في تونس: نيسان يذبِل الورود ويحرِق الصِبيان

 
الصدى - تونس

الانتحار إجابة على خواء الحلم

لعلّ موجة الانتحار أو محاولاته المُتكرّرة تمثّل رغبة في وضع حدّ للفراغ العاطفي والفكري والحياتي الذي تعيشه ناشئتنا في مختلف جهات الوطن.. أو لعلّه تعبيرة عن رغبة حبيسة بالنّفس الباحثة عن موقع لها في هذا الواقع الأجدب ،للفت الانتباه وشدّ الأنظار المتعالية أو المهملة أو لعلّه ضربٌ من ضروب ردّة الفعل على الأهلين المهملين أو المجتمع الجانح او أحد المهمّين بحياة الفاعل علّه ينتقم من لامبالاتهم ويشوي أكبادهم التي ما رأفت به.. الفاعل يسعى إلى إثبات الذات أو الانتقام منها أو من الآخر الممثّل للسّلطة (سواء أكان أحد الأبوين أو كليهما أو حبيبًا نَفُورًا أو هيكلا ذا سلطة معنوية أو مادّية أو إدارية او سياسية أو غيرها…)

أنّى السّبيل إلى مُعالجة هذه الظّاهرة أو الحدّ منها ؟

لعلّ أيسر السّبل هو تحميل المسؤولية إلى الآخر..فكلّ يسعى إلى التّنصّل من مسؤوليته ولعلّه يُقرّ ببعضها بعد فوات الأوان…

لنختصر الطّريق وننطلق من مصادرة تحمّلنا جميعا المسؤولية..فالأبوان استقالا أو يكادان من مسؤوليتهما تحت طائل الضّغط النّفسيّ والعوامل المفتّتة لأمن الذّات ك(العطالة أو غلاء المعيشة أو غياب الانسجام الأسريّ أو الضّربات الموجعة للمطرقات الإعلامية أو حالات التّغريب وعدم الرّضا واستشناع الذات والحال التي تجتهد في نثرها المسلسلات من كلّ الأحداب والأصواب…) فلا الأب ينهض بوظيفته المركزية وهي “الأبوّة” أي حماية أنفس الأبناء الهشّة من كلّ هجوم غريب أو غدر أليف فقد استحال الوالدون إلى مصدر للكفاف المادّي لا أكثر وأضحوا مصدر تعنيف للنّفوس اليانعة حضورا وغيابا.. ولا الأمّ ظلّت رؤومًا كما عهدناها باثّة للحنان ومحافظة على توازن النّفس ومعينا للأمل لا ينضب.. فتحلم الذّواتات الصّغيرة وتحلم…

أمّا هياكل التنشئة العمومية فقد تراجعت عن أدوارها التّربوية واكتفت بالمجهود الأدنى فالمحاضن والرّوضات والمدارس والمعاهد والكلّيات ظلّت حبيسة دور إكساب المعارف بأدوات ووسائل خرّقها الواقع وامست سببا للفجوة بدل الوصل والانسجام وبناء أفراد أسوياء خاصّة وقد بات الواقع فِجاجًا ميّالة إلى الانبتات والتوتّر وإفشال العملية التّربويّة فليس أهمّ عند الأسرة والمدرسة من أرقام ومعدّلات عليا بغضّ الطّرف عن الابن التّلميذ الإنسان ليشقَ ولْيَذهبْ إلى الجحيم المهمّ أن يُجيب إلى الرّغبات الأنانية لوالديه ومعلّميه ولا أهمّيةَ لجسم سليم وعقل قويم وروح نقيّة…

أمّا المجتمع يا صاحبي فقد أطبقت عليه النّرجسية وكثرت بؤر تغذيّة إفساد النّاشئة فيه فقد استوت لدى أفراده الأنوارُ والظّلم فلا أهمَّ عندهم من أن يكنزوا متاعا فانيا فانتشرت المخدّرات والموبقات جميعها والكلّ يُسابق الكلَّ في الكسب الحرام وإن كان على حساب فلذات أكبادنا..وتفاقمت السّلبية فكلّ ينأى بنفسه “وخي أش يهمني”..”ابعد ع الشر وغنّيلو” ..

أمّا المؤسّسات المؤتمنة على ناشئتنا فقد لحقها التّقاعس والكسل والكلّ إمّا راكن إلى السّلبيّة أو هو ساع إلى كسب مع النّاهبين..ورجالات المجتمع والدّين والسّياسة إمّا منصرفون إلى اهتمامات أخرى أو هم قد أعياهم التّنبيه على مثل هذه النّوائب أو هم مخلصون لمقاماتهم يخشون عليها إغضاب القيّمين على الفساد هذا إن لم يقربوهم أو يشاركوهم ذلك.. إنّ الإحباط النّاتج عن لعنة الإفلات من العقاب يُمأسس لنا “جمهورية موزية” ينعم فيها حفنة من المارقين عن القانون وتشقى فيها غالبية مغلوبة على أمرها ..تُهمل وِلدانها في رعاية ذئاب بشرية عديمة الهمّة والمسؤولية..

فتتحصّل لدينا قائمات متعدّدة من النّاشئة المرشّحة للتّيه والعدم والفناء..فيميلون نحو “نعيم” مخدّر يغيّبهم عن مرارة الواقع..أو يستقطبهم مقاولو الحروب بعد أن يعدوهم بجنان وثمر وأنهار.. او يقعون في شراك بائعي الوهم في رزق ينتظرهم ببلاد الشّقراوات وغالبا ماينتهي بهم المطاف لقمة لأسماك البحر الأبيض المتوسّط.. أمّا من كثرت عراقيله فله في النّار أو الآبار أو الأشجار أو اسطح المعمار سبيل للخلاص..
هلاّ كففنا عن اللامبلاة ومضينا كلّ راع يرعى رعيته ويحميها من الاندثار..
اللهمّ فاشهد إنّي قد بلّغت.

المقال السابقهل يتحقق حلم المصريين؟
المقال التالىلا لرفع شعارات العنف في ساحات التحرير
عمار التيمومي : ولد في 05 مارس 1969 بنصرالله. وهوأصيل بني جلاص يسكن بمنزل المهيري-القيروان أستاذ أول مميّز درجة استثنائية للتعليم الثّانوي حاصل على الأستاذية من كلّية الآداب بمنّوبة والماجستير من كلّية الآداب بالقيروان بتقدير حسن جدّا. ويعدّ رسالة دكتوراه في الخَطابة بكلية العلوم الإنسانية والاج....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد