية (الخيط والعصفور ) اخراج مقداد مسلم .

في ثلاثية ست راسي لعب الرفاعي دور انسة تغني في احد الملاهي البغدادية ,ظهر الرفاعي بدون شاربه الكثيف وزيه البغدادي, يرتدي فستان نسائي وباروكة وماكياج حاد, وغنّى بصوته الاجش روعة وأداءمتقن لاغنية طبعك ياغزال ,وحينما يبدأ بالموّال داخل الاغنية يغص به ويقطع الاغنية لمواقف كوميدية لم استسيغ الكوميديا حينها, لانياحسست ان الاغنية كأنها صنعت لهذه الانسة التي اسمها (قمر الليل الذهبية ), لكن ابو فارس استطاع ان يعيد لي التركيز لاغوصمعه في رحلة البحث عن الكنز المخبوء في الكرسي برفقة زميله الضاحك الاخر (حمودي الحارثي ).

ابو فارس شخصية يمكنها ان تسرق الاضواء من أهم الممثلين الذين يقفون امامه فهو يمتلك حضورا طاغيا يجيد التعامل مع الممثل الساند والكاميرا ويعرف كيف يصيغ الموقف ,وكيف يقول المفردة البغدادية بوجه مميز, وملامح وصوت مميز لا ينسى ابدا . لم يكن خليل يبحث عن المخرجين ,بل ان المخرجين هم من يبحثون عنه, لانه سهل وطيب المعشر ويفهم سريعا ماذا يريد منه المخرج وماذا تتطلب هذه الشخصية التي اسندت اليه, يؤديها وكأنّها كتبت خصّيصا له ان كان فيها ابو فارس ,أو زعتر كما في مسلسل (قصخون ), أو اية شخصية اخرى . سمعته مرّة يغني ويعزف :يالزارع البزرنكوش ..كوم ازرع الحنه .سمعته مرّة يغني ويعزف اغنية :انت عمري لام كلثوم ,سمعته يعزف ويغني في مسرحية (دنيا عجيبه ) ..

سمعته يغني المقام ,سمعته يغني :أاااااه ينجوه ,هلج وين ينجوه, فيبرنامج لقاء مع فنان فظهر سعدون جابر وغنّى نفس الاغنية لكنني طربت لها بصوت خلاوي الاجش وانتظرت كثيرا مداخلات الرفاعي الذكية وطريقته اللطيفة في طرح الاسئلة ومشاركته سعدون في الغناء وكان لقاءا لاينسى . قصير يتحرّك كانه يقف على عربة تتحرك في ارض مستوية ورأسه يدور حول مفصل يرتكز على جسد مدوّر بدون رقبة لكنه جميل في كل شيء حتى حينما يقول انا لاعب كرة قدم وسلّة وطائرة ,وأنا شخصيا مستعد ان اصدّقه حتى حينما يقول انا كذا وكذا لانه لايتبجح ويقول مايحب ان كان فعل ذلك أم يحب ان يفعل .يقول ابو فارس انني كنت قريب جدا من العالمية حينما جاء منتج شركة بريطانية وشاهد تمثيلية له مع زميله كامل القيسي فأختارهما لفيلم لورانس العرب ,كان ذلك في 12 تموز 1958 لكن قيام ثورة 14 تموز حالت دون ذلك فذهب الدور للممثل المصري عمر الشريف .

ولد خليل الرفاعي في 7 يوليو 1927 في منطقة (درب الشوك) الشعبية .دخل ثانوية الكرخ ومثّل فيها مسرحية (زقزوق ) فانطلق منها ليتم تعينه في اذاعة بغداد ليقدم برنامج (فاكهة الصباح برفقة (حميد المحل ).أول اعماله الدرامية تمثيلية (سلفة زواج )عام 1956 تأليف خليل شوقي.قدّم الكثير من البرامج التلفزيونية بمشاركة اصدقائه ابراهيم الهنداوي وجميل الخاصكي ومحمد وكامل القيسي .

كتب ومثّل الكثير من الاعمال المسرحية والاذاعية والتلفزيونية والسينمائية فكانت حصيلته من الاذاعة و التلفزيون اكثر من (850 ) مسلسلا منها مسلسلات (بوادي عاشقه ,القلب في مكان اخر , اربعة على الطريق ,صفر زائد صفر ناقص ,حامض حلو ,غاوي مشاكل ,الهاجس ,الفرج بعد الشدة ,احلى الكلام ,جحا ,الى الشباب مع التحية ,رحله مع المسافر ,عقدة حمار ,رجال الظل ,الحوت والجدار ,ذئاب الليل ,للفقراء مجانا ,البرج والثعبان ,ليل الشتا ,اشهى الموائد في مدينة القواعد ,برج العقرب ج2,مناوي باشا ج2,شارع اربعين ,ابو البلاوي ,ابو فارس ,تحت موس الحلاق,القلب في مكان اخر,حامض حلو ,ناس من طرفنه ,الرسالة الصفراء ,شقة مقابيل شقة ,أوتار ودموع ).

وفي المسرح كانت أول مسرحية احترافية له هي (وحيده العراقية )عام 1945ثم توالت اعماله المسرحية (صايره ودايره ,الخيط والعصفور ,الشريعة , عقدة حمار ,ليلة القبض على حسون ,حفلة سمر من اجل حزيران ,واعرفاه,سلامتك ).شارك في العديد من الافلام السينمائية منها (درب الحب ,الجابي ,ليالي بغداد ,الاميره والنهر , الباحثون ,اسعد الايام ,حماة الابطال,,زمن الحب ,عماره 13,الفجر الحزين ).

كتب الكثير من مسلسلاته مثل (غاوي مشاكل ,ابو البلاوي ,سبع صنايع ) وغيرها .حصل على اكثر من 12 جائزة وشهادة تقديرية من أهمها جائزة افضل ممثل من مهرجان قرطاج عام 2001 عن مجمل اعماله .اخر عمل مسرحي له كان (مواسم الجفاف )تأليف فاروق محمد .شارك مع فرقة الزبانيه في اعمال جميلة برفقة زميله محمد القيسي واخرون .كما شارك كضيف شرف في فرقة (مسرح الفن الحديث ) ,وفرقة الرسالة ,وأسس فرقة مسرح بغداد .توفي في اربيل في 9 اكتوبر 2006 .رحم الله ابو فارس عاشق المرح والغناء والعود والتمثيل ومسرح الطفل .هو مات وأنا أكتب عنه معتذرا عن ماحصل معه في أكاديمية الفنون الجميلة ,وأعترف, أنا من كان السبب.

لا تعليقات

اترك رد