ماذا يعني رفض ترمب الصفقة الرديئة؟

 

عارضت السعودية وإسرائيل الاتفاق النووي 5+1 الذي وقع عام 2015 وغض الطرف عن التمدد الإيراني في المنطقة العربية، بينما إسرائيل لم تكن مقتنعة بتفاصيل الاتفاق النووي، وبعد متاجرة إيران بالقضية الفلسطينية وقيادتها لمحور المقاومة والممانعة، لكن حضورها إلى سوريا بعدما شعرت بأن الاتفاق النووي سيعطيها حصانة، ما جعلها تعلن جهارا عيانا بأنها أصبحت تحتل عواصم أربع دول عربية، ولم تتوقع أن الظروف الدولية ستتبدل، وأن تمددها وابتزازها للمجتمع الدولي ودول المنطقة لا يمكن أن تدافع عنها لا روسيا ولا الصين خصوصا بعد الضربات التي تلقتها من إسرائيل على قواعدها في سوريا، لأن إسرائيل ترفض أن تكون إيران دولة مجاورة لحدودها في سوريا ولبنان ما تعتبره بمثابة حصار لا يمكن أن تقبله.

لم تأخذ إيران العبرة من صدام حسين حينما أرسل 39 صاروخا على إسرائيل لم يصب أي صاروخ هدفه، ولم تدرك حتى الآن أن 28 طائرة قصفت عشرات المواقع التابعة لطهران وحزب الله في سوريا بدعم أمريكي وبريطاني وموافقة روسية ردا على إطلاق 20 صاروخا باتجاهها اتهمت فيلق القدس الإيراني بالمسؤولية عنه، لكن لجنة الدفاع في البرلمان الإيراني نفى أي علاقة لإيران بالهجمات التي استهدفت إسرائيل.

خروج الرئيس ترمب من الاتفاق النووي ومطالبته بتفكيك حزب الله في لبنان، أي أنه ترك تفكيك أذرع إيران في المنطقة للسعودية في اليمن وإسرائيل في سوريا، فيما اكتف ترمب بفرض العقوبات على إيران، من أجل أن يضعف تمويل أذرعها في المنطقة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وحتى في شمال أفريقيا التي حاولت إثارة الخلاف بين الجزائر والمغرب، لكن سارعت دولة المغرب إلى قطع العلاقات مع إيران بعد كشفها لعناصر من حزب الله تدريب عناصر من حركة البوليساريو الانفصالية التي تراها المغرب أداة جزائرية منذ عام 1975.

القضية لم تكن فقط محصورة بالملف النووي بل في سلوك إيران، وإلا كيف يتم تفسير سلوك حزب الله بعد الانتخابات الذي أراد أن يشعر المنطقة أنه جزء من الحرس الثوري الإيراني، وأنه يسعى لتأكيد انتصاره إلى الحضور الإيراني في المنطقة وأن لبنان لا يزال تحت الوصاية الإيرانية وانه بلد تابع لإيران.

خروج ترمب من الملف النووي ترافق مع عملية استيعاب لكوريا الشمالية التي اختارت التخلي في مرحلة معينة عن ترسانتها النووية وأن تتحول إلى دولة طبيعية،

ويريد ترمب إرسال نفس الرسالة لطهران بأن تتحول إلى دولة طبيعية، وأن تتخلى عن ترسانتها النووية والصاروخية التي تهدد أمن المنطقة، خصوصا وأن كوريا الشمالية لن تتعاون مع إيران حول تطوير أي أسلحة نووية أو صاروخية وستصبح إيران دولة منعزلة، ويمارس ترمب نفس الضغوط على إيران التي مارسها على كوريا الشمالية.

هناك ضغط من قبل ترمب على أوربا بأن يشمل الاتفاق النووي الصواريخ البالستية والسلوك الإيراني في المنطقة ووقف مليشياتها المذهبية التي دمرت المنطقة وهي مرحلة ما بعد داعش التي لم تستوعبها إيران والتخلي عن أوهامها التاريخية أن تصبح قوة عظمى، وأن طموحاتها جميعها باءت بالفشل وهي في مهب الريح مهما بلغ مداها والإنفاق عليها خلال الفترة الماضية، وعليها أن تضع حدا لطموحات تمددها في اتجاه العراق وسوريا ولبنان واليمن ولن تحصل على طريق الحرير من طهران مرورا ببغداد ودمشق فالبحر المتوسط. سيخرج النظام الإيراني من سوريا واليمن كما خرج من لبنان عام 2005، لأن النظام السوري يعتمد على الوجودين الروسي والإيراني وهو ما يجعله يصمم على الحل الأمني الذي أخر الحل السلمي في سوريا، خصوصا بعدما ساهمت إيران في تفتيت المعارضة السورية، والمساهمة في التطهير العرقي والمذهبي والتغيير الديموغرافي تحت الحماية الروسية، لأن إيران والنظام السوري لا يمتلكان قوة جوية كافية لحماية العمليات العسكرية التي يقودها النظام ومليشيات طهران وحزب الله، ما جعل النظام السوري يسيطر على 60 في المائة من الجغرافيا السورية البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، فيما يسيطر حلفاء واشنطن على ثلثها، وتتقاسم فصائل موالية لتركيا وأخرى متشددة على باقي الأراضي السورية، وحاولت روسيا تشكيل الفيلق الخامس بقيادة سهيل الحسن الملقب بالنمر من أجل أن يكون مقابل الحرس الثوري الإيراني يخضع للإملاءات الروسية.

نجحت إيران في الفترة الماضية في الترويج لمفاعلاتها النووية وأجهزة الطرد، لكن كانت ورشة إيران الحقيقية تمتد في المنطقة بشكل متسارع، فنشرت مراكزها الثقافية في السودان ومصر والجزائر وشمال أفريقيا، بجانب نشر خلاياها في دول الخليج خصوصا في الكويت والبحرين حتى باتت إيران تعتقد أنها رقما صعبا، وهي تريد أن تتحول إلى إمبراطورية إيرانية عاصمتها بغداد، أي أن إيران لم تكن تريد من الاتفاق النووي سوى الانتشار في منطقة الشرق الأوسط، لكن كانت يقظة السعودية لما تقوم به إيران منعتها من التلاعب بمنطقة الخليج، واستطاعت إخراج أنشطة إيران من السودان ومصر وتحارب ذراعها في اليمن، بعدما نجحت إيران في التوصل مع أوباما في التمدد في منطقة الشرق الأوسط فقط من أجل توصل أوباما إلى اتفاق نووي، بل نصح أوباما السعودية بالتفاهم مع إيران وتقاسم النفوذ في المنطقة الذي رفضته السعودية، بل احتفل العالم بتوصله إلى هذا الاتفاق النووي واعتبر أن أوباما سيدخل التاريخ.

رفض ترمب الصفقة الرديئة مما أفسد زهو الملالي الذين تفاخروا باحتلال أربع عواصم عربية، وفي نفس الوقت زهوهم بمكاسب النفط فإن إعادة فرض العقوبات ستصب على رأس قطاع الطاقة الإيراني الأكثر تضررا من العقوبات عموما، لذلك نجد الإيرانيون يتهافتون على القفز من المركب الغارق ونقلوا 30 مليار دولار للخارج، ونحو 20 مليار يتم الاحتفاظ بها خارج الشبكة المصرفية نتيجة عدم ثقة المواطنين بالنظام الاقتصادي، فالأزمات تربك الاقتصاد الإيراني المرتبك أصلا، فالتضخم يزداد وصل إلى 15 في المائة وسيرتفع نحو 50 في المائة مع تجدد العقوبات الأميركية، والريال وصل قرب 80 ألف مقابل الدولار بعدما كان عند 42 ألف ريال لكل دولار مع نهاية عام 2017، وتأمين فرص العمل يتراجع، إنها كارثة اقتصادية حقيقية.

العقوبات تحاصر الاقتصاد الإيراني وتدفعه نحو شفير الإفلاس، فالآثار الاقتصادية للانسحاب الأمريكي ثقيلة وشاملة، فإيران مقدمة على زلزال، فالخروج من الاتفاق النووي يفكك السلاح الاقتصادي لإيران، ويدق المسمار الأخير في نعش نظام الملالي، خصوصا بعدما أمهل ترمب الشركات الغربية بين 90 يوما و 180 لإنهاء العقود التي بدأت تعمل بعد رفع العقوبات بموجب اتفاق عام 2015، خصوصا وأن بوينج في ديسمبر 2016 أعلنت عن اتفاق لبيع 80 طائرة لشركة الخطوط الجوية الإيرانية بقيمة 16.6 مليار دولار، وأعلنت كذلك عن صفقة في أبريل 2017 لبيع 30 طائرة من طراز بوينج 737 ماكس بقيمة ثلاثة مليارات دولار لشركة طيران طاسمان مع حقوق شراء 30 أخرى، هذا بخلاف إيرباص الأوربية أعلنت عن عقود بيع 100 طائرة بقيمة نحو عشرة مليارات دولار بجانب العقود الأخرى.

تم رفع إنتاج النفط الخام في إيران من ثلاثة ملايين برميل يوميا عام 2014 إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميا، ارتفعت فيه الصادرات بأكثر من الضعف لتصل إلى 2.6 مليون برميل يوميا، وهدف إيران زيادة الإنتاج ليصل إلى 4.8 مليون برميل بحلول عام 2021، ما يعني أن الصناعة بحاجة إلى 200 مليار دولار من الاستثمارات المحلية والأجنبية لتحقيق أهدافها، ففي ظل العقوبات لن تحصل إيران على تلك الاستثمارات، كذلك سيتأثر قطاع الهيدروكربونات في إيران منذ الاتفاق النووي هو العقد المبرم مع شركة توتال بقيمة 4.8 مليار دولار لتطوير جزء من حقل بارس الجنوبي أكبر حقل للغاز في العالم، فالمشروع يتعرض للخطر.

تصدر إيران نفطها نحو 60 في المائة إلى آسيا ومعظمها إلى الصين وهي من البلدان الموقعة على الاتفاق النووي هي والهند، القضية الحاسمة بالنسبة لإيران ستكون تحديد أي الشركات والحكومات التي ستواصل شراء النفط الخام فيما لو أعيد فرض العقوبات، لأن أغلب الشركات ستتعاون مع العقوبات حتى وإن كان رأي حكوماتها عكس ذلك، وشركات التكرير الآسيوية تسارع الخطى لإيجاد إمدادات بديلة والشركات الصينية تتجه إلى إمدادات السعودية وروسيا وغرب أفريقيا وكوريا الجنوبية تقلص وارداتها من إيران.

تهيمن الحكومة على الملف النووي، بينما الحرس الثوري يهيمن على الدور الإقليمي والنشاط الصاروخي، ويهيمن على ثلث الاقتصاد الإيراني بحسب الإحصاءات الرسمية، وهو اقتصاد مغلق غير منفتح وأي مفاوضات جديدة بيد الحرس وليس بيد الحكومة، ويعتبر بعض المحللين وخاصة ماكرون أن الانسحاب من الاتفاق النووي يفتح صندوق باندورا أي صندوق ملئ بالكوارث والأزمات لا يمكن إغلاقه، لكن ترمب له رأي آخر مرتبط بملفات أخرى منها الملف الكوري والسوري والتمدد الروسي.

إيران تعيش وضع مأساوي لم تعشه منذ الثورة الخمينية عام 1979 بعدما عاشت نشوة الانتصارات عام 2017، وانسحاب ترمب من الاتفاق النووي بسبب سوريا التي توجد فيها قوات أمريكية كما أن هناك قوات أمريكية في العراق التي يمكن أن تخرج خلال 24 ساعة من المنطقة إذا ما تعرضت للتهديد، انسحاب ترمب من الاتفاق النووي مستثمرا الانقسام في الداخل الإيراني بين الرئيس حسن روحاني من جهة وبين رئيس الأركان محمد باقري وقائد فيلق القدس قاسم سليماني حيث يرى حسن روحاني أن تدخل إيران في سوريا يضع إيران في خطر وستدفع ثمن ما تقوم به وأن التدخل في سوريا يمنع إنقاذ الاتفاق النووي.

لا يزال سليماني يصر على تصدير الثورة، لكن سلطات روحاني محدودة، اليوم تشعر إيران أنها محاصرة، خصوصا وأن المظاهرات في إيران مستمرة وبشكل خاص في أصفهان التي لا تهدأ، ولكن يتم التعتيم عليها وهي مظاهرات المزارعين الفقراء بسبب الجفاف الذي يضرب إيران، بجانب الأزمة الاقتصادية التي تضرب إيران، وتشعر إيران بأنها مخترقة من إسرائيل بعد حصولها على مائة طن من الوثائق والملفات الإيرانية.

أخيرا أراد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي أن يعيد الدور الأميركي الأكبر إلى الشرق الأوسط، ولا تريد أمريكا أن تتفرد روسيا بسوريا، لذلك تحرص على تفكيك تحالف روسيا مع إيران وتركيا.

المقال السابق” الصك “!!
المقال التالىقصة مفتاح فلسطين
د عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية العمل الحالي : قسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى بمكة الخبرات العلمية : - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1413-1419 بمكة المكرمة - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1420- 1427 - رئيس لجنة اختيار مكة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد